دراسات اجتماعية  3 

المنبر الحر

 

*  محتويات ( المنبر الحر ) تعبر عن آراء  أصحابها

*  للرد على آراء  كٌتّاب  المنبر الحر ،  يرجى التكرم  باستخدام الرابط  التالي :

www.FreeArabi.com/FeedBack.htm

 

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

  أزمة مستقبل الثقة و الكفاءة

 د . جُمعان عبد الكريم

جامعة الباحة

     مشكلاتنا في حاضر الحضارة العربية الإسلامية لا تتوقف وهي في الحقيقة تتكاثر بطريقة بكتيرية أي أننا نعيش في حصار بكتيري دائم ، ولهذه البكتيريا التدميرية ما يضاعف نموها ويغذيها ، ولعل أهم ما يجعل واقعنا بهذا الحال المرضي المستشري هي أزمة الثقة والكفاءة التي نشأت بسبب أزمة أكبر منها وهي أزمة اغتصاب السلطة ، فإذا كانت سلسلة تحولات السلطة وانتقالاتها هي سلسلة ذهبية من الاغتصابات وسيول الدماء ، والمكيافيلية فإن تلك السلط لا تعترف بالكفاءة كمعيار للإدارة و للمسؤولية ، بل المعيار الأوحد هو الثقة أي  أن من يصنف في طائفة المغتصبين أو عاونهم على الاغتصاب أو نافقهم وخادعهم وأوهمهم بأنه أذل من نعال أو كان أذل من نعال فعلاً خاسر الكرامة فاقداً الكينونة البشرية يصبح هو المتصرف الآمر الناهي في مصائر العباد ، وفي مصير المستقبل الحضاري للأمة كافة بغض النظر عن قدراته وكفاءته .

      وقد يدرك بعض من متصنعي الثقة في بعض الأحيان فداحة المسؤولية فيحاولون الاجتهاد والاستماع إلى آراء بعض من يختارونه لمعاونتهم ، ولكن جهودهم لا تلبث أن تفشل ؛ لأن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة كما قالت العرب ، ولأن ذلك المتسنم موضعاً لأنه ثقة يعرف في قرارة القرارة من نفسه أنه ليس أهلاً للمكان الموضوع فيه .

 وهنا إذا حافظ الموثوق فيه على المستوى الذي استلمه كما كان يصبح ذلك أكبر إنجاز له .

 ولكن الثقة كآلية يجب الوقوف عندها .

هل فعلاً ما يسمى بالثقة هي معيار صحيح لإدارة مستقبل أمة

 إن الثقة كممارسة في اختيار صانعي مستقبل الأمم ليست ثقة ؛ بل هي خيانة لذلك المستقبل .

     إن الثقة تعني فيما تعني تصنيف الناس وتصنيف الوطن إلى فئات فئة تستأثر بخيراته وتسخره لخدمتها ، وفئة أخرى هي وإن لم يُصرح بذلك  خائنة للوطن أو مشكوك في ولائها ، ولأجل ذلك تقصى عن مستقبل وطنها ، وعن إدارة مصيرها ، وحياتها .

 وتعمل الفئة الموثوق فيها على إذكاء هذه العنصرية ، وعلى ترسيخها إلى ما لانهاية  ، حتى إن كان المتولي السلطة بطرق القرون الوسطى التي لما تزل في شرقنا الأوسط حريصاً على اختيار الأكفاء فإنه يُلبَّس عليه ويستمر المسلسل الهزيل الذي  نبه إلى خطره عبدالله بن المقفع منذ القرن الثاني الهجري حين قال : " وإن كان صاحب السلطان ممن لم يعرف الناس قبل أن يليهم ، ثم لم يزل يسأل عنهم من يعرفهم ويستثبت في استقصائهم ، زالت الأمور عن مراكزها ، ونزلت الرجال عن منازلها ؛ لأن الناس لايلقونه إلا متصنعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت والكلام . غير أن أهل هذا النقص هم أشد تصنعاً وأحلى ألسنة ، وأرفق تلطفاً للوزراء أو تمحلاً لأن يُثنى عليهم من وراء وراء ، فإذا آثر الوالي أن يستخلص رجلاً واحداً ممن ليس لذلك أهل ، دعا إلى نفسه جميع ذلك الشرج ( المثل والنوع ) ، وطمعوا فيه ، واجترءوا عليه ، وتواردوه ، وتزاحموا على ما عنده . وإذا رأى ذلك أهل الفضل كفوا عنه ، وباعدوا منه ، وكرهوا أن يُروا في غير موضعهم ، أو يزاحموا غير نظرائهم ."

[ انظر رسالة الصحابة ، ص 206 ، تحقيق يوسف أبوحلقة ، مكتبة البيان بيروت ]

 وقد كرر ابن المقفع هذه الفكرة لخطرها ولضررها في الأدب الكبير أيضاً ولكن بألفاظ مختلفة ...

  وكأن الزمن توقف فالحال هي الحال وبكتيريا الثقة المتصنعة هي هي بل زادت في مكرها واستكبارها . أما الذي تغير فهو سرعة تهاوي الأمة التي فاقت الضوء أو فاقت حتى احتمال الزمن إلى قرارة التخلف والتبعية والذل والمهانة وحياة أشبه بحياة القطعان وبهائم الأنعام . ورحم الله أبو الطيب الذي قال :

 أغاية الدين أن تحفوا شواربكم    يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

 صرنا أضحوكة بفضل متصنعي الثقة . وبفضل الوضع السلطوي المتحجر كمستحاثات طبيعية وحية  ومجانية للعصور الوسطى .

 إن ما يسميه د . حسان الباهي الشبيه بالخبير الذي يدعى أنه هو الخبير هو الحبل الممتد على رقبة الأمة ، ولأجل ذلك  لابد أن نبحث في كل شأننا عن الخبير الحقيقي الذي يجمع بين " أمرين أساسيين : الكفاية المعرفية والنزاهة الفكرية والعملية " [  الحوار ومنهجية التفكير النقدي ، ص 222 ، إفريقيا الشرق ] .

     وعلى ذلك فإن تطوير آليات انتقال الوضع السلطوي إلى وضع تنافسي نزيه يقوم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وإتاحة الفرصة للأكفاء للتنافس على إدارة دفة المستقبل هو الذي سينتشل هذه الأمة من مستنقع الأضحوكة التي تغوص في وحله . وإلا فلا .

 ولنتعلم من الغرب كيف يخط عقلاؤه مستقبل أممهم بأيدي الأكفاء ، وكيف يقاس المرء عندهم بحسب عمله ، وكيف أن ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم ، وكيف أن كرامة الإنسان هي واقعاً متمثلاً أغلى من كل شيء عندهم ، وكيف أن النظام المؤسساتي هو ما يحقق لهم الاستمرار ، وكيف أن النظام القضائي هو نظام محكم التقنين لا تضيع معه الحقوق ولا يفرق بين الناس ، وكيف فوق ذلك كله أن البقاء للأكفاء  ، وليس للمنافقين الأغبياء .

     وكيف بعد فوق ذلك كله أنه ليس هنالك رجل غربي عصيٌّ عن المحاسبة أو المساءلة أو المعاقبة ، وكل نفس بما كسبت رهينة . أما نحن فكل في مستنقع يسبحون ويسبِّحون ويغرقون ويضحكون ويأكلون ويشربون ، ويمسون ويصبحون ؛ فسبحان الله ولا حول و لا قوة إلا  بالله .