الأدب  ( 6 ) - صفحات خاصة

كتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

 أعمال الكاتب نعيم الغول

N1956gnov@yahoo.com

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

سيرة ذاتية

  نعيم محمد الغول

N1956gnov@yahoo.com

الاسم: نعيم محمد الغول

تاريخ الميلاد: الأول من تشرين الثاني 1956

مكان الميلاد: مخيم عقبة جبر/ أريحا/ الضفة الغربية

الجنسية : أردني

المؤهل العلمي :

        إجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها من الجامعة الأردنية 1979

                 شهادة متوسطة ( دبلوم) في التربية وعلم النفس               

               شهادة متوسطة  في الدراسات المالية والمصرفية

العمل الحالي: مترجم

              محرر الصفحة الثقافية بجريدة اللواء الأسبوعية الأردنية (سابقا)

الأعمال الأدبية: نشرت ثلاث مجموعات قصصية بعد انقطاع دام عشرين عاما عن الكتابة الإبداعية:

1-              مجموعة حالة موت  2002 ( قصص قصيرة)

2-              مجموعة  جرح كالنهر 2004 (قصص قصيرة)

3-              مجموعة سلم التحدي 2004 (قصص قصيرة جدا)

مخطوطات:

                 1- الرف الأخير ( قصص قصيرة )

                 2- الرغيف والأحجية ( قصص قصيرة جدا)

3- التحدي " مسرحية عن الشهيد الرنتيسي)

4- وترحل سيلفي مسرحية

أعكف حاليا على كتابة رواية باللغة الإنجليزية بعنوان " الحاجز رقم 4"             Checkpoint No. 4  (انتهى منها 13 جزءا)

 

الروابط والاتحادات التي انتمي إليها:

1-    رابطة أدباء الشام

2-     رابطة الكتاب الأردنيين

 اتحاد الكتاب العرب

 

-1- 

 حارة الطبالين  

أقصوصة بقلم : نعيم الغول 

 

 

الساحة كانت واسعة جدا . أوسع بكثير من ساحة "خليل السواحري" . لكنها  كانت على شفا "حارة الطبالين" التي كانت على  شفا المدينة التي كانت على شفا البلد الذي كان على شفا الإقليم الذي كان على شفا العالم الذي كان على شفا جرف لا نهائي .

حان الوقت فوقف .. ارتفاع المنصة لم يتح له إلا رؤية نقاط سوداء متراصة في الساحة. اقترب من الميكروفون وصرخ: "لعن الله أباكم."

ردوا بسرعة :

" لعن الله أباك وأجدادك."  

ثم صفق الجميع.

في اليوم التالي خرجت الصحف تحمل عناوين عريضة " يحبهم ويحبونه."

 -2-
ألوان

  " الأرض تحتمي بضوء أبيض يصهر كل الألوان" سمع هذا فصدقه وأحبه. ذاكرته تنقض عهودها مرات ومرات. لكنها تظل على وفائها لتلك الذكرى ربما لأن الخمسين عاما التي تفصلها عنه الآن وهو ينظر الى حفيده لا تساوي اكثر من ساعة تغضن فيها العمر على رغبة سكنت ساقيه فانطلق ساعيا لوظيفة تعطيه راتبا شهريا يغالب به مخالب الأيام. يخبره حفيده هذا المساء إن ذلك الرجل الذي يسجل أسماء الراغبين في الالتحاق بالعمل من "شتى" المناطق تفرس فيه، فيكمل هو بأنه سأله أيضا أي نوع من الأطعمة يحب أن يأكل فالأطعمة – يعلق - كالبشرة تميز الأبيض من الأسود. وانتظر طويلا وجاءت الأيام بكل شيء، وبقيت الوظيفة سحابة ترتحل بعيدا. يسال الحفيد لماذا سألني عن مكان ولادتك؟
ضغطة يده على كتف حفيده قالت بأسى :" الضوء الأبيض رحل فامتازت الألوان.لا تبتئس ، عندما تسطع الشمس سيعود."

 

-3-

ماعز البيوت
 

استلقت على جنبها ومدت يديها وباعدت بين رجليها. كان العرق قد بللها تماما. تسارعت أنفاسها ثم تلاشت دفعة واحدة. كان بطنها ما يزال منتفخا وكان على المرأة أن تتحرك بسرعة.
كيف وصل "ماء النار" إلى عينيه، ومن بذر الجمر تحته على الفراش؟ اختلس نظرة إليها. كان شخيرها أشبه بغارة طائرات اخترقت حاجز الصوت وفضت بكارة الصمت.
يدها استقرت على رقبته. يدها اليمنى .
باليد اليمنى شقت بطن الماعز بسرعة، وأخرجت الجديين الوليدين. واستدارت وواجهته.كان قد وصل للتو.
"كان يجب أن أفعل شيئا"؛ قالت والسكين تقطر دما بين يديها الجافتين كالحطب.
ليته لم يسكن أطراف المدينة، ليته لم يجر على سـُنَّة الأجداد في اقتناء الماعز في البيت.
هل كانت صدفة ما قاله جارهم الأستاذ صباح اليوم إنه قرأ خبرا عن امرأة شقت بطن زوجها وهو نائم لأنه شبهها بالماعز؟

 -4-

عمالقة وأقزام
 

     هل يسخر الآن من نفسه وقد وعى؟ أم هل يقول كنت صغيرا؟ كان ما يشغله أيامها سؤال يثور كلما رأى صورهم في الجرائد : لماذا هم طوال القامات، وضخام الجثث هكذا دائما؟ في حين انه يراهم على التلفاز ذوي قامات وأحجام لا تختلف عن القامات والأحجام العادية ؟
الآن لم يعد ثمة حاجة للسؤال بعد أن عرف أن الجرائد لا توظف إلا "مصورين" قصار القامة.

 -5-
جذع شجرة في عرض النهر


                   
في القارب الذي جمعهما ذات عام جذفا كثيرا في النهر العظيم. وما يزال يذكر كيف نجحا في تجاوز مخاضات ودوامات كثيرة، وكيف مرا من بين ممرات صخرية ضيقة. كان هو في المقدمة وصديقه في ظهره . كان التجذيف يسير بصورة متوازنة ؛ صديقه الخبير برحلات التجذيف النهرية الصامتة يعطي الماء صفحة مجدافه بنعومة، ويميل معه حين يشدد هو ويدفع الماء بقوة. لم يكن يعاند. وكان يبتسم كثيرا وهو ينظر الى نفسه في مرآة الماء التي بدت له امرأة كثيرة المطالب يراودها عن نفسها دون كلل.كانا يبدوان كجسم وظله. في نهاية الرحلة وبعد تجذيف مضن في جزء قاس من النهر ذكّرَهُ بأزمته المالية ،اصطدم القارب بجذع شجرة طويل ضخم تمدد في عرض النهر بعد منعطف مخادع أخفاه عنه. كانت مفاجأة نجحت في تحطيم القارب وبضع أضلاع لديه، ومفاجأة كانت نجاته من الموت بما يشبه المعجزة بعد أيام طويلة في المستشفى. مفاجأة لا تقل هولا عن هرب زوجته مع صديقه.

 -6-

حب بلون الدم



الساحة كانت واسعة جدا . أوسع بكثير من ساحة "خليل السواحري" . لكنها كانت على شفا "حارة الطبالين" التي كانت على شفا المدينة التي كانت على شفا البلد الذي كان على شفا الإقليم الذي كان على شفا العالم الذي كان على شفا جرف هار.
حان الوقت حمل "غيتاره" ووقف .. ارتفاع المنصة لم يتح له إلا رؤية نقاط سوداء متراصة في الساحة اصطفت بخشوع كلحظة الغروب في الصحراء، اقترب من الميكروفون وانطلقت كلماته كبندقية رشاشة: " والله إني أحبك، وأحب اللي يحبك."
رد الجمهور بحشرجة :
" مشتاق لك يا حياتي.."
ثم صفق الجميع، وشربوا أنخابا كالتي تدور في أعراس الدم، ورقصوا كأبطال غارسيا لوركا حتى الفجر.
في اليوم التالي خرجت الصحف تطبل بالعنوان " حب بلون الدم".

 -7-
مساومة


        عادت إلى بيتها بعد أن واست صديقتها في مصيبتها. أعدت قهوته دون أن يطلبها. لملمت جواربه الملقاة على الأرض، ووضعتها في سلة الغسيل دون أن تتأفف. كوت ملابسه بنفسها. سألته ماذا يحب أن تطبخ له. لبست قميص النوم الذي يحبه. وضعت أحمر الشفاه الذي يرتاح لمذاقه. قاومت نعاسها. أبعدت عن ذهنها مشاغلها في العمل. ولم تعطه فرصة للدهشة بل جلست إلى جانبه، وقالت بنعومة: لو – مثلا- لو فكرت أن تتزوج علي فماذا سيكون السبب؟
لم يجب بل أخرج من درج مكتبه قائمة طويلة ألقاها أمامها.

 -8-
عنترة طليقا
 

                عنترة فارس صحراء العرب وسيدها تاه في ليل السجن المسكوب على المدى وفي قلبه خريطة لعيني عبلة اللتين احتضنتا أشجارا وسهولا وجبالا بحجم وجعه. لكن ظلام الزنزانة الانفرادية حتَّ سواد وجهه فصار كلون الرماد الذي يحمي الجمر أو يخنقه. وعنترة يوشك بعد خمسين عاما من غربته في المكان والزمان على الخروج. والزفة بدأت تعد له. شيء ما حدث في غفلة من سيفه ورمحه وحصانه وقلبه الصخري جعل الخروج والزفة ممكنين بعد هذا الوقت القصير جدا في عمر فرسان الأزمان الجائرة. الذين زاروه منذ أيام اقسموا أن لونه تمادى في النزوح عن السواد: وإن لم يغز وجهَه البرصُ بعد. ولم ينكروا بالطبع أن قزحيتي عينيه ظلتا في حالة حداد، وأن البياض في أسنانه صار براقا ،وشفتيه ظلتا منتفختين كوسادتين من الصوف.
يذكر عنترة (كمن يفيق من الحلم بقاياه ) انه موعود بميدان يركض فيه وبيوت فارهة تغنيه عن أعمدة خيمته المنهارة، وسيارة لا يجاريها حصانه الأبجر الهزيل، وعشرات العبلاوات ذوات النهود المتفاوتة الأحجام ممن يجعلن عبلة مجرد بدوية تحلم بالعشب لماعزها وبحبيبها "أبي الفوارس" لينقذها بعد الغزو ويعيد لها الإحساس بأنفاس الفجر التي تنسل في المكان دون حراسة أو رقابة.
ويذكر أنه موعود بحساب علني في المصرف المحلي وآخر سري في مكان آخر لا يعرف التأميم. عنترة أيضا موعود بحقيبة يورث محتوياتها لسابع سلالة من أحفاده فهو يعرف أن الحقائب في صحراء قومه جُعلت بديلا عن الضمان الاجتماعي لمن يعرف كيف يصهر كلماته ثم يصبها في قالب عمرُه بعمر فقدان الأمل والحرية التي نشدها ذات يوم لجلده الأسود.
عنترة يأمل كثيرا بالمعجزات التي سيدرها عليه لونه الجديد. لكن السادة أنفسهم الذين عادوا الى ما وراء البحار ما يزالون يشيرون إليه في رسائلهم الإلكترونية بالعبد.

 -9-

وابل من الفرص

بين يديه سقطت قطعة كبيرة زرقاء صافية من سماء بعيدة تلوح له منذ ردح من الزمان، تلتهب في صدره جذوة خالها ذوت إلى الأبد. وانعكست ومضات ضوء قزحي عن أخضر زيتون أحلامه التي انعصرت تحت مكبس الظلام الجاحد فأحالت كل شيء زيتا صمغيا يلصقه بأي شيء له رائحة تراب المقابر بعد منتصف الليل. وداعبت مقلتيه حزم من ضوء نجم بعيد اجل ملاحقة شيطان بليد أدمن اللصوصية والتلصص على أعتاب "الما ليس له" منتظرا ملامح غضب على وجهه المتغضن بالصبر. وزفت إليه الأخبار انتحاب فيضان ما في مكان ما أحس به قريبا فضم أسماله التي ثلثاها ملابس صدقة وبعضها معونات على هامش "شبكات" الأمان الاجتماعي. راوده إحساس هذه المرة أن الغرق او الإغراق قادم. ونقل إليه الريح المتسلل من بين السهول والجبال بشارة حارة عن بركان يغلي ويرتفع ويصر على أسنانه متوعدا ويبصق حمما صغيرة بين الفينة والأخرى في الوجوه المارقة. فجذب الرجل أغلاله وهو يقسم لنفسه انه يراها صدئة وليست تفعل اكثر من ترك علامات بنية اللون على جلده. لكنه تلفت حوله مرتجفا حين خيل إليه ان السجان ذا الأسنان المهترئة الذي يصر على صبغ شعره بالأسود الصبياني سمع خلخلتها .
الزنزانة تموج من تحته ومن فوقه. صيحات بعيدة وقريبة تحذر من زلزال وشيك.
وابل من الفرص.
لكن الريح الرسول رحل فيما هو ينظر في عطفيه ويسأل : ماذا يفعل؟

-10-

    الثغـرة

قصة بقلم : نعيم الغول

أينا يحاصر الآخر ، أنا أم أنت ؟

داهمه السؤال فجأة ،و هو يصغي لأصوات المدافع التي تنصب على الأسوار .. منذ يومين و القصف على أشده  لم يتوقف لحظة واحدة .. و معظمه يتركز في الجهة الشمالية الشرقية من الأسوار ..

