دراسات اجتماعية

المنبر الحر

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

نحو رؤية علمانية

 غير مناهضة للإسلام

عن المستقبل 

بقلم :  توفيق المديني

             هذا هو السياق التاريخي ـ السياسي الذي تشكلت فيه العلمانية كلازمة أساسية على الصعيدين التاريخي المنطقي للثورة الديموقراطية في أوروبا.

العربي

أما على الصعيد العربي المتسم بالغياب الكلي للديموقراطية، وللرقعة الثقافية على حد سواء، فإن شعار العلمانية يطرح الآن ضمن فراغ ثقافي، وانعدام وجود حداثة فكرية وعقلية، باعتبارها الوسيلة الأكثر إلحاحاً لطرح الأسئلة الجذرية على الواقع، والتاريخ، والإسلام، وإحداث مجابهة فكرية وثقافية خصبة بين الرؤيا العقلانية والعلمانية للعالم والحياة، والرؤيا الدينية للعالم والحياة. وظل شعار العلمانية يطرح في نطاق السجال الإيديولوجي مع الإسلام السياسي، ومرتبط ارتباطاً عضوياً بالأحزاب القومية واليسارية الراديكالية، التي تسعى للتخفيف من هيمنة الإسلام في الرمز السياسي والأيديولوجي للدولة، دفاعاً عن حقوق الأقليات الدينية التي لها حساسية مفرطة إما بسبب تفوق الإسلام كدين للأكثرية في الحياة العامة، وإما رغبة منها في التحديث الاجتماعي، معتبرة تجربة الغرب نموذجاً يحتذى به على الصعيد الكوني. ولا يمس هذا الطرح العلماني بشكل مباشر المعضلات الأساسية التي يعاني منها العرب في طورهم الراهن، خاصة إنجاز الثورة الديموقراطية.

وقد بينا سابقاً أن الحركة القومية بجميع تفرعاتها لم تستطع أن تنجز الثورة الديموقراطية. ونحن الآن لا نستطيع أن نفكر بإنجاز الثورة الديموقراطية، دون أن نفكر بدحر الاحتلال الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين، وأشكال التبعية المباشرة وغير المباشرة، وبالوجود الإمبريالي الأميركي ـ الصهيوني الذي تعهد بضمان بقاء مخلفات القرون الوسطى، وبتزويد الدولة التسلطية العربية بمقومات البقاء والاستمرار، لأنه يرى فيها الضمان الحقيقي لبقاء حالات التمزق والتبعية والتخلف الراهنة، وحتى الأحزاب العربية على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية لم تكن تملك مفهوم ثورة ديموقراطية شاملة، ولم تكن تتبنى قيما وتقاليد ديموقراطية.

ومع ذلك كله، فإننا نستطيع أن نقول جازمين أننا لم ننجز ثورة ديموقراطية قومية، ولا حتى ثورة ديموقراطية في جزء من المنطقة العربية.

وتختلف الثورة الديموقراطية في العالم العربي عن الثورات الأوروبية، لأن هذه الأخيرة قادتها البرجوازية الرأسمالية الصاعدة، والبرجوازية العربية ليست طبقة قائدة، وليست مؤهلة، ولا مستعدة ولا تعتبر هذا دورها، لأنها جزء من العولمة الرأسمالية الجديدة، تنمو على هامشها، وفي ظلها وترتبط بمصالحها، لأن اعتمادها الأساسي قائم على القوى الرأسمالية العالمية.

ولذلك فإن ثورتنا الديموقراطية تحتاج الى بناء أوسع تكتل تاريخي بالمعنى الغرامشي من الشرائح الثورية والديموقراطية من الطبقة الوسطى والعمال والفلاحين. وستكون الطبقة الوسطى هي الطبقة المؤهلة لقيادة الثورة الديموقراطية بعمقها الإنساني. وتعني ثورتنا الديمقراطية.

أولاً: إنجاز تحرير الوطن كله من الاحتلال، وكل أشكال التبعية المباشرة وغير المباشرة، وتحقيق الانصهار القومي، باعتباره لازمة ضرورية للتقدم العربي، وقاعدة للبناء القومي، وشرطاً لازماً للممارسة الديموقراطية.

ثانياً: تصفية مخلفات القرون الوسطى وبقايا الإقطاع والطائفية والقبلية، وكل من يعيق تحرير المواطن والوطن، خاصة النسيج المجتمعي العربي التقليدي.

ثالثاً: إنجاز الوحدة القومية، وبناء الدولة القومية العقلانية الحديثة.

رابعاً: إقرار حقوق الإنسان والمواطن، وحقوق الأمم، والنضال لتعميمها، حرية الرأي، حرية العبادة، حق الاجتماع والإضراب، حرية إصدار الصحف، حق تكوين الأحزاب، وضمان الحريات الشخصية.

خامساً: إعلان الدولة دولة المواطنين، دولة الحق والقانون. ولكن عملية البناء الديموقراطية هذه، ستواجه عقبات ليست بالهينة حسب تعبير ياسين الحافظ، ذلك لأن الديموقراطية، هذه الوافدة البرانية، لم تجد التربة والمناخ المجتمعين والإيديولوجيين الملائمين لانغرازها وازدهارها.

