دراسات اجتماعية و نفسية  

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 


 

  

 

 

 الاضطراب النفسي

د. رعد حيدر الخياط*

                 قد يتساءل البعض مستفهما أو مشككا: هل هناك فعلا ما يمكن أن نسميه بالاضطراب النفسي؟ وهل يمكن أن تضطرب النفس كما يضطرب البدن؟

وقبل الاجابة عن هذا السؤال علينا أن نعرف أولا ماذا نقصد بالنفس؟

كما يجب علينا أن نعترف كذلك بجهلنا بماهيتها وكنهها لأن الله سبحانه وتعالى جعلها مستعصية على الفهم وأبقى حقيقتها بعيدة عن الادراك، ولكن ما يعنينا هنا هو ما يدخل ضمن معرفتنا واختبارنا وملاحظتنا وهو ما يتعلق بها من ظواهر كالشعور والعاطفة والمزاج، وما يرتبط بها من أفكار وتصورات ومن ادراك ووعي، وانعكاس ذلك كله على الواقع المعاش سلوكا وعلاقات وارتباطات اجتماعية، ثم كيفية التكيف مع المحيط الخارجي، ومدى الابقاء على حالة التوازن النفسي في سياقه الاجتماعي.

هذه الجوانب وغيرها هي ما يعنى بها (علم النفس) بفروعه المختلفة، أما ما يحصل في هذه المنظومة المتعددة الأوجه من اضطراب وما يعتريها من اختلال يصل من الشدة والاستمرارية بحيث يغطي جوانب النفس المختلفة والى درجة يعيق الفرد عن أداء دوره الشخصي أو الاجتماعي أو الوظيفي ويؤدي بالتالي الى معاناة الفرد أو المجتمع أو كليهما.

حينذاك يكون للطبيب النفسي دوره في اجراء الفحص النفسي المطلوب للوصول من خلاله الى تقييم الحالة النفسية المعنية وفيما اذا كانت تدخل ضمن ما نسميه الاضطراب النفسي المرضي أم لا، الذي يحتاج الى تداخل طبي نفسي لعلاجه. فليست كل معاناة نفسية هي اضطراب مرضي اذ لا يخلو الفرد من اصابته في بعض الأحيان لبعض الوقت من شدة نفسية أو معاناة حياتية تجعله يضطرب لبعض الوقت لا تلبث أن تزول بزوال العامل المسبب أو بالقدرة على التكيف على تغيرات الظروف والأحوال.

بل ان الكثير من حالات المعاناة النفسية تدل على صحة نفسية وليس العكس حيث تشير الى تفاعل صحي مطلوب من الفرد تجاه الأحداث والوقائع في محاولة لتحملها والتكيف معها وعدم الاستسلام لها والوصول الى أفضل النتائج من خلالها كما يحصل في حالات القلق المصاحب لأداء الامتحان أو عند اتخاذ قرارات مهمة، وكذلك الحزن على فقدان عزيز أو محبوب أو منصب مهم.

وبذلك يكون الاضطراب النفسي المرضي هو ذلك الاختلال النفسي الذي يشمل جوانب النفس المتعددة والذي يستمر لفترة ليست بالقصيرة، بوجود سبب واضح لذلك أو عدم وجوده، وانعكاسه على كيان الفرد الاجتماعي والوظيفي بحيث لا يستطيع بما يملك من قدرات شخصية أو مصادر اجتماعية خارجية التغلب على ذلك.

وهنا يبرز دور الطبيب النفسي من خلال موقعه المهني في اجراء الفحص الطبي النفسي وتقييم الحالة للوصول الى التشخيص المطلوب وفهم الحالة بأبعادها المتعددة ثم وضع الخطة العلاجية اللازمة والتي يمكننا أن نجملها في ثلاثة جوانب مهمة:

1 العلاج الدوائي: وذلك باستعمال الأدوية الخاصة بالحالة، كالأدوية المهدئة والأدوية الطاردة للاكتئاب أو المضادة للذهان، ويجب التأكيد هنا على أن يكون ذلك بايعاز واشراف طبي نفسي مباشر.

2  طرق العلاج النفسي المختلفة: كالعلاج النفسي التحليلي والسلوكي والمعرفي والساند وغيرها من الطرق المعتمدة والمجربة، حيث يلعب المصاب فيها دورا ايجابيا فاعلا ومساعدا للتغلب على الاضطراب النفسي والاستعانة بما يملكه من قدرات نفسية ومعرفية وسلوكية لاستعمالها علاجيا.

3  طرق العلاج الاجتماعي: وذلك لأهميتها في تناول الجوانب الاجتماعية المرتبطة بالاضطراب النفسي كأسباب أو نتائج كما هو الحال في المشاكل والصعوبات الزوجية أو الاسرية أو الوظيفية لتقييمها وبحث طرق حلها أو التخفيف منها وحتى التكيف معها بأقل الأضرار النفسية المسببة لها أو الناتجة عنها.

وبناء على ما تقدم فإننا هنا نميز بين المعاناة النفسية التي تدل على تفاعل ايجابي وعلى قدرة على امتصاص أو احتواء الأزمات والصعوبات بل وحتى مصدر للابداع، وبين الاضطراب النفسي الذي يدل على اختلال في التوازن وعدم القدرة على التكيف مع الواقع المعاش، سواء بوجود أسباب ظاهرية واضحة لذلك أو لا، واحتياج هذا الأخير الى ذوي الخبرة والاختصاص لمد يد العون في العلاج، وما الشفاء الا من عند الله العزيز الحكيم مبرئ النفس وخالقها والعالم بأحوالها وشؤونها.

 

* استشاري وعضو الكلية

الملكية البريطانية للطب النفسي