أمس طاف  في أرجاء المدينة .. تفقد الأسوار ..

تفقد المؤن ..  تفقد الذخيرة . و لم تفته حالة التوجس والقلق التي  كست لونا رماديا قاتما وجوه أهل المدينة ،و مماليكها، و حرسها ،و جنودها . كان قلقا مبررا ؛  فالجيش خارج المدينة  لنابليون بونابرت .. هو  يعرف الاسم جيدا  . وذكر نفسه بما يعرف وعيناه ترقبان سحب الدخان الذي تصاعد من الجهة الجنوبية  ( بونابرت  الذي يجيد الشطرنج والحرب .. بونابرت الذي لم يهزم في معركة واحدة من بين مائة خاضها .. بونابرت  ..بونابرت  ) و طاف ببصره في الأبراج العالية المحاذية للأسوار ، و استقرت أخيرا على البوابة الرئيسة المصنوعة من الخشب السميك ،و صفائح الحديد .  لاحقه السؤال:" أينا يحاصر الآخر  ؟" (شهور مضت  يا بونابرت و أنت تقبع تلعق قدمي عكا.. تخز ظهرها ..تصفع خديها .. ثم ماذا ؟  أنا هنا وأنت هناك! )

 قفل عائدا إلى القصر لينام  رغم القصف الشديد المركز .. ( يبدو أنها " فشة خلق" يا بونابرت  بعد ما فعل أهل جبل النار .. أم هل نسيت مقتل دوماس ؟  دحروك النابلسية  ،و حرقوا ميمنة جيشك ..  لو كنت مكانك " لفشيت خلقي "مثلك .. آه  لا غنى عن القيلولة).

     

مولاي .. باشا .. باشا  .. ثغرة .. ثغرة ..

هب من نومه منتفضا . نظر حوله .. كان لا يزال يلوح بيديه .. اصطدم نظره بوجه حافظ الدين مملوكه الأشقر ، وراعته نظرة الرعب التي انداحت في عينيه الزرقاوين  كبحر عكا .. قفز من سريره،  نفض رأسه محاولا إزالة الحلم  بل الكابوس  .. و لم يدر أيهما أيقظه صرخة المملوك  أم الكابوس.

كان المملوك لا يزال ينتفض ، و يصرخ " ثغرة  واسع .. ثغرة  كبير ..  ثغرة قد ذراع نحن  مولاي باشا "فامسك بكتفيه ، و هزهما بعنف  ليسكته و يهدئه ..  التفت حوله متفحصا الغرفة،والسرير،وملابسه .. كانت صور الكابوس لا تزال  ماثلة  أمام عينية تنتفض حياة و حركة ..  ثغرة صغيرة بحجم خرم الإبرة . ينسل منها  نمل أحمر  كثيف العدد . يحمل في فمه  عيدانا من القش  في طرفها نار ، ويتحرك بخفة ،و سرعة  .. يدخل  مخدعه .. يلقي القش على سريره، و ملابسه  ..تشب النيران في كل شيء ..ألسنتها  تمتد إليه لتلتهمه.. يصرخ بغضب  و هو يحرك  يديه  : النار .. النار .. أطفئوا  النار  .. أغلقوا  الثغرة .. الثغرة  و أفاق  و المملوك يصيح .. ثغرة.. ثغرة ..(لابد أني أحلم  .. وحافظ معي في الحلم .. و لكن أين النار ؟) تردد صوت المدافع من بعيد يصم الأذان.. ومعه كانت أصوات طنين بشري تخرج من كل مكان ..والمملوك يدق أذنيه بصراخه  ثغرة .. ثغرة  .. قال له وهو  يظن ان الحلم لا زال مستمرا  : " إهدأ حافظ  .. عم تتكلم ؟ "

-"الفرنسيون  فتحوا ثغرة في السور ."

"مستحيل .. السور  عرضه ثلاثة أمتار .. من الحجر الأبيض والشيد و الزيت  كيف؟"

 "ركزوا القصف بالمدافع على نقطة واحدة . الثغرة صغيرة ..  الجنود خائفون .. انه نابليون وجنوده كثيرون ."

( ليست فشة خلق إذن يا بونابرت .. انه اختراق .. أنت تجيب على سؤالي .. لكن أليس الوقت مبكرا لتحرك الوزير وتقتل القلعة لتقول كش ملك .. كش والي  ؟)

كان قد لبس  ملابسه بسرعة ،و التقط طبنجتين  .

دخل مملوك ثان ،و هو يهتف برعب : "مولاي الباشا .. الثغرة تتوسع .. أصبحنا نرى رؤوسهم .. الحجارة بدأت تتخلخل "

كان قد وصل  إلى باب القصر  .. نظر حوله  .. مسح ببصره  الساحة الرئيسية ، والأبراج الثلاثة  والبوابات.  كان الحرس و الجنود في الجهة الشمالية الغربية  يتراكضون ، و الذعر يعض سيقانهم . عدد يقارب أصابع اليد الواحدة  من الجنود بقي .  صرخ في المملوك آمرا: " حافظ  أحضر كيس القماش ، و قطع الرصاص " والتفت إلى المملوك الثاني :" تيمور  احضر اليقطينة ، و املأها  بكحل البارود  ‍"

توقف لحظات .. نظر إلى  الجموع المبعثرة الهاربة  في الساحة،و قرب البوابة الرئيسية ،والبرجين  الشماليين .برزت في مخيلته صورة قاتمة ليوم النشور  . الكل يهرب من الموت تمتم   (الموت .. ما الموت؟  من يخش كبشا سيذبح يوم القيامة ؟)

إغراء كاد ينسل نازلا إلى قدميه .. لكن خاطرا وكزه ( ما أنت ؟ الست رجلا . ألست القائد  ؟ الست الوالي .. الست الجزار ؟  بئس القائد أنت ان لم تمت دفاعا عن مدينتك ! كنت أنت الموت أمام قلعة صانور .. لكنها صمدت و صدتك. ألا تجد مكتوبا على بوابة كل قلعة تغزى " الغزاة لن يمروا" .. ألم تصدك صانور  .. اليوم دورك  صد ولتكن الموت داخل أسوار عكا ).

ركض  تجاه  السور ،وأخذ يصيح :" الله أكبر .. الله أكبر " لكن  الطنين الصادر من الجموع الهاربة  جعل صوته أشبه بالهمس؛  فاندفع  باتجاه الثغرة ، وفي عينيه تصميم (لنوقف النمل الأحمر قبل ان يحرق كل شيء ) . كان نموذج يافا لا زال ماثلا في ذهنه . وصلت إليه الأخبار قبل اشهر باستيلاء بونابرت عليها، وذبح من فيها ،وحرق الكثير من البيوت  والمتاجر . ( لن يحدث هذا في مدينتي .. أنا أحمد باشا الجزار .. لن يخيفني قزم كهذا ) صاح مرة أخرى وهو يلوح بيديه للجنود ،والحراس ان عودوا :" الله أكبر .. الله أكبر " لكن القنابل المتساقطة على الأسوار كانت تدفعهم بعيدا عنه، ومعظمهم كان يتجه إلى الباب السري . وصل إلى الثغرة .. كان الفرنسيون  قد افلحوا  في توسيعها قليلا،  و بدأ بعض الأفراد بالدخول  . صر على أسنانه  .( بونابرت .. لن تفلح .. لن تمر .. يجب أن تفشل  محاولتك هذه حتى تأتي النجدة ) .

كان  قد أرسل  منذ عرف  بقدوم نابليون غازيا  نداء استغاثة  إلى الباب العالي،  و إلى متسلم نابلس وجنين الشيخ يوسف الجرار  ( سيأتي الإنكشارية  و عرب جبل النار والبلقاء  و سنطاردكم.. أيام ويأتون  و ينتهي كل شيء ) .اخذ يطلق النار على الفرنسيين  المتسللين  . قتل الأول  و صرخ بغيظ  .. ( لو أن الإنجليز دمروا جيش نابوليون أيضا ) لكنه أحس بالخجل هتف يسمع نفسه ( جزار باشا ليس بحاجة للإنجليز . باب عالي تمام .. عرب أيوه .. إنجليز يوك )

 كان قد قتل فرنسيا رابعا  و جرح خامسا  .. كان يستطيع والعدد القليل معه اقتناصهم  بسهولة ؛ لأنهم  كانوا يدخلون منحنين  في وضع لا يساعد على الدخول وإطلاق النار  .. وكان المملوكان  يعدان الطلقات، و يدكان الطبنجات  بسهولة وسرعة ..أطلق النار و أطلق   و أطلق .. و كان يصرخ وسط دهشة حرسه و جنوده الذين سرعان ما بدءوا في العودة و إطلاق النار (.. مت . نابليون .. مت نابليون  مت أيها القزم الأصفر ).

 ورغم أن جثث الفرنسيين تكدست فوق بعضها سادة الثغرة ،إلا انه ظل يطلق النار، و يسأل :" من يحاصر من؟"  

-11 -

 رحيل مزدوج  

قصة بقلم : نعيم الغول

عن أدباء الشام

يتسلل الظلام إلى الغرفة بهدوء ومن حولها تتجلل الأشياء بالسواد.. الخزانة تبدو لها كائناً خرافياً جاثماً بجانب الحائط، طاولة الزينة مسرح استعراضي زائف.. ملاءة السرير مرتبة تحمل دعوة إلى النوم وتشي بقلته، والسرير نفسه واسع إلى حد يدخل البرودة في عظامها.. المشجب يحمل بعض ملابسها كما تحمل "الشناكل" في دكان جزار اللحم والقلب والرئتين.. تتجول عيناها في الغرفة فتغمرها موجة من الكآبة والحزن.

يطرق سمعها صوت ضحكة طفل.. تعرف صاحبها.. إنه عليّ ابنها.. يشرق وجهها قليلاً.. تفتح الباب.. صوت الضحكة لا يزال يجلجل لكنه الآن أقل علواً من قبل.. تطل في الممر.. تسرع إلى غرفته.. تقترب من الغرفة.. يخفت صوت الضحكة.. تفتح الباب.. تدخل رأسها وعلى شفتيها ابتسامة وفي قلبها يتضاحك أمل تريد أن تباغته.. تحضر السؤال عم يضحكه كثيراً.. تكتشف أن الغرفة خالية.. تغمغم "لعله خرج يلعب.. سأسأله حين يعود!"

تعود إلى غرفتها.. تجلس على السرير.. تلسعها برودته.. تتأوه.. تضع رأسها بين يديها.. تتدلى خصلات شعرها الذي انتفض فيها بياض من أثر أربعين عاماً هي عمرها. تقوم إلى الخزانة وهي تمشي مشية من لا تزال تحت تأثير البنج أو كمن يمشي في نومه.. تفتح بابها.. يخترق أذنيها صوت المفصلات.. ينصب الصوت فيهما زعيقاً مريعاً جعل ذاكرتها تنتقل إلى رنين الهاتف قبل نحو سنة.

 - ألو، مدام سميحة؟

 - نعم، من المتكلم؟

-  زوجك إبراهيم يتردد بانتظام على امرأة في الهاشمي الشمالي.

-  من أنت؟

-  فاعل خير!.. طوط..طوط..طوط.

من تحت السرير تخرج حقيبة سفر كبيرة.. وتبدأ في وضع ملابسها فيها. (لا بد من الرحيل. انتظرت يوماً بعد يوم أن يتكلم... أن يلمح.. أن يشير.. دققت في قمصانه.. سترته.. أوراقه.. لا شعر.. لا رائحة عطر.. لا أثر لامرأة.. هل يحسن إبراهيم إخفاء أسراره إلى هذا الحد؟)

- فاعل خير! طوط..طوط...طوط.

تمسك بقميص نوم شفاف طويل ذي فتحتي طويلتين جانبيتين.. (هذه هي الذكرى السنوية الأولى لزواجنا.. تخيلتك وأنت تلبسينه.. قلت حبيبتي.. زوجتي.. حلالي ستجعله أجمل حين تلبسه).

يمر على شفتيها طيف ابتسامة ما يلبث أن يختفي (ترى هل أهدى لها مثله أو أجمل.. ربما كان أقصر ليتمتع بالنظر إلى جسد ابنة عشرين.. لا بد أنها في العشرين! لهذا إذن يخفي عني الأمر..)