عقبات

العقبة الأولى: التي عرقلت تارة أوصدت تارة أخرى عملية البناء الديموقراطي هذه هي افتقار مجتمعاتنا الى القيم التعددية، إن المونوليتية أوالتكتلية السائدة في البنيان الأيديولوجي للبلدان العربية تناقض على خط مستقيم البنيان الإيديولوجي للديموقراطية الذي يقوم على تسوية أو حل وسط بين آراء أو مصالح متعارضة.

أضف الى ذلك أن الأساس الإيديولوجي للديموقراطية إنما يرتكز على فكر دنيوي (وضعي)، علمي يرى الى الحقيقة كشيء نسبي يجري تخطيه جدلياً مع كل خطوة تخطوها المعرفة الى الأمام، في حين أن البنيان الأيديولوجي للبلدان العربية، يرتكز على فكر إيماني دوغمائي، يعتبر المعتقد الإيماني حقيقة كلية مطلقة، اجترحت مرة واحدة والى الأبد.

العقبة الثانية: التي عرقلت وتعرقل عملية البناء الديموقراطي، في بلد متأخر هي الانقسامات التقليدية أو (انقسامات المجتمع التقليدي العمودية، الفئوية، المحلية، الإقليمية)، التي تفتت أو تذرر الأمة، بل بالأحرى تجعل الأمة في حالة تفتت وتذرر.

سادساً: إنالمشروع القومي الديموقراطي يناضل من أجل علمانية غير مناهضة للإسلام التاريخي، لأن الإسلام في العالم العربي والإسلامي، ليس فيه كنيسة، وحتى المؤسسة الدينية الرسمية المرتبطة بالدولة التسلطية العربية وتوظفها أنظمة الرأسمالية التابعة في نطاق المحافظة على الإيديولوجية التقليدية، والواقع المجتمعي التقليدي، ليست هي وحدها موجودة في المجتمع، بل إنها تجد منافسة قوية جداً من المعارضات الإسلامية التي تطعن في صدقية تمثيلها للإسلام، كما هي الحال في مصر والجزائر الخ... والإسلام إسلاميات هناك الإسلام الرسمي، والإسلام المعارض، وهناك الإسلام السلفي والإسلام الجهادي التنويري.

كما أن العلمانية التي عبرت عن الصراع بين النظام المعرفي الثقافي القديم والنظام المعربي ـ الثقافي الجديد، بوصفها إحدى خاصيات المجتمعات الغربية، التي انتصرت فيها البرجوازية الرأسمالية الصاعدة على الكنيسة، ونجحت في ترسيخ القيم العلمانية على صعيد الدولة والمجتمع، شكلت فتحاً برجوازياً غريباً لحداثة فكرية في تاريخ البشرية، مثلها في ذلك مثل الحداثة، التي تنتمي الى كل العصور التاريخية، باعتبارها الموقف الديناميكي النقدي التايرخي الذي تقفه الروح البشرية أمام الواقع والتاريخ، الذي يصنعه البشر في المجتمع. وهذا الموقف وجد في القرون الهجرية الأولى من أوج قوة الدولة العربية الإسلامية. فالدولة الأموية والعباسية هي دولة علمانية وعقلانية، وشهدت حركة تنويرية وعلمانية قل نظيرها تمثلت بحركة المعتزلة، التي طرحت مشكلة ما دعته "القرآن المخلوق". انه يمثل موقف حداثة في عز القرن الثاني الهجري/أو الثامن الميلادي، وكان هذا الموقف التيولوجي المبكر الذي اتخذه المعتزلة يفتح حقلاً معرفياً جديداً قادراً على توليد عقلانية نقدية مشابهة لتلك العقلانية التي يشهدها الغربي الأوروبي بدءاً من القرن الثالث عشر لولا معارضة الأرثوذكسية الظافرة (الإيديولوجية الأشعرية) في القرن الخامس الهجري ـ الحادي عشر الميلادي..، خصوصاً على يد الخليفة القادر.

في ظروفنا المعاصرة، يمكن تطبيق علمانية غير مناهضة للإسلام، تقوم على دمج الإسلام في نسيج التاريخ الحديث، عبر دعوة الفكر الإسلامي الخروج من الأرثوذكسية الجامدة، أي الإيديولوجية الإسلامية التقليدية، على الثورة المعرفية التي حصلت في الغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، والتي شكلت تدشيناً جديداً لحداثة فكرية، عقلية متزامنة مع ثورة علمية وتكنولويجة هائلة، أكثر اتساعاً وتجاوزاً للحداثة الغربية الكلاسيكية، لكي يصبح الإسلام قادر على مواكبة العصر الحديث، وامتلاك الوسائل الكفيلة لمواجهة التحديات التي تنهال على العالم العربي والإسلامي من كل حد وصوب، ويبني بشكل مبدع وخلاق وصادق علمانية منفتحة، تكون تجاوزاً للعلمانية المعاشة في الغرب، التي أصبحت بدورها تعيش أزمة عميقة نظراً لعودة العامل الديني، والتقارب بين الكنيسة والدولة العلمانية، خصوصاً بعد احتداد أزمة الاشتراكية المشيدة وانهيارها في البلدان التي قامت فيها، وتفشي الأزمة الأخلاقية في البلدان الرأسمالية في ظل سيادة النزعة المادية الصرفة، وإرهاصات المجتمعات الغربية في البحث عن توازن جديد في حياة الإنسان تجمع ما بين الروحي والمادي، ومن أجل علمنة جديدة تتيح إمكانية وجود روحانية جديدة على حد قول الباحث الفرنسي إميل بولا في علم اجتماع الأديان.

