WWW,FreeArabi.Com

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

أنترنيت و تكنولوجيا

التصوير في أعماق الجسم

ترجمة الصيدلي : فراس جاسم جرجيس

 

  هل تود معرفة ما يجري داخل رئتيك ؟ أمل يحاول الباحثون الوصول اليه، غير ان التقنيات الحالية المتمثلة بآلات التصوير الطبية التقليدية قد لا تنفع كثيرا في هذا المجال. ولكن مع دخول تقنية حديثة تعمل من خلال استنشاق غاز ذي خواص مغناطيسية، سيمكن الحصول على صورة واضحة للمجاري التنفسية.

  جيمس بروكمان، الذي يعمل مهندساً في مجال الطب الحيوي في جامعة فرجينيا في جارلوتسفيل في الولايات المتحدة الامريكية لم يصب بالدهشة عندما احس طلابه المتطوعون في هذا الاختبار ببعض الانتعاش والمتعة اثناء العمل، فكل ما عملوه هو استنشاق غاز الزينون، الذي يسبب اثارا جانبية تتمثل في انخفاض مؤقت في الصوت وشعور بالانتعاش والمتعة.

 لذلك فهو يقول: احب الطلاب هذا الاختبار، فقد بدأوا يضحكون بعد ان استنشقوا هذا الغاز.

لقد قدم الطلاب خدمة كبيرة لتغير وجه طرق التصوير الطبي على الرغم من استمتاعهم بذلك. وذلك من خلال تزويدنا بمعلومات عن الخواص المغناطيسية لغازي الهيليوم والزينون، مما سيعطي تقدما مهما للتصوير بالرنين المغناطيسي، واظهار اجزاء وعلل في الجسم لم يكن من الممكن مشاهدتها بالتقنيات السابقة.

 والنتيجة التي تم التوصل اليها ستساعد الباحثين على الحصول على نافذة واضحة على الرئتين، وبالتالي فهم العديد من الامراض التي تصيب الرئتين كالربو والنفاخ الرئوي (Emphysema). بالاضافة الى دراسة العديد من الاعضاء الاخرى في الجسم كالدماغ والامراض التي تصيبها.

 ويقول ايدين فان بيك، الذي يعمل على هذه التقنية في جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة: ستكون هذه تقنية المستقبل للتعرف إلى وظائف الرئة. وعلى المستوى البعيد سيؤدي هذا الاختبار الى انخفاض تكلفة التصوير بالرنين المغناطيسي، وسيمثل طريقة جديدة لدراسة امراض الدماغ.

 الكل في الطريق

 يظهر استعمال الهيدروجين في التصوير بالرنين المغناطيسي التقليدي حقيقة ان نواة ذرة الهيدروجين تعمل كمغناطيس دقيق جدا. فعندما يستلقي المريض داخل آلة التصوير بالرنين المغناطيسي، تصبح نوى بعض ذرات الهيدروجين الموجودة في الماء في انسجة الجسم قطبية الشحنة، وترتب نفسها مع قوة المجال المغناطيسي الصادرة عن الآلة. ثم ستقوم الآلة بإيصال نبضات من الامواج الراديوية التي تستميل النوى مؤقتا، من خلال تيار الالكتروني في قلب سلك الآلة. وبسبب ان نوى ذرات الهيدروجين في مختلف الانسجة ستعود الى مكانها بسرع مختلفة، فإن آلة التصوير بالرنين المغناطيسي سيمكنها التميز بين انسجة الدماغ او الكليتين.  لكن من سوء الحظ لايمكن استعمال هذه الآلة في تصوير جميع الاعضاء، لأن الصورة ستكون غير واضحة ودقيقة بشكل جيد. هناك طرق اخرى تستعمل لتصوير الرئتين مثل (Position emission tomography)، تعمل على تعقب حركة المواد المشعة في الجسم. لكن هذه الآلة غير مناسبة لدراسة مرضى الربو، حيث يحتاج المرضى الى ماسحة منتظمة. 

 قادت مثل هذه المشكلات بروكمان وآخرين الى اكتشاف تقنية بديلة، عن طريق ملء المجاري التنفسية في الرئتين بغاز عالي القطبية يستجيب للتصوير بالرنين المغناطيسي.

 فكرة هذا المشروع ليست جديدة، بل تعود الى بداية التسعينات من القرن الماضي، من خلال عالمي ادمغة الاطفال وليام هابر وجوردن كاتس، اللذين يعملان في جامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي في الولايات المتحدة الامريكية. حيث درس هذان العالمان عملية الاستقطاب الزائد (Hyperpolarization)، والتي تتضمن استعمال حزمة مستقطبة من اشعاع الليزر لترتيب نوى ذرات الغاز. علما ان عملهم هذا في بداية الامر لم يكن لغرض طبي، فقد عملوا على زيادة استقطاب غاز الهيليوم ،3 واستعملوه كهدف لاختبارات التشتت في الغازات. لكنهم ادركوا ان الغاز عالي القطبية سيتفاعل مع نبضات الراديو بطريقة تماثل ترتيب نوى الهيدروجين.  