 - فاعل خير، طوط..طوط..طوط.

(إبراهيم.. لم تعودني على إخفاء شيء عني.. هل تقول لي أصغر الأشياء.. أتفه الأشياء.. وتخفي أعظمها.. تخفي أخطرها؟ لماذا تصر على إنكار علاقتك بامرأة أخرى؟ ألم يتكرر تأخيرك وغيابك منذ أكثر من سنة.. كنت تأتي قبل ذلك في موعد ثابت كأي موظف في شركة. وقت محدد لبدء الدوام ووقت محدد لانتهائه.. ثم البيت.. أنا وابننا الوحيد علي.. تأتي.. تقبلني.. تسأل عن ابنك.. تلاعبه.. تلاحقه.. تحمله على ظهرك.. لكنك منذ صيف العام الماضي بدأت تتأخر ثم بدأت تغيب عن البيت.. وحين تعود تكون منهكاً.. تقبلني بفتور.. تنظر إلى ابنك من بعيد.. إبراهيم، تغيرت كثيراً.. وأنا لم أعد احتمل!)

أنهت ترتيب ملابسها.. أمسكت بصندوق حليها.. فتحته.. تململت أمام عينيها إسورة.. تمسكها.. تلبسها.. تدور عيناها حولها.

-  حصل جميع موظفي الشركة على مكافأة.. ادخرتها للذكرى السنوية الحادية عشرة لزواجنا.. اشتريت هذه الإسورة لك.. ليتني أملك أكثر لأشتري ما يليق بمعصمك.

(يومها قبّل معصمي وألبسني الإسورة.. قال إنه يريد أن تشهد يدي له عند قلبي).

-  فاعل خير، طوط.. طوط..طوط!

(إذن لماذا يا إبراهيم تذهب إلى امرأة غيري.. أتعرف امرأة أخرى؟ أتعشق غيري؟ لابد أنها أصغر مني.. أحلى مني.. أبعد أن ذابت شمعة عمري من أجلك ومن أجل ابننا.. تتركني من أجل امرأة أخرى؟ يا للعار.. لم أحد احتمل).

تقذف بالصندوق بعصبية إلى داخل الحقيبة. يقع بصرها على حافظة صور. تفتحها.. تطالعها صورة لها وهي في الخامسة.. كانت تبكي.. تتذكر أنهم صوروها وهي تبكي و هم يضحكون.. ويطوف في خاطرها سبب بكائها: صديقة لها أخذت لعبتها.. وتتذكر أنها كانت بدلاً من أن تتشاجر معها.. تنزوي وتظل تبكي حتى يعيدوا إليها لعبتها.. تتوقف عند صورة أخرى لها.. كانت في الخامسة عشرة.. صديقتها معها في الصورة.. كانتا تتنافسان.. صديقتها تسعى للحصول على الدرجة الأولى.. هي للحصول على حب المعلمة.. لكن المعلمة كانت تميل إلى صديقتها.. تحمر غيظاً (لا بد أنها كانت تتزلف للمعلمة بطرق حقيرة).. تطوي الصفحة.. تقلب الحافظة بسرعة.. تبدو الحافظة كشريط سينمائي.. لحظات اللقاء الأولى.. الحب.. الخطبة.. الزواج.. علي. تتذكر عملية الولادة المتعسرة.. إنقاذ الجنين.. تلف الرحم.. استحالة الحمل مرة أخرى. تتابع صفحات الحافظة.. تتوالى صور علي.. صور له في اللفة.. صورة له وهو عارٍ في حوض الاستحمام.. صورة على دراجة.. صورة وهو يركب حافلة الروضة لأول مرة. صورة عيد ميلاده الثاني عشر.. تتوقف الصور.. تنتهي.. تغلق الحافظة تضعها في الحقيبة.. تسمع صوت ضحكة علي تجلجل على مقربة من باب الغرفة.. تنهض.. تفتح الباب.. تطل في الممر. تذرعه ركضاً.. تفتح باب غرفته تختفي الضحكة.. تحضر السؤال عم كان يضحكه كثيراً. تكتشف أن الغرفة خالية.. معتمة.... موحشة.. باردة تطاطئ رأسها.. تغمغم "لعله خرج يلعب.. سأسأله حين يعود".

تعود إلى غرفتها تتجه إلى الخزانة.. حزمة الرسائل ما زالت حيث وضعتها آخر مرة.. تتناولها.. تجلس على السرير.. تفتح الحزمة.. تقرأ الرسائل.. رسائل ما قبل اللقاء الأول.. رسائل ما بعد اللقاء الأول.. بقيت رسالة واحدة.. بعد الزواج.. الرسالة التي قرأتها عشرات المرات.. تفتحها ويدها ترتعش وتقرأ" رجاء، لم أعد احتمل وسوستك وشكوكك التي لا تنتهي ورفضك أن نعرضك على طبيب أخذت ابني وسوف تصل إليك ورقة الطلاق بعد أيام. وداعاً. إبراهيم."

12
قطيع

قصة قصيرة جدا بقلم : نعيم الغول

N1956gnov@yahoo.com

عن أدباء الشام

  وقف بعيدا عن جلبة الأقنعة في الشوارع الإسفلتية السوداء تاركا قناعه فيها. دخَلَت رائحةُ التراب ورطوبةُ العشب خياشيمَه متوحدة مع خلاياه. تنفسها بعمق كغواص يحشر الهواء في أكياس صدره قبل الغوص. وأخرج هواء مكبوتا منذ سنين. واتته رغبة بالنداء والصياح حين اكتشف جسده واقفا في المدى الأخضر . لكنه تنبه فجأة أن لسانه بدا يتدلى، وأذنيه ترتخيان، وأطرافه تطلب الأرض. كان ذلك حينما شاهد قطيعا من الأغنام يسير مطأطئ الرأس باتجاه بحيرة مجاورة داهمتها المدينة بمجاريرها. تعلقت عيناه بالكبش الضخم ذي القرنين الملتفين . استمع إلى وقع أقدامها المنتظم، وثغائها المتقطع. لحظة كالبرق تلاقت عيناه بعيني كبشه، واكتشف جسده ثانية على أربع مطأطأ رأسَه و يثغو.

 -13-

 قُبَّرة الحقول  

قلت لعبد الجبار موظف الداخلية مساء ذلك اليوم "آسف"

وقلت إنني طبيب قلب وحسب.

وفي "الحقيقة" هو يعرف ذلك، ويعرف أنني شاعر وقاص وروائي ورسام تشكيلي وممثل مسرح وتلفزيون وسينما. فنان شامل كما يقولون.

ولكنه حين جاء بها . قلت آسف.

الحقيقة لم أكن افهمها أيضا. لم افهم تلك المرأة أبدا. وكنت – وأظنني ما أزال – اعتقد أن من الصعب أن تطوقها بذراعيك . امرأة بمثل عنفوانها،  رجل واحد لا يكفيها. كما لا يمكن امتلاكها بخاتم في أي إصبع من أصابع اليد، ولن تربطها ولا بأطفال حتى ولو كانوا ذوي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. ومع هذا فرغبات الرجال جميعا ترحل إليها دون سام ..دون ملل.  حتى النساء  في أعماقهن يتمنين أن تحل فيهن قبرة حقول عساها تكون جواز سفرهن إلى قلوب الرجال.

 ورغم أنها كانت كابنة المختبرات، لا أب ولا أم ، إلا أنها كانت  مغرورة بجمالها، وملاحقة الجميع لها، وتَمنيهم ودَّها.

عبد الجبار أيضا كان يريدها. ربما كانت له أسبابه التي لا أعرفها ،ولكني  اعرفه. عبد الجبار لا يطيق أن يرى شيئا عصيا على التطويع ،فكيف بامرأة مشكلتها أنها عصية على الرجال . مشاكسة لكل النساء؟

 

ولهذا أظن أنه كان يلاحقها ويطاردها. بعنف أحيانا، وحين يلتقي معها وجها لوجه في زقاق يطبق عليها حتى يكاد يخنقها، لولا تدخل "أهل الخير والإصلاح" من أمثالي في كل مرة.

فكيف يدخل معها الآن إلى عيادتي "أنغجيه"؟ كيف صادقها؟ هل استغل حب الظهور لديها؟ أم تعبت هي من لعبة القط والفأر؟

 معرفتي به تقول إنه حين لا ينجح بأسلوب يلجا إلى غيره. ربما تعب هو الآخر – أقول ربما- وريثما يلتقط أنفاسه فضل "في هذه المرحلة" أن يحتويها. ولابد انه أقنعها أن له أصدقاء في كل مكان يستطيعون العناية بها وتلميعها وإبرازها على المسرح والتلفزيون والفضائيات. وهو كموظف في الداخلية لن يعدم وجود أصدقاء ومعارف في كل مكان.

لا بد انه أقنعها بذلك. وهي امرأة قبل وبعد كل شيء. وما المرأة ؟ مزمار تنفخ فيه فيزمر، ويستجيب لحركات الأصابع فيتلون الصوت كما يشاء الزمار.

حين جاء بها إليّ . لم اصدق ما رأيت. قلت آسف على الفور. نعم قلت آسف، وأنا اشعر بالأسف فعلا،  لا لأنني لا أريد مساعدتها، بل لأنها ليست وظيفتي. أنا طبيب "قلوب" ولست أخصائي تجميل لامرأة باتت مشوهة.

-14-

 حمائم مرزوق
قصة بقلم :نعيم الغول
N1956gnov@yahoo.com


          
مرزوق ذو الملامح السمراء التي ورثها عن أمه القادمة من أعماق الصعيد المصري "صعد" إلى سطح الدار وفتح باب "الخم"* حيث تجمعت حمائمه التي نزل إلى سوق الحمام واشتراها من مصروفه وعيدياته التي جمعها على مدى سنتين. كان من بينها حمائم مصرية وشامية وبالطبع الكثير من الحمام البلدي. وابتسم بفرح حين استشعر اليقين بأن حمائمه ستسبق حمائم ابن جيرانهم الذي أحضرتها له أمه الروسية من جورجية وأوكرانية ليتذوق معنى تحليق الحمام الحر.

همس : "ستحلقين أعلى وابعد."

كان قد لاحظ بعد عودته من صلاة الفجر في المسجد أن الغيوم سارت أمام الريح إلى أماكن أخرى بعيدة كقوافل تنقل الحرير والبشائر. ألجمه الدفء قليلا، وود لو بقي هكذا ساكنا طوال العمر تحت سماء صافية بلا مطر، وشمس لا تحجبها غيوم. "برجمت"* بعض الذكور للإناث داخل الخم. فقرر أن يضع حدا للغواية "الخـُمـِّيـَّة " فأخذ الحمائم البلدية والشامية والمصرية وأطلقها في الشمس.

قال لها:" هناك مساحة في الأجواء لم تصلي إليها بعد . اذهبي إليها وعودي لي بخبرها."

تلك البقعة كانت خلف الأفق ،وكان كثيرا ما يجلس مع والده يحدقان إليها حيث يحاول الوالد أن يشرح له ما يوجد خلفها، والولد يلح على أبيه بالذهاب إليها، والوالد يرد بأنه حاول ذات يوم فسقط على رقبته وكادت تدق عنقه، وأنها واسعة وبعيدة يضيع الفرد الواحد فيها وأنها تحتاج الى بحر من الناس كي تمتلئ وتفيض بجمالها على من يحبها. ومرزوق في كل مرة يقف غاضبا ويقول :"يوما ما سأذهب وحدي."

حوَّم السرب في الجو، وكان يبدو من بعيد كمتزلج على الماء يدور مع الموج يعلو ويهبط ويتمايل. وبين الفينة والأخرى كان يرى السرب يلمع حين ترتد أشعة الشمس عن أبدان الحمائم فتبدو كقناديل تتنقل في السماء ترسل أضواءها إشارات فرح الى الأرض الحزينة.

استسلم مرزوق قليلا للحظات انكسار القيود تلك.

ومرت ثوان قبل أن يسمع إطلاق نار كثيف باتجاه سربه الذي كان يمتص اصفر الشمس وازرق السماء بوله و نشوة. ورأى حمائمه تخر الواحدة تلو الأخرى.

ركض كامرأة تلاحق لصا خطف طفلها الذي جاءها بعد عقم سنين، وحين وصل الى البقعة التي تلقت جثث حمائمه وجدها ترابا احمر ربما من البكاء أو ربما من دم سال ويختلط به. أولاد كثيرون وقفوا ينظرون بحزن. بعضهم أمسك بعيدان وأخذا يرسم على التراب أجسام الحمائم سأل : "أين هي ؟" قالوا : جاء رجال بسرعة وكان معهم رجل يبدو كصياد محترف وكان يوجه إليهم الأوامر.

