دراسات اجتماعية

المنبر الحر

 

*  محتويات ( المنبر الحر ) تعبر عن آراء  أصحابها

*  للرد على آراء  كٌتّاب  المنبر الحر ،  يرجى التكرم  باستخدام الرابط  التالي :

www.FreeArabi.com/FeedBack.htm

 

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

من  هموم الحداثة

من الحداثة إلى الاستمرارية   

الدكتور / جُمعان عبد الكريم* 

   الحداثة كمصطلح معاصر من أصعب المصطحات التي من الشآق البحث لها عن مفهوم محدد ، ولكن يجب أن يعلم أن لكل أمة حداثتها ، ولكل حضارة قوية صراعاتها الجدلية المستمرة بين أنصار المحافظة ، وأنصار التجديد ، وهذا الصراع يأخذ في الأمم المتحضرة بعداً حضارياً بعيداً عن التخوين والتنابز القبيح ، وإن كان ذلك الصراع قد يحتد أحياناً ليأخذ أبعاداً إقصائية قمعية .

    وجميل أن يكون الحديث هنا خاصاً بالحداثة الشعرية أو التجديد في الشعر ، إذ الحداثة أنواع أهمها الحداثة الفكرية التي هي أس كل حداثة ، ومنها حداثة التقانة ، وحداثة اللغة وغير ذلك .

   إن الحداثة الشعرية العربية بما أطلق عليها من أحكام قاسية من بعض المتطفلين على مائدة الفكر والأدب أصحاب الاتجاه السطحي تعد شراً مطلقاً ومروقاً عن الدين ، وهي إنما حدثت بآثار الاتصال بالغرب لذا فهي تفقد الأصالة .

 والصحيح أن وراء كل حداثة حداثة في الفكر ، والفكر ليس معطى سكوني ، بل هو معطى متغير ديناميكي ومن المسلم أن متن التغير أوسع من هامش التقليد والمحافظة في الفكر .

   ووراء كل حداثة فتح للنوافذ على شركائنا في هذا الكوكب في الإنسانية ، وفي المنجزات الحضارية لتتكون من ثم حداثتنا الخاصة .

  ومع أن حداثتنا الخاصة لم تتكون إلى الآن ومازلنا في طفولة حداثية معاقة عن النمو ، إلا أننا الحداثة الشعرية والأدبية قد حققت بعض التقدم بكسرها سنيناً من الجمود  وبنبذها التقليد ، فالتقليد شيء والأصالة شيء آخر .

     وهذه الحداثة الأدبية فيها ما هو الأصيل ، وفيها ماهو حداثة تقليدية ببغائية للغرب ، ويجب أن نميز بين النوعين

     أما سبب سيطرة الحداثة الشعرية ، فلا يمكن أن يكون سبباً واحداً فبعض تلك الأسباب ترجع إلى الحاجة الملحة إلى التحديث والتجديد ، وبعض تلك الأسباب ينم عن ضعف الحداثة الفكرية للأمة وبقائها مستلبة للغرب القوي ، وبعض تلك الأسباب يرجع إلى استسهال كثير من الأدعياء المركب الوطئ وسهولة الحصول على لقب مبدع كبير ، شاعر متميز برص كثير من الألفاظ المتقاطعة ، وببعض الدعاية الصحفية الشللية الفاقعة .

   ولأجل ذلك فإن الغموض قد استولى على القصيدة الحديثة واستبد بها كثيراً ، وذلك الغموض قد يكون معطى فنياً عند كبار شعراء الحداثة انظر على سبيل المثال كتاب سبعة أنماط من الغموض ، وقد يكون عجزاً فنياً عند كثيرين من الشعراء الجدد .

  ولكن الأمر المتفق عليه أن قيم القصيدة الحديثة بما فيها القيم الفنية والنقدية تختلف عن القصيدة التقليدية ، وأن في تلك القصيدة نوعاً من النخبوية ، وأنها تحتاج إلى قارئ مثقف ثقافة عصرية قوية لم يحصلها من قراءة كتاب أو كتابين أو قصيدة أو قصيدتين ، ولم يحصلها عن طريق القراءة بنظارة برتقالية ترى كل العالم برتقالياً  ليس إلا

  أما الأثر الذي تخلفه الحداثة الشعرية في ذائقة المتلقين فندعه لذائقة المتلقين أنفسهم ، فأنا أومن أن ثقافة الحجر والإقصاء سواء من التقلديين و من السطحيين المتعصبين أم من الحداثيين أمر منكر فلكل أن يبدع ولكل أن يقول وفي النهاية لن يبقى إلا الأدب الرائع