وفي عام ،1994 وصف كاتس اول صورة اخذت باستخدام غاز الزينون 129 العالي القطبية للرئة، من خلال تصوير رئة فأر. حققت هذه الصورة نجاحا مذهلا، وألحقت بشكل سريع بصورة اخرى لرئة انسان.

 نظريا لهذه التقنية فوائد جمة، حيث ترتبت نوى الغازات عالية القطبية بكمية اكبر تصل الى مائة مرة اكثر من نوى ذرات الهيدروجين الموجودة في الماء عند تعريضها لمجالات مغناطيسية. ونتيجة لذلك فقد أمكن تصوير الرئة كاملة باستخدام الغاز عالي القطبية بعد ثوانٍ من استنشاق المريض لهذا الغاز. حيث تتم العملية عن طريق حبس المريض لنفسه بعد استنشاق الغاز لثوانٍ ثم يطلقه مرة اخرى. وقد تم تسجيل تقدم ملحوظ جدا في هذه الطريقة. وقد اعطت هذه التقنية ميزات اخرى تتمثل في امكانية تصوير انفاس المريض الداخلة والخارجة، بالاضافة الى امكانية اخذ صورة لحركة الهواء داخل وخارج الرئتين.

  الرؤية القطبية

  سيكون علاج وتشخيص مرض الربو إحدى الفوائد المتحققة من هذه التقنية. ففي اثناء ازمة الربو، تضيق المجاري التنفسية في الرئتين والتي تشبه تفرعات الشجرة، او ربما تتوقف عن العمل.

 في يونيو من العام الماضي، قام فريق عمل بروكمان بوصف طريقة استخدام غاز الهيليوم عالي القطبية في تحديد اجزاء الرئتين التي تتعطل اثناء ازمة الربو، فتقل كمية الغاز التي تمر في هذه الاجزاء مما يؤدي الى ظهور مناطق سوداء في الصور. يقول بروكمان بخصوص هذا الموضوع: اجزاء من الرئة ستنغلق تماما، واجزاء اخرى ستبقى طبيعية، وقبل هذه التقنية لم يكن هناك اي تصور واضح عن المنطقة التي يحدث فيها التضيق والمنطقة التي لا يحدث فيها.

 سيكون استعمال تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي مع الغاز عالي القطبية ذات قيمة كبيرة في اختبار فعالية الادوية المستخدمة في علاج الربو. يقول ميتشيل البرت، المتخصص في مجال الاشعة الذي يعمل على هذه التقنية في برمنكهام ومستشفى النساء في بوسطن في الولايات المتحدة الامريكية، بخصوص هذا الموضوع: سيمكننا معرفة اي العلاجات احسن، والوقت المناسب لاعطاء العلاج، وكم مرة يجب على المريض استعمال الدواء.

 المرض الاخر الذي سيجني فوائد من استعمال هذه التقنية الحديثة هو مرض النفاخ الرئوي. الذي يؤثر في جدران الحويصلات الهوائية ( Alveoli )، والتي تعمل كحاجز بين الرئتين ومجرى الدم حيث تتحطم جدران هذه الحويصلات اثناء المرض، مما يؤدي الى اندماج هذه الحويصلات الهوائية مع بعضها، وبالتالي تقليل المساحة السطحية الموجودة لتبادل الاوكسجين بين الرئتين والدم، مما يؤدي الى حصول ضيق في النفس.

 ويبحث الدكتور ديميتري يابلونسكي من جامعة واشنطن في سانت لويس في ولاية ميسوري الامريكية مع فريقه العلمي عن الغاز عالي القطبية الذي يحقق نسبة انتشار اعلى داخل الرئتين عند مرضى النفاخ الرئوي.

 ففي الرئة الطبيعية، سيكون انتشار هذا الغاز بطيئا نسبيا، لأن الغاز لا يستطيع التحرك بعيدا قبل ان يدفع الى نهاية الحويصلات الهوائية. اما انتشار الغاز فسيكون اسرع في الرئة المصابة بالنفاخ لأن الحويصلات المتشكلة تكون اكبر مانحة الغاز مساحة اكبر للحركة.

ويقول يابلونسكي: ان عامل الانتشار في هذه الحالة اكبر بأربع مرات عن الحالة الطبيعية، وستساعد مثل هذه الاكتشافات في تطوير طرق التشخيص.

ويحاول فريق عمل بروكمان استخدام مقياس الانتشار هذا في دراسة تأثير التدخين في مرض النفاخ الرئوي.

فبروكمان لم يلحظ ظهور اي اعراض للمرض الا بعد 20 عاما من التدخين المستمر بمعدل 20 سيجارة يوميا. ويقول في هذا المجال: اننا نستطيع بأستخدام خارطة الانتشار في الرئة من تحديد مناطق التأثير التي يسببها التدخين على مدى خمس سنوات مستمرة من التدخين بمعدل 20 سيجارة يوميا، وبالتالي سنطلب من المريض الاقلاع عن التدخين بسبب ان رئتيه بدأتا بالخراب على الرغم من عدم وجود اي اعراض لذلك.