وقالوا : سمعناه يقول :" خذوا الجريحة إلى المستشفى وادخلوها باسم نزيل هارب. الحمائم الميتة ادفنوها فورا واكتبوا سبب الوفاة . تلك الحمراء الضخمة "ضحية جرائم الشرف" والبيضاء الناصعة " الحرية اللامسؤولة " والبنِّية "الغاء الحدود القطرية " والسوداء "الإرهاب".

فتح مرزوق الخم ثانية فوجد الذكور ما تزال "تبرجم" للإناث في وصلة غواية لا نهاية لها. تناول بعضها وأطلقه باتجاه تلك البقعة . ومرت ثوان قبل أن يرى نفسه يركض مع طوفان من أولاد وبنات الحي باتجاه البنادق وهم يصرخون " دعوها تحلق".

إضاءات :

§الخم : بيت الطيور الداجنة وخاصة الدجاج والحمام.

§البرجمة: الصوت الذي يخرجه ذكر الحمام لأنثاه أثناء التودد والمغازلة.

 -15-

ضحكات حاييم

قصة قصيرة بقلم :  نعيم الغول

n1956gnov@yahoo.com

 

1

أول الغيث

       وراء الطاولة الكبيرة  التي تفصل بينهم تمترس كل منهم على كرسيه. بدا سطحها واسعا بحجم البحر الأحمر . على جدران القاعة الكبيرة  اصطفت صور جميع الحاضرين . كان كل منهم يتشبث بطرفه كما يتشبث بحافة قارب تقاذفه أمواج متلاطمة . نلسون  الرجل الأشقر الضخم الذي جاء من المدينة المجاورة  ضرب الطاولة بحذائه  فاهتزت الأكواب والفناجين ،أجفل الأشخاص المحيطون بالطاولة.صرخ بصوت عال وبنبرة حادة قاسية  وخلفه يقبع رجل  ضئيل  طويل الوجه مقوس الآنف  اسمه حاييم :

-             ستطلّقها .

الرجل  الذي لوحت وجهه شمس الرافدين رد بهدوء اقرب إلى البلادة والغباء على طلب السيد نلسون :

-             لماذا ؟

-             لان زواجك بها يشكل خطرا على جميع العائلات.  و أنا وعائلتي أول المتضررين .

ورمى  بقية الأشخاص الموجودين حول الطاولة   بنظرة تحد وتهديد :"ولن  نسمح بذلك . "

بدوا كتمائيل خشبية جفت الكلمات في أفواهها،   لكنهم أومؤوا موافقين .

رد الرجل الأسمر  بعناد :"ولكن لماذا يكون زواجي من "صامدة " خطرا على أمن العائلات؟"

-"لأنك تزوجت من امرأة ذات حسب و نسب و أصول ؛ مما يجعلك تنتمي إلى طبقة لا تستحقها . طبقة زوجتك رفيعة و أنت رقيع ذو اصل وضيع ."

-             "  أنا لا أؤمن بالتفاوت الطبقي ، وقد قبلت بي ،ومثلها يقبل بمن يسعى لامتلاكها ."

-      " حتى لو قبلت بك فذلك نتيجة خداعك و تضليلك لها . ثم أنت لم تحصل عليها وفق الأعراف والتقاليد المتبعة . هل أخذت إذنا من أهلها .. من مجلس عائلتها .. من مجلس عائلات المدينة ؟ لم تفعل . تزوجتها سرا.  هذا الزواج لن يصمد ."

-       "ولكني احبها و تحبني  . ثم إنني لست وحدي الذي فعل هذا . انظر مثلا حاييم . حاييم تزوج من" ديمونة" قبلي بكثير رغما عن الجميع ، وقد طالبته كل المجالس  أن يعلن زواجه لكنه رفض ."

 تكور حاييم على نفسه خلف نلسون."

ضرب نلسون الطاولة بعنف  و قد احمر وجهه ، و خرج الزبد من شدقيه :

" لا شأن لك بحاييم ".

همهم الآخرون وقال مستر فوكس الذي اعوج لسانه بلهجة" الكوكني " اللندنية : " نعم حاييم شيء آخر "

رد الرجل الأسمر  بعناد أشبه بالغباء و اقرب إلى البلادة :

-             "لماذا ؟ هل يعني كون حاييم شريكا لك في كثير من شركاتك معاملتنا بصورة مختلفة ؟"

-             " لا شأن لك به وحسب ."

-              "ولكن هذا ظلم . كل لي وله بمكيال واحد !"

-      " كيف أكيل لكما بمكيال واحد وأنت صعلوك  و هو شريف . أنت مضلل مستبد متعصب  و هو واضح وشفاف و صادق  و حر وديمقراطي ."

-             " وهل أنت الحر والديمقراطي ؟ هل نكشف المستور ؟ ثم إنه مثلي لم يستشر أحدا  ."

-      " لكنك أمرت زوجتك أن تضرب زوجة أخيك . لقد " سلطت زوجتك لتعتدي على أحد اخوتك وجيرانك  . حاييم لم يفعل ."

-      "  هل نسيت  ضرب حاييم لجيرانه ، وإخراجهم من بيوتهم، واستيلائه عليها بالقوة ، و رفضه إعادتها إليهم ، والتصالح معهم .هل نسيت الكتف الذي "تسلفه "" له كلما ارتقب حماقة سوداء؟"

-              "هذا موضوع آخر سنحله بمعرفتنا .

همهم الآخرون :" طلقها وأرحنا و أرح نفسك يا أخي . طلقها."

مال نلسون إلى  الكوكني. تهامسا. وقف الكوكني وقال :

-      "لقد اتفقنا على أن نعطيك مهلة .بعدها سندخل بيتك ،ونأخذها منك ،وسنطردك ،وان قاومت قتلناك . سنعطيك ثلاثة أيام لتطلقها."

-             "أستشير إخوتي  و أعطيكم الرد ."

-             "ثلاثة أيام فقط!"

 

من خلف نلسون كان حاييم يحاول جاهدا كتم ضحكاته.

 

2

إضاءة من الرجل الأسمر

 

متناثرون كحجارة سوداء على جانبي طريق صحراوي متلهف للحياة.

تشدهم خيوط لا تراها العيون ، خيط يشد الأيدي التي امتدت إلى الدولار ، ويكبلها حين يحيق الخطر بتلك الديار..

خيط يفتح يدين ضارعتين أن احمنا من ذلك الجار ..ينسيهم أنهم اخوة وأن الجار ولو جار..

خيط يفتح يدا سمنتها العمولات ،والصفقات.

اخوتي يتمايلون تيها بين نشوة الماضي ،وعز الحليف ،وتحت الأقدام يتلوى التضامن ،

مصالحنا يقولون..وجودنا ينعبون ..كراسينا يولولون ..

تلك ترانيم تسبح في أفواه اخوتي .. ومع أني لا أنكر أني منهم إلا أنني ما رهنت مصالحي ..وجودي .. كرسيي لحفار آبار النفط ..لصاحب حرب النجوم ..يأبى هذا الرأس الجالس بين كتفي ..أن يقول نعم ..حين تكون نعم ..أشبه بنغم ..يوم تطوى النفوس وتلف يد حاييم على الرقاب حبل العولمة.

 

3

بالشكر تدوم النعم

الكراسي حبلى  بالجالسين . و حرارتها ارتفعت في بداية الجلسة، ثم عادت تنعم ببرودتها المعتادة ، وحين غادرها شاغلوها  همس كرسي لصاحبه الذي نصب جذعه بفخر فارغ :" الحمد لله أننا لا نشهد تغييرا يذكر بين جلسة وأحرى من جلسات الاخوة، وأننا بقينا على حالنا دون كسر ، دون  خلع، حتى ولا ضربة مسمار.

رد الآخر بأسف ممزوج بالشماتة :" الرجل الأسمر  لم يحصل من اخوته على أكثر من رفض لتهديدات نيلسون مع النصيحة بالطلاق  "

 

4

إضاءة من نلسون

"عزيزي حاييم :

ما زلت اذكر كيف كانت أيدينا تتشابك ، ونحن نغني بانفعال و حماس شديدين:

          عند أنهار بابل

          هناك كنا

          حين تذكرنا صهيون

         هناك كنا

من بابل يبدأ كل شيء .سنعود من هناك يا حاييم، ونقف على صهيون و تتشابك أيدينا ثانية، وننشد من جديد .بانتظار قيامة السيد."

5

وينهمر المطر

تمترس كل منهم على كرسيه وراء الطاولة الكبيرة التي تفصل بينهم .بدا سطحها واسعا بحجم البحر الأبيض المتوسط . وتشبث كل منهم بطرفه كما يتشبث بحافة قارب تتقاذفه أمواج متلاطمة . كانت الصور  جميعا تصطف  على الحائط عدا صورة الرجل الأسمر.ضرب الرجل الأشقر الضخم  الطاولة بهراوته بقوة فتناثرت الأوراق  من أمام الجالسين واختلطت . أزاحها بصلف وصرخ بصوت حاد ونبرة قاسية :

-             ستطردها هي وبقية "الزعران"

رد الأخ التاجر  بهدوء و بلهجة اقرب إلى المساومة  :

-             "لماذا؟"

-      " لان وجودها و "الزعران " الآخرين  في بيتك  يشكل خطرا على أمن العائلات كلها، و يسبب لي الضرر بصفة خاصة ."

ألح التاجر وهو يبحث عن منفذ  :

-             لماذا؟

-             " لأنني جارك الآن . أخشى على مالي وعيالي وخدمي وحشمي ؟"

-       ولكن " الكرمية "  ليست كزوجة الرجل الأسمر  . إنها مسكينة ومظلومة . لقد طردها حاييم من بيت أخي بعد استيلائه عليه . و لا أسمح لها إلا بالثرثرة "

-              "إنها في دارك وفي حمايتك .أنت تؤوي الزعران،  وسوف تحاسب على ذلك"

-              رد التاجر وهو يحس بساقيه تخوران  :

-و ما العمل ؟

أحس نلسون بالخور الذي بدا يتسلل إلى نفس التاجر فقال :

-" تسلمه لي وتصالح حاييم و تطيب خاطره و تمنع عنه أية محاولة لإيذائه ."

لكن التاجر لم يقاوم إغراء  المساومة .

-             وماذا احصل بالمقابل ؟

هز نلسون رأسه ساخرا :

-              " أخرجك من دماغي  " !!

من خلف نلسون كان حاييم يحاول جاهدا كتم ضحكاته.

6

المشهد الأخير

تسمر كل منهم في كرسيه وراء الطاولة الكبيرة التي تفصل بينهم .بدا سطحها واسعا بحجم المحيطات كلها  .  جدران القاعة خلت من صور الحاضرين خلا صورة نلسون. جاهد كل منهم متشبثا بطرفه كما يتشبث بحافة قارب يمسك دفته ربان   واحد  .  الخليط العجيب من الأشقر و الأسمر و الأحمر و الزنجي والأصفر كلح لونه،وصار كلون وجه فر منه الأمل، وطارحَتهُ الصفعاتُ الخوفَ. نظراتهم التصقت بالأرض.   فجأة تحول نلسون إلى" روبوت" عملاق . ارتفعت يد  لتضرب الطاولة؛فتكور الجميع على أنفسهم، وهم يمسكون بسراويلهم .انتظروا  أن يقول شيئا. لكن  الذي تقدم وتكلم كان حاييم  .

* * * * * * *

 

            شهادة المؤلف

أنا الموقع أدناه تعيم الغول " المشار إليه لاحقا في هذه الشهادة بالمؤلف " اشهد بهذا أن الراوي الحصيف قد روى الأحداث التي اتفقنا على روايتها ، غير  أنه تصرف ـ بموافقتي ـ في بعض المواقف لضرورات تتعلق باحترام قانون المطبوعات والنشر.

                                                                                 نعيم الغول

                                                                                    المؤلف

قول مستدرك :   فوجئت أثناء  مراجعتي للنص أن الأوراق بدأت تهتز، وسمعت صيحات من بين ثناياها، وحين أخذت اقلبها قفزت شخصيات القصة ، وأخذت تلوح بأياديها بغضب . وكان علي أن استمع لما يقوله كل منهم .

وقد بدأ نلسون قائلا :

- يا حضرة المؤلف لقد قمت أنت و راويك بعمل غير أخلاقي حين كذبتم وأظهرتموني بمظهر العدواني  والطامع إلى توسيع مناطق نفوذ عائلتي وأنني مجرد إمعة لحاييم .

أجبت بدهشة لجرأته : ولكنك كذلك .

-    لا لست كذلك . أنا الأقوى  والأغنى والأعلم والأوسع خبرة ولست متخلفا مثل بقية الناس ؛ فمن حقي أن أقود الجميع ،وأن أريهم  حدود الخير لهم وهذا يكفي .

-          .. .. ..

انتفض الرجل الأسمر  بعنف  وقال : " وأنا كنت وما زلت ضحية تآمر وصمت الجميع ، ومع ذلك اكتفيتما  بتصويري بالعنيد و الغبي،  وقتلتماني  ولم  تصوراني بصفتي الرجل الوحيد في زمن الخصيان ، ولم تعطياني فرصة لإثبات قدرتي على فرض ما أريد على الجميع بما فيهم نلسون.