يموت ردئ الشعر من قبل أهله   وجيده يبقى وإن مات قائله

   ولأجل ذلك أيضاً فمن الخطأ إطلاق التهم على رواد هذا الشعر بالتغريب ،  ومن الخطأ الخوف غير المبرر على هويتنا فهي راسخة رسوخ الجبال إن هويتنا شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ولا يخاف على مثل هذه الشجرة القوية إلا بعض الضعفاء في أنفسهم ، والضعفاء في عقولهم ، والضعفاء في منجزهم . لقد كان معظم أجدادنا في العصر العباسي وما تلاه من عصور أكثر حكمة منا حين تركوا الأدب لأهل الأدب وحين وسعوا الحريات في التأليف والترجمة . ولكن في عصر الذل وانهزام الأمة تبدأ بعض مكوناتها بافتراس أكثر أبنائها حباً لها . إنني أرى ابن تيمية على سبيل المثال أكبر حداثي في عصره الهزيل  بل من أكبر الحداثيين في العالم على امتداد التاريخ أي فكر جبار يرد على أبي حيان في متابعة سيبويه الجمودية ليقول : إن سيبويه ليس نبئ النحو ، وأي فكر جبار يقف عند الفتوى التي تخالف كل علماء عصره ، وأي فكر جبار يستنهض الأمة إلى الحق ويموت وهو ثابت كالجبل على المبدأ ، ولأجل ذلك انظر ماذا حدث له ، أما كثير من أتباعه الآن فهم أكبر معاول الجمود الفكري وأكبر المعادين للحداثة ، وتلك مفارقة توضح مقدار التراجع الفكري والعلمي حتى عند بعض حملة الشهادات العليا .

وأخيراً إننا نريد مزيداً من الحداثة ، ولعل من أكثر الكتب بؤساً في الحكم على الحداثة  ما أنتجه بعض الريفيين في المنطقة الجنوبية من المملكة لغلبة الحماس الديني ولوقوعهم أسرى لسطحية الرجل الريفي ، وصدقه العفوي . عفا الله  عنهم . كتب بعيدة عن المنهج العلمي ... ، كتب تعتمد القص واللزق ، وتعتمد على الخلط بين الأحكام والمحاكمين ، وتعتمد على إثارة العواطف الدينية وتصيد الكلمات التي يمكن تأويلها بشتى التأويلات واختيار أشدها موافقة لدغمائية التفكير ، بل تجد أحيانا ربطاً عجيباً بين نواح شخصية وفكرية بأسباب واهية ، كمن يربط بين السودان والصين لأن العناكب تعيش في البلدين . لكن دغدغة العواطف هو المهيمن على الاتجاه السطحي في مصادرة الحداثة الشعرية ، وقد شب الناس عن الطوق الآن ورفضوا كل وصاية سطحية من هذا القبيل . ولأجل ذلك فإننا نقول على نمط مقولة ابن تيمية إن امرأ القيس ليس نبئ الشعر ، وإن عمود الشعر ليس وثناً يعبد .

 وبسبب من انتشار السطحية صار مجرد إطلاق لفظ حداثة كأنه الكفر يوم الروع أو دونه الكفر كما يقول الحداثي الكبير أبو تمام .

وأهمس في أذن من كان سميعاً نحن نتفق كمنظومة حضارية تستمد أصولها من رب السماء مع الغرب في كثير من أصول الحداثة التي وصلوا إليها بالعلم الذي يمجده ديننا

   فرفقاً بالدين ورفقاً بالمسلمين  ودعونا ندخل أفق الحداثة الفكرية الحقة التي ترتفع بكرامة الإنسان ، ولا تغلق أي باب للعلم  كما كانت الكنيسة في أوربا تفعل حين جعلت نفسها وصية على عباد الله . نحن  ليس في ديننا وصاية ، ديننا دين الحداثة لأنه الدين الذي يلح على اختراق الزمان و كسر حدود المكان ولا يتم ذلك إلا بالحداثة . بل إننا أدبيات الحضارة الإسلامية تدعو دائماً إلى ما أسميه "الاستمرارية" التي لا جمود فيها ، وهذه الاستمرارية لاتحد لا بحداثة ولا بما بعد حداثة . وبانتهاج الاستمرارية حتى في التفكير في الدين الإسلامي الذي هو الدين الوحيد الذي يحث على تعليق الحالة الإيمانية في حالات الجدل العلمي للوصول إلى الحق من نقطة انطلاق واحدة . بهذه الاستمرارية تتدافع الحضارة و يرقى الفكر ليوشك الاقتراب من المطلق فيكون قاب قوسين أو أدنى من السر النهائي للوجود .

=============================

bullet

 الدكتور / جُمعان عبد الكريم

bullet

 المملكة العربية السعودية

bullet

 جامعة الباحة

bullet

Jom3an_966@hotmail.com