بناء مجتمع مدني مؤسس على العقلانية والعلمانية:

ويقوم المجتمع المدني على أساس احترام حقوق الإنسان، وهي جزئياً الحقوق السياسية، ومضمونها يكمن في المشاركة السياسية في الدولة.

ومن هذا المنظار، فهي تدخل في مقولة الحرية السياسية، وحقوق الإنسان هي حقوق عضو المجتمع المدني المتحرر سياسياً. أما مرتكزات إعلان حقوق الإنسان، فتتمثل في المساواة السياسية والقانونية، والحرية، والملكية الخاصة. وتشكل الحرية الفردية، والحريات العامة، أساس المجتمع المدني.

إن المجتمع المدني بهياكله الاقتصادية، وانقساماته الطبقية، والفئوية، وتبايناته الاجتماعية، وتكويناته السياسية والنقابية الذي تحكمه مبادئ المواطنة، والمساواة السياسية والقانونية، والحرية، والملكية الخاصة. وتشكل الحرية الفردية، والحريات العامة، أساس المجتمع المدني.

إن المجتمع المدني بهياكله الاقتصادية، وانقساماته الطبقية، والفئوية، وتبايناته الاجتماعية، وتكويناته السياسية والنقابية الذي تحكمه مبادئ المواطنة، والمساواة السياسية والقانونية، بين الأفراد في الحقوق والواجبات، والمشاركة السياسية للشعب من خلال الانتخابات الاشتراعية، والرئاسية، والبلدية، والمحلية، لانتخاب الممثلين عنه للإضطلاع بأعباء السلطة في الدولة الديموقراطية، باعتبار أن الشعب أوالأمة، هو مصدر السلطات الذي لا يتحقق كمبدأ الا في ظل سيادة الديموقراطية، بوصفها أيضاً المساحة التي يتقاطع فيها المجتمع المدني مع الدولة، فإن هذا المجتمع المدني عينه، هو مجتمع الاختلاف والتعدد، والتعارض، والتناقش داخل بنيانه وهياكله الاجتماعية والسياسية.

إن الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، صفات جوهرية متأصلة في الأفراد، والجماعات، والطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة، والأمم، والدول، والشعوب، والحضارات، وهي جميعها كظاهرات متأسسة بعضها على البعض الآخر في علاقة ديالكتيكية، تشكل قانون التغيير، والتطور والتقدم في حركة التاريخ بوجه عام، وتاريخ الديناميات الداخلية للمجتمع المدني بوجه خاص. فالاختلاف والتعدد والتعارض والتناقض للأنا مع الآخر، حسب مقولة الديالكتيك، هي هوية المعرفة، والمنطق، هي وحدة الأنا مع الآخر الديالكتيكية في هوية واحدة. فليست حقيقة الأنا انه في هوية مع نفسه، أو نفسه، أو أنه مختلف مع غيره، وإنما يشتمل على آخر هو ما هيته.

لهذا كله نقول أن تكوينات المجتمع المدني ومؤسساته، من أحزاب سياسية، ونقابات، ومجلس نيابي وصحافة، ووسائل إعلام، قائمة في وجوده المعين، على الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، بهذا تكون ماهية المجتمع المدني انعكاساً في الآخر، وفي وارتباطه الصميم بغيره من مقولات الاختلاف والتعدد، والتعارض، والتناقض، ومن هنا كان هذا الأساس هو الماهية الداخلية للمجتمع المدني، على نقيض النزعات الدكتاتورية، والتوتاليتارية، والفاشية، والظلامية. كما أن تعيينات المجتمع المدني تتحدد في الأمور التالية:

إن المجتمع المدني قائم على الحق أي حق الإنسان الواقعي، وعلى مبدأ العقلانية والواقعية في العلاقات الاجتماعية والسياسية. والمجتمع المدني بهذا المعني، هو المجتمع الحديث المتناقض جذرياً مع المجتمع التقليدي المتأخر تاريخياً، باعتبار هذا المجتمع المدني نزاعاً باستمرار وعلى الدوام الى مواكبة العصر، والمعاصرة في العالم، أو "المزامنة العالمية"، أي انه تسود فيه ديناميكية وروح التغيير والتجديد والإبداع في تناقض كلي مع نمط المجتمع التقليدي المتمحور على الماضي.