-         أعتقد انك ضعيف الحساب ، وأنك بحاجة لتغيير نظاراتك الطبية.

ــ ــ ــ ــ

 

لا بد لي من تعديل  شهادتي والاعتراف  بأن   الراوي لم يقل ما  أريد  ربما لأنه وجد الأمر اكثر تعقيدا ؛ مما جعله يروي بصورة خاصة . أظن أن علي القيام بنفسي بذلك  فربما استطعت أن أصور ما أريد:

ضحكات حاييم

أنا  فرانك روود نلسون  الحفيد الأكبر لأغلي  نلسون الذي  انحدرت منه أسرتي التي تبتلع  ثلث مدينتنا الكبيرة . بعد وفاة آخر محافظ   انقسمت  المدينة إلى أحياء متناحرة على تجارة الذهب الأبيض والرقيق الأبيض و  علب الليل الخضراء . في كل حي عششت عائلة . وكان لي  صهر اسمه حاييم و... .. ..

 16

دائرة اللوم

قصة قصيرة

 

بقلم : نعيم الغول

 

        سحب نفسا عميقا من سيجارته، وتحجرت حدقتا عينيه على منظر بعيد لم يستطع من حوله أن يروه معه. مع الدخان الرمادي المنبعث من فمه جاءت كلماته تقطر حيرة:

" لا أستطيع أن ألوم ذلك الشرطي الذي دخل الى المقهى، ووقف بالقرب من طاولة صاحبها، وتفرس بوجه ينطق بالحزم وبخطورة ما جاء من أجله في الوجوه المكبة على أوراق الشدة أو النرجيلات أو الغارقة بوحول النهار الذي ارتحل منذ ساعات قليلة. ولا ألومه حين اقترب من الطاولة التي كنت أجلس إليها في مثال هذا الركن المنزوي تماما في مثل هذه الأمسية. لا من الصعب أن ألومه حين شدني من ياقة قميصي، وأنهضني وهو يقول:" محمود خميس؟ إننا نبحث عنك منذ يومين. تعال معي."

 من يلوم شرطيا يؤدي واجبه إذا صفعك أمام الجميع واقتادك أمامه وقبضته تدق ظهرك بين الصفعة والركلة؟ لا يا أصدقائي سيكون ذلك من الظلم الكبير."

ساد الصمت فيما عامت كلماته في أدمغتهم محاولة الاستقرار في منطقة الفهم الكامل. تخلص أحدهم من وجع الفهم والتفكير وقرقر بنرجيلته. سال آخر وهو يحدق في تلك الرعشات المتلاحقة بالقرب من عين محدثه محمود خميس:" كيف لا تلومه وقد اقتادك دون أن يقول شيئا عن سبب اعتقالك؟"

توقفت الارتعاشات حين اختلست شفتاه ابتسامة صغيرة بدت كشرخ في جدار:

" لن تلومه لأنه مأمور بالا يقول شيئا. هنا لا أحد يقرأ الحقوق على أحد"

علق صاحب النارجيلة:" حتى المحامي خريج الحقوق لا يقرأ الحقوق."

علق آخر:" المحامي يقرأ حقه عليك فقط."

ضحكوا ليخفوا الفقاعات التي بدأت تتصاعد في أمعائهم كاشفة عن قرحات مزمنة. تابع محمود خميس:" لا،  أقول بجد.. بعد أن اقتادني خارج المقهى قذف بي داخل سيارة كانت تنتظر، وبسرعة وجدت الشرطي الجالس داخلها يمسك بيدي ويقيدهما."

-         ألم تسأل لما أخذوك؟

-          بالطبع سألت ولكني سمعت كلمة واحدة

-         نحن أسفون مجرد اشتباه أو على أقل تقدير : "يتعرف في المركز"؟؟

-         لا  قالوا  : اخرس.

سمر نظراته على أحدهم . طالت النظرة قليلا فتنحنح الآخر ونظر في اتجاه آخر.

" في المركز ركلني عريف النظارة في مؤخرتي، وأغلق علي الباب بعد أن اطمأن أنني اصطدمت بسطل مليء بالبول. لا أستطيع أن ألوم العريف فقد قال لي أدخل قبل ذلك لكني وقفت وقلت له إن من حقي أن اعرف ما يحدث لي. اعتقد أن هذا الكلام يكفي ليطير عقل أي شخص حليم ، فما بالك بعريف مسكين مهمته فتح النظارة وإغلاقها ثم يأتيه من يقول له حقي و"زفتي". لا . هذا أيضا لا يلام"

كان الاهتمام قد احتل محاجر عيونهم لدرجة انهم لم يسمحوا لها أن ترمش. بينما أشعل محمود سيجارة جديدة من تلك التي انطفأت.

" لكن لحظات الخوف والانتظار لم تدم. حقيقة يا إخوان لم اشعر بسعادة قدر ما سعدت تلك اللحظة التي فتح فيها العريف الباب ونادى اسمي. فرحت حتى إنني صافحت زملاء النظارة اللذين لم اعرف أسماءهم بعد، ولم اعرف قصصهم، ولم يعرفوا قصتي، ولكني مع هذا بدأت بمصافحتهم مودعا بسعادة غامرة . كدت أن أصافح العشرة الملتصقين كركاب حافلات النقل العام لدرجة انك تستطيع أن تعرف أن كان الواحد منهم قد أزال اللوز أم لا.

 لكن العريف جذبني بشدة وصاح بصوت مدو: "لسه بدري" .

 لكن عصافير السعادة لم تطر إلا عندما حشروني في غرفة التحقيق وسألوني:" أين المسروقات؟"

 مرة سمعت شخصا  يصف شيئا  اسمه الهلع لكني عرفته حين مات لساني في فمي وهبط قلبي وأحسست به بين رجلي. صرخت بدهشة :

" أية مسروقات يا سيدي؟ والله لا أعرف شيئا عما تتكلمون".

 بسرعة تبادلوا النظرات وابتسموا. قال ضابط بنجمتين:" لقد حلف. لقد حلف."

رد شرطي آخر التصقت بذراعه ثلاث شرائط: "أنا سمعته سيدي . اسمع "وله" ما دمت حلفت فآنت كذاب. الآن عليك أن تخلق المسروقات، وتعترف عن كل جماعتك، وعن التجار الذين وزعت عليهم المسروقات. جماعتك اعترفوا عليك."

أنا لا أستطيع أن ألوم الضابط والوكيل حين جمعوا كل ما يستطيعون من قوة عضلات وسماكة أسلاك كهرباء و بدءوا بالانتقال ملمتر ملمتر ضربا على جسمي كأنهم قوات تحالف تحرر بلدا من بلدان محور الشر . كيف ألومهم وقد أصررت بأنني برئ. أتعرفون ما القصة يا إخوان؟ أخي يعمل في أحد البنوك. أخي الأكبر مروان. وهو مدير فرع الآن. لم يرض عن تركي للمدرسة مبكرا ولا عن عملي تارة "كونترول" باص، وأخرى صبي قهوة، وتارة امضي أوقاتي نائما بعد سهرة طويلة على التلفزيون. فدبر لي قرض باص صغير لتوزيع البضائع على تجار المفرق. وبدأت أدور على تجار الجملة والمصانع آخذ بضاعة وأوزعها. وتعرفت يوما على أحد الموزعين الذي قال انه يعرف مصنعا يستطيع أن يعطيني بضائع بأرخص من هذه بكثير، وعلي أن أوزعها على تجار المفرق، والربح كبير ومضمون. ودلني على المكان وكان "هنجرا" كبيرا.  وبدأت أتعامل معهم. وعرفت من التحقيق انهم لصوص يسرقون البضائع، ويعيدون بيعها عن طريق موزعين صغار مثلي. وحين ألقي القبض عليهم لم يعترفوا بان لا دخل لي بالأمر بل قالوا إني شريك لهم.

رغم أنني ضربت ضربا يهد الجبال هدا إلا أنني لا ألوم الضابط والوكيل، إذ أمامهم اعتراف أفراد عصابة على شخص بأنه منهم. وهذا الشخص ينكر. لو كنتم مكانهم هل تضعون احتمالا بان أفراد العصابة كاذبون؟ هل ستقولون الكلام الفاشل :" المتهم برئ حتى تثبت إدانته؟" هل ستخرفون بتخاريف منظمات الرفق بالإنسان وتقولوا  هذا إنسان ولا يجوز تعذيبه وانتزاع الاعتراف منه بأية صورة من الصور؟ لو كنتم مكانهم هل ستذهبون وتتعبون أنفسكم وتتحرون عن ماضي هذا الشخص وتتأكدوا من براءته؟ أم تتعبون الطريق الأسهل والأسرع والأضمن والأعقل وهو الضرب المفضي فقط للاعتراف؟

سال أحدهم :" وهل اعترفت؟"

شخر من أنفه:  " طبعا اعترفت،  وبدأت أعطيهم أسماء ذات اليمين وذات الشمال. فحولوني الى المدعي العام. سأذكره بخير ما حييت. لقد رأى آثار التعذيب علي، ويبدو أنه تألم كثيرا لحالي. أتعلمون يا شباب ؟ ما أعظم إنسانية الانسان حين يكون في منصب كبير ويتألم مع أخيه الانسان .. مع إنسان حقير الشأن مثلي،  ويأمر بإعادتي الى النظارة حتى تشفى الكدمات والجروح والقروح. يا لهذا المدعي العام الطيب! لو رأيتموه وهو واقف أمام القاضي يصور الوطن خاليا من أمثالي. كم كرهت نفسي وقتئذ وشعرت بأنني وصمة عار في جبين الوطن. هل سمعتم بشخص اسمه أحمد شوقي؟ أنا لا أعرف أحدا قال مثل أحمد شوقي شيئا جميلا في الوطن حتى سمعت ذلك المدعي العام. يا إخوان حب الوطن مؤثر جدا عند من طبقوا القانون علي، مع هذا لا أفهم لماذا ما يزال الوطن بحاجة الى الكثير من التقدم رغم وجود كل هذا الحب في قلب ذلك الشرطي والوكيل والعريف والضابط والمدعي العام؟ صدقوني أنا لا ألومهم فهناك أوامر الحاكم الإداري ينبغي عليهم تنفيذها. الأوامر واضحة : لا رافة ولا شفقة مع المشتبه به محمود خميس حتى يعترف. وهل تظنون أنني ألوم المحافظ لا قدر الله ؟ ألا يتبع هو أيضا أوامر الوزير والوزير أيضا يطبق القانون والقانون يقول بان للحاكم الإداري أن يفعل ما يراه مناسبا لحفظ الامن والنظام وممتلكات الناس. وهذا ما فعلوه معي. ومع المجموعة السافلة التي جرت رجلي في القضية. وقد نظف الوطن مني مدة سبعة أعوام أصدرها القاضي، وقد رأيت وجهه وهو ينطق بالحكم. كان  كوجه شخص وجد جرذا ضخما قذرا في فراشه. حين نظر الى أحسست أنني ذلك الجرذ.  فعقب قائلا: "لو أن القانون جعل  العقوبة  الاعدام " فعصا" لارتاح ضميري أكثر."

 وأنا لن احلف حتى لا تقولوا كما قالوا في المركز : قالوا للحرامي احلف.." أتظنون أنني  ألوم القاضي حين لم يقبل ادعاء المحامي بأن اعترافي انتزع انتزاعا وقدم تقريرا طبيا يشهد بان آثار الجروح والقروح تدل على أنها حديثة العهد. بصراحة المحامون في واد والمدعي العام والشرطة والقانون في واد آخر. المحامي يا إخوان "غائب طوشة". ولهذا لا ألومه.

قال أحدهم وقد بدا غيظه واضحا على وجهه: "سبع سنوات في السجن وتعذيب وبهدلة ثم لا تلوم أحدا؟"

قال وهو يسحب آخر نفس من آخر سيجارة:" بلى ، ألوم .... ألوم ابن الكلب الذي سألوه عندما استعصت ولادتي:" إما زوجتك وإما الجنين"...

 17

وميض أزرق بارد

قصة قصيرة

بقلم : نعيم الغول

كل حواسه تركزت على باب الزنزانة الحديدي الضخم. حين سمع صوت المفتاح يدور في القفل "طق.. طق.. طق"، وأخذت دقات قلبه تتسارع وقفز قلبه من بين ضلوعه حتى سد أنفه. وتوالت أنفاسه، وتصبب عرقاً. بدا أنه  يعرف ماذا يعني أن يفتح باب  الزنزانة في الواحدة بعد منتصف الليل. إذ تراجع بسرعة  إلى أقصى الزنزانة في الزاوية. لكن يده اصطدمت بسطل وضع ليتبول به. فسال البول على الأرض، فابتلت يداه وظهره به ..

التصق بالحائط وترقب.