ملامح الخيال

يحاول الباحثون استعمال الغاز عالي القطبية والاوكسجين كذلك في تصوير الجلطات الدموية في الرئتين، فالاوكسجين سيزيد من السرعة، في حين ان غازي الزينون والهيليوم العاليي القطبية سيفقدان قطبيتهما حيث ان الجلطة الدموية ستمنع امتصاص الاوكسجين في الرئتين، لذلك فعند استنشاق المريض للاوكسجين، فإنه سيبقى في المنطقة المجاورة للجلطة، فإذا اتبع ذلك باستنشاق المريض لغاز عالي القطبية، فإن المنطقة التي لايمتص فيها الاوكسجين ستعطي صورة مظلمة عند تصويرها بآلة التصوير بالرنين المغناطيسي.

وبرأي البرت فان هذا يعتبر البداية فقط، فهو يرى ان تصوير الرئتين بهذه الطريقة هو بداية الغيث، لأن غاز الزينون 129 سيضيف ميزة تسمح في المستقبل بتصوير اعضاء اخرى.

 وعلى غير غاز الهيليوم، فإن غاز الزينون يذوب في الدم، ويصل الى الدماغ والاعضاء الاخرى بعد ثوان من استنشاقه.

 ويحاول البرت من خلال مشروعه الجديد اكتشاف امكانية استعمال غاز الزينون في دراسة اسباب تجمع الرواسب على خلايا الدماغ، وسبب تكتل الانسجة حول الجهاز العصبي مما يؤدي الى اعاقته، والاسباب التي تؤدي الى تحلل الغلاف الذي يغطي المحاور العصبية.

 ويأمل البرت ان يزود غاز الزينون بصور واضحة عن هذه الامراض، بالاضافة الى التميز بين اسباب تجمع الرواسب التي تحصل اما بسبب تحلل اغلفة المحاور العصبية او بسبب عوامل اخرى مثل مشاكل سيولة الدم.

 ويقول الدكتور جون اورس برادلي من جامعة نوتينكهام في المملكة المتحدة: ان اخذ صور باستخدام الغاز عالي القطبية في التصوير المغناطيسي سيكون رخيصا نسبيا. يستعمل عادة في التقنيات التقليدية للتصوير بالرنين المغناطيسي، مغانط عالية التوصيل لتنظيم نوى ذرات الهيدروجين، وهذا يحتاج الى تبريد مستمر باستخدام الهيليوم السائل. لكن مع التقنية الحديثة، فإن الغاز في الاصل ذو خاصية قطبية، لذلك فالقليل من المجال المغناطيسي يمكن ان يكون كافيا لتوليد الصورة النهائية.

ويقول اورس: سنحصل على صورة جيدة فقط باستخدام واحد من عشرة من القوة المغناطيسية المستخدمة سابقا. ومقارنتا مع نوى ذرات الهيدروجين، التي تتحرك خراج الترتيب خلال ثوان من ازالة المجال المغناطيسي، يمكن ان يحافظ غازا الزينون والهيليوم على انتظامها في الترتيب والاستمرار بحمل الصفة القطبية لمدة قد تزيد على يوم كامل. مما سيسهل من عملية تحضير الغاز المستعمل في التصوير بالرنين المغناطيسي لتصوير الرئة، وستعتبر كحسنة تضاف الى هذه التقنية الجديدة، حيث يمكن اعدادها باستخدام وسيلة منفصلة، مما يجعل من هذه العملية اكثر سهولة عند استعمالها في مستشفيات صغيرة مهيأة لهذه التقنية.

 العامل س

 حتى الآن، وفي اغلب التجارب التي اجريت على الانسان استعمل غاز الهيليوم ،3 اكثر من غاز الزينون 129 ويعود ذلك بشكل كبير الى ان السهولة العملية في زيادة قطبية غاز الهيليوم مقارنتا بغاز الزينون، لكن مع ذلك تعمل بعض الشركات حاليا على تطوير تقنيات لزيادة قطبية غاز الزينون. وهذا مهم جدا، لأن الهيليوم 3 غير متوفر بشكل كبير في الطبيعة.

 وفي الحقيقة فإن المصدر الرئيسي للحصول على الغاز هو برنامج الاسلحة النووية، فالهيليوم 3 يتم الحصول عليه من تحلل التريتيوم (Tritium )، والذي يستعمل كمقداح في القنابل الهيدروجينية. وربما تكفي الكمية الموجودة منه حاليا في التصوير بالرنين المغناطيسي لمدة عشر سنوات فقط. لكن الزينون 129 على عكس الهيليوم، فهو متوفر في الطبيعة بغزارة، فربع كميته موجودة اصلا في الغلاف الجوي. ومع توفر تصوير رخيص الثمن وبنقاوة عالية على المستوى القريب، ستدفع تقنية الغاز عالي القطبية التصوير الطبي خطوات الى الامام، وتحول الطريق الذي نسلكه في دراسة بعض الامراض.