فتح الباب وأطل منه جندي يتدلى من رقبته سلسال تتشبث في وسطه نجمة سداسية، نظر ملياً داخل الزنزانة. وبدا وكأنه يبحث في الظلام عن شيء ما. قال :

-"أين أنت يا "خبيبي" ؟ آه، أنت هناك؟ تعال، تعال."

لكن الشاب ظل قابعا في اخر الزنزانة و قد تقلصت عضلات وجهه .. بدا و كأنه يتوقع أمرا تكرر حدوثه .

تقدم  الجندي من الشاب، وشد شعره ونظر في وجهه، قال بصوت تشحم بالعطف:

"يا الهي، وجهك شاحب، هزيل، لا بد أنك جائع. اللعنة.. ملعون أنا كيف لم  أطعمك؟" وشد شعر الشاب بقوة أكثر، ورفع رأسه إليه، ابتسم كان الحنان يعوم على شفتي  الجندي  ولكنه زمهما فجأة، ورفع قبضته وأهوى بها على وجه  سجينه، رفعها مرة أخرى وأهوى بها على عين السجين ، وقف بكل ما أوتي من قوة دفع بمقدمة حذائه في بطن الشاب .. كانت النجمة  و السلسال يتراقصان و قد تدليا من  رقبته  كبندول ساعة مجنونة  تعبر عن زمن موتور.. وفتح فمه ليضحك فخرج بدلاً من الضحكة صوت   أفعى تفح .و حرك الجندي  رقبته يمينا و يسارا مصدرا منها صوت طقطقة  و دفع بكتفيه الى الأمام ثم الى الوراء بحركة سريعة خاطفة كتلك التي يقوم بها الرباعون و نظر من بين حاجبيه الى السجين  الذي كان يتلوى بصمت. وعاد إلى الباب وضرب الأرض بقدمه تحية للرجل الواقف هناك وقال :"إنه مستعد يا سيدي."

نظر الرجل إلى الشاب المتكوم على البول في الزاوية وانطلقت من فمه ضحكة مدوية ثم سأل:" هل تناول طعامه؟"  أجاب الجندي:" لا يا سيدي!" فصرخ فيه :"هات طعامه وهات الكلب!"

كان الشاب  ملقى على وجهه والدم يسيل من فمه لكنه حين سمع بالكلب انتفض، لاحظ الرجل حركة الخوف التي بدرت من السجين .. فالتصقت بشفتيه ابتسامة و أشار للجندي بالانصراف وتقدم من الشاب مد قدمه وأخذ يضربه في ظهره يميناً ويساراً. فانتفض هذا وأدار ظهره للجدار مواجهاً الرجل .

همس الرجل  من بين أسنانه  و قد بدا انه يود لو يعض الشاب : "لم تتكلم بعد .. تظن ان لحيتك  هذه تعطيك ميزة عند الله  فتقول اصبر و الله معي .. الله معك هاه  سنرى كيف يكون معك .. لا زلت صامتا .. تظن ان صمتك ينجي  المخربين الاخرين ..لا بأس .. أنا لا أريدك ان تتكلم .. لا حاجة لنا بكلامك .. اصمت كما تشاء ..و احم المجرمين الاخرين .. سنصطادهم و نقتلهم  كما نقتل الحيوانات المتوحشة .. لسانك معقود .. اعقده كما تشاء ..  أريد فقط ان امضي أمسية ممتعة معك ."  ثم  نظر حوله فرأى البول على الأرض فغمس حذاءه فيه وحين ابتل تقدم من الشاب المنهك ووضع مقدمة حذائه على فمه وضغط ثم أخذ يسحق شفتيه. ضحك ضحكة مبحوحة و صرخ : "ستكون تسلية لم تحدث حتى في حجرات الغاز التي نحدث العالم عنها." وحين مد السجين يده يمسح خيط الدم المختلط بآثار البول    قفزت ضحكة مدوية من فم الرجل  الذي   استطرد قائلا : " يقولون انك منذ شرفتنا هنا لم يسمعوك تقول آه!" هل تخشى العار ان قلت آه او بحت بشيء ؟!  و من سيعرف ؟1  و ركله في خاصرته و تابع :" لم تقل حتى  و لا آخ " و وضع حذاءه على رقبته و هتف بتشنج :" و لا آي و لا اوو .. "و ركله في مؤخرته :"  أريد ان أسمعك تقول أي شيء . تطلب أي شيء .. .. الليلة .. الليلة .. وعدت نفسي ان اسمع الآخ و الآه و الاوو و الآي .. لا شيء غير ذلك ."

و استدار حين دخل الجندي حاملاً بين يديه صحناً كبيراً. وضعه في وسط الزنزانة، وغاب قليلاً ثم عاد يجر وراءه كلباً ضخماً، نظر الشاب الى الكلب فسرى تيار عصبي لاذع من عينيه إلى مؤخرة دماغه. فانسحب إلى آخر الزنزانة .مد الجندي يده في قاع الصحن واخرج قطعة اللحم الوحيدة الموجودة فيه. وتقدم من الشاب وامسك بساقه ومسحها بقطعة من اللحم ثم امسك بالكلب وجره إلى حيث قبع الشاب وقرب وجه الكلب من ساق الشاب، فأخذ يشمها، ويلعقها، تلوى السجين في مكانه، وجحظت عيناه والتصق بالحائط وضع الجندي قدمه تحت أذن الشاب، ودفع رأسه باتجاه الحائط وضغط صرت أسنان السجين ثم أطلق صوتاً حاداً رفيعاً كصوت جرذ مسحوق .

كانت قطعة اللحم ما تزال في يد الجندي نظر الكلب إليها ونبح، تحرك الرجل وأمسك بالكلب وجره للخلف. وضع الجندي قطعة اللحم في الصحن ثم جر الشاب من شعره وأدنى رأسه في الصحن وأمره قائلاً كلها يا ابن ابتسم الرجل و قال " كلها او .. قلها ".. لكن الشاب لم يقل شيئا ..  لكنه بدلا من ذلك نجح في تمرير ابتسامة افرغ فيها ما يستطيع من تحد.

 امسك الجندي  بيدي الشاب وثناهما خلف ظهره وضغط على رأسه في قاع الصحن وتناول القطعة ودفعها في فم الشاب عند ذلك افلت الرجل الكلب فألقى  هذا بنفسه على الشاب وفتح فمه ليخطف القطعة، فأزاح الشاب وجهه، أطبق الكلب فكيه على خده. سال الدم من خده، نظر الكلب برهة .. وحين رأى الدم وشم رائحته، استشاط نشوة، فرفع رأسه ونبح نباحاً طويلا عميقاً وهجم على الشاب فتراجع هذا بسرعة، فقفز الكلب عليه وعضه من كتفه، انسحب الجندي إلى الباب. وأخذ يفرك يديه، ونظر إلى الرجل فوجده يضغط على شفتيه  و قد اتسعت عيناه و التمع في زرقتهما برق بارد .

ضرب الشاب  الكلب بالسطل، ترنح الكلب وتراجع ثم هجم عليه فأزاح الشاب جسمه، فاصطدم الكلب بالجدار، فاعتلاه الشاب وأمسك بعنقه وشد عليها وظل يضغط حتى أحس بجسم الكلب يتراخى بين يديه. عند ذلك خرجت الضحكة المدوية من الرجل وصرخ في الجندي.

-                "خمسة، ائت بخمسة.. الأمسية تزداد تشويقا!"

-      ركض الجندي خارجاً وعاد ومعه جنود يجرون خمسة كلاب داخل الزنزانة . و تركوها وذهبوا ،  ثم خرج الجندي و أطبق باب الزنزانة خلفه .وبقى الرجل  في الداخل إلى جانب الباب, اشتمت الكلاب رائحة الدم فنبحت بجنون وقفز أقوى الكلاب على وجه الشاب وعضه من وجنته. فسقط هذا فتكومت باقي الكلاب فوقه وأخذت تنهش في  جسمه. تراقص اللمعان البارد  في عيني الرجل  وأخذ يقفز إلى جانب الباب ويضرب قدميه في الأرض ويشد شعره ويضحك ثم أخذ يدق الحائط بيديه وقدميه ويضحك ضحكاً صاخباً..  حتى الفهفهة ..  ثم أخذ ضحكه يتقطع، صمت لحظة.. رأى الكلاب تواصل نهشها للشاب. كان هذا يغطي وجهه وعينيه بيديه ويقاوم برجليه أصاب كلبا في بطنه فابتعد هذا وهو ينبح بألم فابتعدت الكلاب عنه قليلاً.

 تراجع إلى الزاوية القريبة من الباب ونظر إلى الرجل، تلاقت عيناهما، سقط ثم وقف مرة أخرى، كانت الكلاب تتشمم الكلب الميت. انتفض الشاب.. اهتز جسده مسح الدم عن فمه ونظر إلى الرجل. انتصبت في رأسه فكرة، فتوترت يداه  هجم على الرجل و اطبق على عنقه .. ركله هذا  في بطنه لكنه  لم يبتعد بل زادت يداه إطباقا ..صرخ الرجل :" النجدة انه يقتلني" وسقط سقط الآخر فوقه، هجمت الكلاب.

وأخذت تنهش لحمه دخل الجنود، كان الرجل يضرب رأس الشاب وظهره ضربات يائسة بكلتا يديه، شدد الشاب الضغط على عنقه ورمى جسده على رأسه.. هجم كلب على عنق الشاب.. نهشها رفع الجنود أسلحتهم وأطلقوا النار على رأسه، انتزع الكلب قطعة من لحم الرقبة.

 وحين ارتمى الشاب ميتاً فوق رأس الرجل كانت الارتعاشات من جسد هذا تتضاءل حتى اختفت.                                                        

-18-

 امبراطور بلا حاشية

قصة بقلم : نعيم الغول

 

         كان فحصا شاقا هذه المرة وقسمات وجه الطبيب المتشمعة بالاحترام والتوقير لجلالته لم تستطع إخفاء القلق. " أنصح بالرياضة لمولاي ، الركض صباحا أو قبل الغروب. عضلة القلب بدات بالتعب."

كانت المشكلة هي ايجاد مرافق يحفز على الركض ويسمح لجلالته بالتفكير ولا يطلب شيئا حين يجدها فرصة للاختلاء به. لن يجد في الحاشية من يناسب ما يريد. كلهم مستعدون للركض ولكن منهم من سيثرثر وهو يريد لهذا الركض الصباحي ان يكون فرصة  لتفكير عميق وتامل في كل شيء يحيط به، ومنهم من سيطلب؛ سيكون ذلك نوعا من الابتزار يرفضه. من يرافقه يجب ان ينسى كل شيءويتابع خطوات مولاه .. يرفع ساقه اذا رفعها امبراطوره ويخفضها اذا خفضها. لا مندوحة من البحث عن مرافق  من خارج الحاشية. طرد فكرة ان تُراكضه امرأة. سيثير ذلك غيرة جلالتها، ولن يكون في وسعه توجيه اسئلة مبطنة عن بعض النظرات "البريئة" التي تختلسها في حضرته لبعض افراد الحاشية او الضباط الكبار. ليبحث عن جندي مثلا.

 جندي متحمس ومخلص لمولاه، شاب لا يتعب من أول الشوط ولا يبدأ بطلب ما.. أي طلب . بعض الجنود يطلبون الانتقال الى وظيفة اخرى مثلا . فحين يكون الامر متعلقا برغبة وليس امرا امبراطوريا لا احد يطلب شيئا.  الركض رغبة قبل كل شيء. فاذا لم يرغب سيركض أسرع، وقد يركض أبطأ، وسيتعبه في الأولى ويثبطه في الثانية .

غاب  مستشاره ليحقق ما وعد ثم عاد معتذرا بعدم توفر المطلوب. لم يجد من ليس طامحا في منصب او علاوة او غيرها . عيونهم كانت تقطر بالمطالب. ابتزاز مغلف بنظرات الحب وشهقات الشهامة لفعل اي شيء يسعد جلالته.

 عرض الامر على الامبراطورة فاشارت الى بوابة القصر البعيدة وقالت:" اتذكر الحارس الشاب الذي رمى نفسه بين اشجار الغاردينيا حين كنا نتجول قرب البوابة وسمعنا صوتا بينها وتبين انها قطة تطارد شيئا" قال جلالته: خفنا قليلا ولكنا ضحكنا كثيرا. نعم اذكره واذكر انني سالته لم القى نفسه بسرعة دون ان يفكر بان يعرف طبيعة الشيء"

قالت الامبراطورة : يومها قال وعينه تسقط على كتف الامبراطور: "انا لا افكر حين يتعلق الامر بحياة جلالتك"

نعم نحتاج الى الكثير من مثله في امبراطوريتنا ولكني لا اشكو فالحاشية ممتلئة البطن والحكومة تقوم بواجبها الذي ارتأيناه لها والشعب ينظر الى ذلك الجزء من الطعام في معدته ويحمد الله انه ليس جائعا تماما. وانا احمد الله على ذلك ايضا.  الجندي الشاب سيكون هو المطلوب. انه يرى امبراطوره بعين الاكبار."

وبدأ الركض الصباحي. الامبراطور يتقدم  والجندي يتبع متهيبا . اشار اليه فوازاه. ظل يواكبه تماما ولكنه لا يتوقف.لا ينظر الى مولاه . بدا كانه يحس بالامبراطور يسبقه دائما وكان عليه ان ينصاع للاشارة فيظل يركض بموازاته.  جلالته بدأ يلهث وأشار بالتوقف. توقف الجندي ونظر باستغراب الى جلالته. لاحظ جلالته ذلك فابتسم وسأله. "الم تر امبراطورا  يلهث من قبل؟"

هز الجندي رأسه: "لم أر إمبراطورا قبلكم يا مولاي، ولا أحب  أن آرى إمبراطورا بعدكم يا مولاي."

اتسعت ابتسامة جلالته. لو كل جنوده هكذا.لو كل رعاياه هكذا. لكن لم يستوطن الاستغراب عينيه. سأله:" ما سر استغرابك إذن؟"

قال الجندي وعينه في عين مولاه:" لم أكن اظن أن مولاي يتعب ويلهث"

قال جلالته مطلقا تنهيدة مع نسمة عابرة يعرف انه لن يراها بعد: "الملوك بشر. الملوك تتعب ايضا."

ثم اردف بعد أن هز جنديه رأسه دلالة على الفهم:" يكفي اليوم."

صباح اليوم التالي كان جلالته يركض برفقة احد أفراد الحاشية.

-19-

 على رصيف مقهى

قصة بقلم : نعيم الغول

          "هاري" الأمريكي  الذي زاحمني  صباحي في ذلك المقهى البلدي المطل على ساحة المدرج الروماني يحتاج الى عشرات الفراسخ حتى يصل الى مدينة الفهم. استعملت معه يديّ فمددتهما وقبضتهما ورفعتهما وخفضتهما كلاعب كاراتيه ، بحلقت له بعيني ثم أغمضتهما ثم نظرت الى الأسفل كالمتأمل والى الأعلى كالآمل ثم صببتهما عليه كحميم جهنم لعل جلده الوردي السميك يحس بمدى ما أعاني لأشرح له. تركت لساني يرفرف في فمي كجناح قطاة بيد صبي . اجل استخدمت معه لغة الجسد ولغة الفم . استخدمت أسلحتي المعتادة كرجل شرق أوسطي  لأوصل معلومة  كنت مستعدا لأن أغرق جسدي كله بالعرق لتصل إليه. كانت رغبة مستميتة في أن أقول إنني  ابن عشيرة .عشيرة كبيرة رغم نها بلا خيول ولا صحراء ولا قوافل تغزوها .  قلت أشياء كثيرة . لم أثق في انه سيفهمها كلها رغم نظراته المباشرة الى  عيني وابتسامته المشجعة وانحناءة رأسه المستطيل الشكل وشعره الأشقر الذي كان يلمع كما لو نقع في الزيت. لم أتثق رغم هذا لأنه كان يخربش على ورقة مستطيلة أمامه  بقلم اسود عريض الخط لاهيا عني.  لكني وانا  "النشمي" الذي لا يعرف اليأس . قلت له  بكبرياء سحبتها للتو من قمقم :"إن الواحد منا يولد ويرى أول ما يرى وجوها بعدد الرمل تحدق بين رجليه،  وحين يكتشفون أن ضميره ينتهي بالواو، تنفرج أفواههم عن أسنان استوطنها السوس و تصطك بالجذل." وأقسمت له – دون أن يطلب- أن الواحد منا حين يكبر قليلا يقال له هذا أبوك.. وهذا أخوك ..وذا ابن عمك.. وذاك الغريب. ثم صعدت معه الى  الحين الذي يَسْودُّ فيه ما فوق الشفة العليا، فقلت له انهم يبلغونه انه ابن العشيرة التي لا تسكب قهوتها السوداء على الأرض إلا و تجري انهار من  الدماء الحمراء. ولم اخفه سرا حين قلت انه عندما اشتد عودي وصرت قادرا على العمل ابلغتني العشيرة انه لا خوف علي من البطالة  وانني  أستطيع العمل متى شئت  واينما شئت وكيفما شئت فأبناء العشيرة منتشرون في كل ثقب ، ويستطيعون أن يخلقوا المزيد من الثقوب لتتسع للمزيد من أبناء العشيرة. وطمأنوني حين راوا ارتجافي من المسؤولية والواجب والالتزام الذي تتطلبه الوظيفة انهم سيجدون لي عملا وأكدوا لي أنه سيكون " أكل ومرعى وقلة صنعة".لم يعلق هاري ذو القامة الطويلة  طول ليل المحتل  بشيء . فقط هز رأسه وهو منهمك في خربشاته ولكنه  رفع رأسه بحدة حين أخبرته أنهم أفهموني أنني  أستطيع أن افعل ما أريد بالناس؛قتل . ذبح .. سلخ .. دهسا بالسيارة . رميا بالرصاص .. شنقا بالحبال .. تدبير تهمة .. حرق بيوت .. أي شيء. فكل شيء يمكن أن يحل في جلسة واحدة تسود  جوها آلاف العباءات التي دس تحت فراش أكبرها آلاف الدنانير كنت أريد أن يشعر هاري بالحسرة على وضعه في بلده شيكاغو فقد قال لي انه إذا قتل شخص شخصا آخر هناك يضعونه في السجن ولا يقبلون وساطة احد ولا يشترطون صك صلح عشائري ولا يجلون أهل القاتل ."وغمم معلقا بكلمات غريبة  لم تتعايش مع أذني ومجتها نفسي . قال "هناك قانون واحد ". بالطبع عدت لاستعمال كل ما لدي من اعضاء للتعبير له بان العباءة قديمة قدم التاريخ وكلما اهترأت كانت اكثر فعالية واكدت له أن فنجان القهوة أغلى من  الذهب ومن الانسان ومن كل شيء.  وأظنني بلغت غايتي بان افهمته اني كابن عشيرة لا أتحمل اكثر من  بضع دنانير قليلة لقاء أي شريان يسيح دمه مهما على وغلى. توجت انتصاري على هاري السائح الغبي  من شيكاغو الذي فرض نفسه بحجة انه يحب ان يتحدث مع العرب على طاولتي التي اجلس اليها منذ الصباح في ذلك المقهى المطل على مدرج روماني يعلن صباح مساء انه جزء من التاريخ. نعم انتصرت عليه  حين شرحت له  أن كل تقدمه وحضارته لا تساوي عند عشيرتي  لحظة واحدة من لحظات الشعور "بالعزوة".وسألته سؤالا مباشرا صريحا واضحا كالفرق بين الحمار والمكوك الفضائي " هل تفهمون معنى العزوة؟" كان انتصارا كبيرا لأن لسانه شل  فلم يتفوه بكلمة. لكنه ناولني  بيد ترتعش  "خربشاته" التي كانت مجموعة من الاشخاص البدائيين الحفاة العراة يتقافزون كالقرود في غابة حرمت نفسها من الشمس، ورمى بورقة مئة دولار على الطاولة وأدار ظهره ومضى تاركا إياي أقلّب الورقة النقدية وأفكر إن كانت مُزوَّرة.

 -20-

 سُلَّـــــم التـحدي

سبعــون ومضة

و

ومضة قصصية

 

 بقلم : نعيم الغول

 

1

إعادة نظر

التقطها من أحد الأزقة وهي تموء بلوعة ..بجوع.

فكر " قد تصطاد الفئران في البيت وتؤنس وحدتي".

لكنها عندما لم تصطد أي فأر ، وعندما زالت اللوعة من موائها   ، ولم تكتف بلحس أطباقه، ورغبت في اختيار المكان الذي تنام فيه،

 أعادها الى الزقاق .

 

2

تحية مشروطة

 

كان يمشي الهوينى . ثوبه يطمح في الوصول الى الركبة ، لكنه يرتد إلى تصف الساق بحسرة. تدلى طرفا كوفيته على جانبي صدره كشراع سفينة تبحر دون بوصلة . كانت يده تمتد بين الفينة والأخرى لتقيس كم زادت لحيته عن مدى قبضته.

مر بجانبي. فقلت بنية إفشاء السلام :"السلام عليكم."

انتظرت "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"،  لكن ما وصل إلى مسمعي كان كلمة (سلام ).

 كان ذلك بعد نظرة من طرف العين إلى بذلتي التي كنت أراعي أن تكون فضفاضة،

 وإلى لحيتي التي لم أفكر يوما  بقياس طولها.

 

 3

الحزب أولا

انضم إلى تلك الجمعية الخيرية و صوت الأمين العام لا يزال يطن في أذنيه:" الهدف خدمة الحزب والدين !".

و رشح نفسه لانتخابات الهيئة الإدارية للجمعية مدعوما بأصوات إخوانه الحزبيين،وكان صوت الأمين العام لا يزال يطن في أذنيه " الهدف خدمة الحزب والدين!"

وحين نبهه رئيس الجمعية الى أن  غيابه عن حضور اجتماعات الهيئة الإدارية، واجتماعات اللجنة التي تصدى لرئاستها  عطل اتخاذ قرارات هامة  قال وعينه على ساعته:" المهرجانات الحزبية كثيرة  هذه الأيام " ثم همس :" والقضايا المطروحة في الجمعية ليست من الأولويات."

قال ذلك و صوت "الأمين" لا يزال يطن في أذنيه.

 

4

ركبة ونصف

"سأضع حدا لهذا التسيب و الانحراف عن المسار."

كان يقول ذلك وقد شع وجهه بحمرة مشبعة بزرقة كمن صفع ولم يرد :

"سأكون مثل صدام  !"

ولوح بقبضته فثبت السكرتير نفسه في كرسيه ،وكان المراسل واقفا فجلس. لم يريا من قبل غضب رئيس الجمعية الذي استطرد بصوت كالرعد:

" سيغضب أقوام، ويريحوننا من وجوههم."

بدأ اجتماع الهيئة الإدارية . قال الرئيس:" هناك أناس يطعموننا جوز فارغ.  سنعيد تشكيل اللجان ". قال القوم المعنيون : وراء الأكمة ما وراءها. سنقعد لك على ركبة ونصف ."

ابتسامة صفراء ركبت الفتحة الواسعة التي كانت تهدر قبل قليل :" (باطل ). نشطب البند ولا نحوجكم لتلك الجلسة !"

 

5

"حامل النعجتين"

 

بدت حركة شدقيه وهو يصف إنجازات اللجنة التي يرأسها كحركة فكي كلب ينقل العظمة من جانب الى آخر متلذذا. تحدث عن الأهداف والخطط والنشاطات . رفض كثيرا من التعديلات . وطلب صلاحيات إضافية ،وضم لجنة اخرى تحت رئاسته.  الاعضاء الآخرون كانوا نائمين بانتظار ان ينهي حديثه ووجدوا أيديهم ترتفع بالموافقة.

بعد ان انفض اجتماع الهيئة الإدارية ، عرج على السكرتير وقال : " اتصل بأعضاء اللجنة، وقل لهم إن هناك اجتماعا  الساعة الرابعة ،وأي عذر من الأعذار السابقة للغياب مرفوض . هذا هو الشهر الخامس ولم تجتمع اللجنة سوى مرة واحدة .

قال السكرتير بهدوء :" أذكر جنابكم أنه عن أربعة من بين الخمسة اجتماعات تغيبت أنت ؛ فاحتجوا هم ولم يحضروا الخامس."

6

شتاء عمان

الأبواب والنوافذ المغلقة أشعرته بالحاجة الى الخروج من البيت.

صعد الى السطح، ورمق الغيوم السوداء التي بدأت تتجمع منذ مساء الأمس.

ولاحظ أن غيوم عمان لا تأتي فجأة .

ولا تجتمع فجأة

ولا تمطر فجأة

وأنها حين تأتى تكون حبلى .

وحين انتقلت عيناه بين جبالها  التي استلقت على ظهرها كأنها تنتظر وعد السماء ،هاله أن كل جبل كان ثديا أحاطت به البيوت  بحرارة .

ولاحظ أن حليب هذه الأثداء

لم يحرم منه الأبناء رغم ان آباءهم مختلفون

ولم ينضب وإن تَقَطَّر

ولا يزال طازجا إلى يوم الرباط

عندها ملأ رئتيه من هوائها ،وهو يتمتم :" أي أم أنت يا عمان؟!"

7

مواهب

 

 حين كانت في مكتب الرئيس التنفيذي للمؤسسة المصرفية متعددة الجنسيات، وبمحض الصدفة وهي تكشف تنورنها القصيرة، وتسحب جورب النايلون الطويل إلى ما فوق الركبة اكتشف الرئيس أن لديه طابعة ذات مواهب .

ولم يكد يسقط الجفن على الجفن بعد اختبار المواهب أصبحت مشرفا.

وحين تأكد للرئيس أن مواهبها أكثر عمقا وغموضا من مجاهل أفريقيا أصبحت تحمل توقيع "ب".

وجاء رئيس تنفيذي جديد ،وبمحض الصدفة اكتشف أنها لا ترهق صدرها بحمالة صدر.

وحين تأكد له أن باطن افريقيا يخفي اكثر مما يخفي سطحها ،أيقن ان من الظلم دفن مواهبها في توقيع صغير فمنحها  (أ) فاخرة تعلوها همزة بصلابة تتعب الفم واللسان. وأصبحت مديرا لشؤون الموظفين.

وجاء رئيس تنفيذي جديد ،و أثناء إجراءات التسليم والاستلام بينه وبين الرئيس المغادر قال الأخير : " ستكتشف أن مديرة شؤون الموظفين موهوبة !"

فرد الآخر بثقة :" لا داعي لذلك يا سيدي ؛فلا يوجد أحد لا يعرف مواهبها!"

 

8

عن الرجال و الظلال

 

في النسمات الربيعية من العشرين من عمره كتب روايته الأولى؛ فقيل له إنه بحاجة لأن يدفن رأسه في الكتب ،وينصب شراعه في بحور العلم.

مع براعم الثلاثين وبعد ان تحول الى فأر كتب ،وتفلطح رأسه علما ،كتب روايته الثانية فقيل له إنه بحاجة للخبرة.

ومع إطلالة الأربعين برأسها الأشيب،  وبعد ان سود بحبر المران مئات الألوف من الأوراق، ودفع بها الى بائع الفلافل ،كتب روايته الثالثة ؛فقيل له إن الناس لا تعرفه.

ومع دخوله الخمسين بمفاصله المهترئة ، وبعد ان حلف لكل المخلوقات إنه كاتب، واقتنعوا ووعوا؛كتب روايته الرابعة فقيل :" إما أن تنشر على حسابك أو تبحث عن واسطة " .

 لكن الخمسين ألصقت قدميها بالحائط وقالت" من هذا المراح لا رواح "،و توفي بالجلطة والصدمة والانهيار العصبي والانفصام وتصلب الشرايين وحب الوطن والحلم العربي والوجع الإنساني.

ومن قبره في "مقبرة سحاب" المختلطة تابع تسابق النقاد للحديث عن إبداع كاتب اختار أن يعيش في الظل .

 9

هي وصديقتها

 

جلستا على مقعد خشبي تحت ظل شجرة سرو  اختزنت تحت قشورها آلاف الحكايات.

عينا (سماح) كانتا تلاحقان طيف كل( ذكر) حتى لو كان ذكر ذبابة. وتكتشف حين كان يمر شاب يروق لها  أن خصلة من شعرها تعيق النظر إليه ،وتعيقه  من رؤية سواد عينيها، فتزيحها وتبدل وضع رجليها لتكشف التنورة عن أقصى ما يسمح بالكشف عنه. لم تكن  تعد ضربات قلبها حين تغرق في بعض المرح واللهو وأشياء أخرى .

عينا (صالحة ) كانتا تلاحقان عيني  ( سماح) ،وتدرك ان جميع النظرات تنصب على صديقتها ،وتتحاشى النظر إليها حين تجد أن أشعة الشمس لا تصل الى شعرها ونحرها. وكانت تجد في المرح واللهو إبحارا بين المجرات وأشياء أخرى، وتنتظر جناحين يحملانها الى عش جميل وكتاكيت تمد مناقيرها .

فجأة انتفض شاب كسمكة في طرف خيط.تقدم ..عرف نفسه باسم  (غنام).  وبجرأة  ذي الخبرة طلب من (سماح) ان تسير معه . 

بعد شهرين جلست (سماح) على المقعد الخشبي ذاته، وفي خيالها تراقصت بذلة زفاف صديقتها (صالحة) على (غنام) والعبارة الأخيرة التي واجهها بها :" من تجود لك تجود لغيرك".

فانحدرت دمعة من عينها مسحتها بطرف خمارها ،وهي ترمق صديقة جالسة بجوارها تتابع طيف كل رجل .

 

10

ذاكرة بلا ثقوب

 

اقترب منها ..اقترب .. اقترب كثيرا

وحين ابتعد

كانت المرأة التي  تسكن ذاكرته امرأة ترى صورتها في عينيه ولا تراه.

 

 11

ذاكرة ذات ثقوب

 

اقترب منها .. اقترب .. اقترب كثيرا

وحين ابتعد

كانت المرأة التي تسكن ذاكرته امرأة تنسى بقايا الطعام بين أسنانها ، وملح العرق تحت إبطيها وتطالبه بحقها الشرعي .

 

12

الطلقة والرأس 

 

قال :" سأغير !"

وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا واحدا.

وفجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تسكن رأسه؟!!

 

 

13

الأحضان الدافئة  

 

قال :" سأغير !"

وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا آخر.

وفجأة ، سمع طرقا على الباب، ووجد أحضانا دافئة و"بوكيه" ورد ؟!!

  

14

قبل الطلقة والرأس 

 

قال :" سأغير !"

لكن رعشة تلبست جسده ، وحجارة تكومت في حلقه.

فجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تمر من جانب أذنه: فصرخ قبل الطلقة الثانية " سأغير ملابسي وأنام ".

  

15

سندباد

عاد السندباد الذي لم يغادر مدينته قط

مدينته التي أدخلت الشمس الى بيت عفتها .. عاد من جولة في شوارعها،و بعد أن اكتشف أن غض البصر بات أشق من "تبليط البحر".

انثنى الى زوجته" زاد المعاد".

 ولكنه وجد ان نمل الرغبة هجرها في تلك اللحظة . و تذكر أن مباشرتها وهي غير راغبة سيكون ضربا من العنف قد يجعله مطلوبا لحماة الأسر  ،وأن (التعدد) موضة قديمة  لمجتمع ذكوري متسلط. وتذكر ان الشوارع ستظل تتقيأ طوفان العري ،وأن النمل قد لا يعود حين يريده ،بعد أن صار طوع يدها ولسانها.. عندها تذكر دفتر أرقام الهواتف المهمل.

ومنذ ذلك اليوم لم يكف عن ممارسة( التعدد ) بين أرقامه ؟!!

  

16

"كله بثوابه "

في طريق عودته الى البيت من العمل ،غبط نفسه كثيرا على نجاحه في التوفيق بين متطلبات شخصية زوجته النزاعة الى التحرر، وبين متطلبات الأسرة والبيت . وابتسم وهو يتذكر بلاهته حين كان يعارض خروجها من البيت للعمل  بحجة أن دور المرأة في البيت كبير، ويتجاوز الطبخ والنفخ والجلي والمسح. وسخر من النتيجة التي كان يصل إليها دائما ان الأسرة من غير استقرار المرأة في بيتها ستتحطم. وتمنى في تلك اللحظة لو انه لا يقود السيارة ليفرك يديه بحبور  لأنه استقدم "سيريلانكية"  ذكية تعرف كيف تتعامل مع الأطفال. وحين قطع الهاتف النقال ماراثون أفكاره قال لزوجته متنهدا بتفهم :" لا بأس ، أليس الأمر جيدا لمستقبلك المهني؟ (باي حبيبتي ).وحين وصل الى البيت وجد ابنه والسيريلانكية يشعلان الشمع والبخور لتمثال صغير لبوذا.

 

15

الروح والأرض

 

على أحد أطراف المخيم المحصورة بين طوق من الجبال جلس وسرح بنظره الى البعيد أجابت الزفرة التي خرجت من  رئتيه أسئلة نشبت كالنار  في حناياه :

-       ماذا لو بعت كل شيء  واشتريت بندقية ؟

-        ماذا لو حميت عرضك يومها بصدرك بدلا من ساقيك؟

أكنت تتسول حق العودة ،وحنان( الأم)م المتحدة؟

 

16

عن الجرائد والرمان

حين مد قدمه الى تلك الجريدة ليدفع بقصة جديدة للنشر، لمح بعض الوجوه التي ذكرته بأسماء تستوطن الصفحات  كنتساريم" في القطاع.وحامت الأسئلة في زوايا مخه وظلت تئز . دس يديه في جيبيه عاجزا فوجدهما فارغين، وسقطت عيناه على صدره ؛ فوجده بستان رمان خرب، واستقرتا على ساقيه فأحسهما  كخشب "الطوبار ". "فقلب" وجهه وخرج.

 

17

إهتراء

 

 بعد أن اهترأ القفل على شفتيه، وبعد أن اهترأ لسانه الساكن في قعر فمه، وبعد أن اهترأ حلقه ، وبعد أن اهترأ العشب الأخضر على قمم جبال وطنه، وبعد أن اهترأ الغلاف الجوي الذي يتنفس .

 تكلم ..

لكن الآذان كانت قد اهترأت أيضا. 

  

18

صحبة الكلاب

 

"الكلب صديق للإنسان " . الكلب رمز الوفاء "

اعترف أنني كنت تحت تأثير حمى هذه الشعارات  حين أدخلت كلبي " تشيرتشل  " الى حياتي . " وقد سار مركب الصداقة بيننا ردحا من الزمن على مياه وادعة حتى ذابت المسافة التي تفصل (أنا )ابن آدم عن (هو ) ابن الكلب ، و حتى بلغ بي ان  كنت اترك أخي يتحدث وحده وانتبه الى نباح " تشيرتشل " ، وحتى  وطنت النفس ان أوصى له براتب تقاعدي بعد وفاتي . وحتى حرمت نفسي من اللحم وأطعمته .  وفي أحد الأيام أحببت ان أفاجئه أحضرت له عظمة وأنا أتخيل نفسي داخلا إليه بها أقول " سيربرايز " فيقول " عضم عضم " .فقد كانت تلك طريقة "تشيرتشل" الحبيب في تحوير صوته من (عو  عو)  الى ما يحب. وكنت قد اكتشفت هذه الموهبة لديه  يوم ان سافرنا معا بالطائرة الى اليابان ومررنا من فوق الخليج العربي فهتف " نفط نفط".  وعندما أعطيته العظمة غرق في الشم والمص واللحس والعض .فرغبت في ان أمازحه كصديق والله - فمددت يدي لأسحب العظمة من أمامه. وكانت المرة الأخيرة التي أرى فيها يدي بخمسة أصابع.

  

19

الحكاية ببساطة

أستطيع ان ألخص لك الأمر  كما حدث  معي بالضبط . كنت مثل من دخل قرية  بعيدة عن مدينته ،ثم حدث شجار  ما  فتمزقت ملابسه، واضطر الى شراء ملابس جديدة . لم يكن هناك في القرية سوى متجر واحد لبيع الملابس.فيعرض عليه  ما عنده  . وما عنده لم يكن في كثير او قليل كما يريد . بالطبع لك حرية الاختيار بين ان تشتري او لا تشتري ؛ أي إما ان تظل بملابس ما بعد الشجار،  او تبحث عما يناسب طولك وحجمك. وفي الغالب  لن تجد  وستلبس  اقرب شيء لما يناسبك .

-اعتقد أنني فهمت ولكن  ماذا عما تؤمن به  ؟

-       هذا  بالضبط ما أحاول قوله  بعد أن وصلت الى هذا الكرسي .

 

 

20

اختيار

تكلم بعد صمت

طويــــــــــــــــــــــــــــل،

ولم يصمت بعدما

اختــــــــــــــــــــــــــــار

أن يتكلم.

 

21

ثلاثية سليموفيتش

(1)

الجلاد والضحية

حين سقط كان اسمه رجب سليموفيتش .

لكنه قبل ذلك  كان نيكولاي  مكسيموفيتش . شهد بذلك  جواز السفر  وبقية الوثائق الثبوتية الأخرى التي رغم انه دفع  عشرة آلاف مارك ألماني ليحصل عليها ، لم تكن تساوي  اكثر من قيمة يمين مسلم أمام صربي .

بعد ان دفع المبلغ صار صربيا نقيا ، وما عاد مسلما شقيا.

وحين كان اسمه مكسيموفيتش  سجل في ذاكرته أنه  أذاق حد السكين طعم أكباد مائة طفل مسلم ، وانه لم يحدث أبدا ان كان من بين الخمسين عجوزا الذين قتلهم أحد تزيد المسافة بينه وبينه عن بضع سنتمترات. وسجلت أيضا أنه كان يغتصب  الفتاة المسلمة مرتين ؛ الأولى ليخلق انطباعا لديها؛ والثانية ليضمن ان الانطباع لن يزول .

وحين كان اسمه نيكولاي مكسيموفيتش ،  لم يسأل نفسه لماذا - وهو المسلم - يفعل ذلك .

لكنه حين عرف  انه سيموت ، وعاد اسمه رجب سليموفيتش ، سأل نفسه :" لماذا  رجب ؟ لماذا ؟"

أجاب نفسه بأسى :"  الجلاد كثيرا ما ينجو"

  

(2)

الضحية و الضحية

[رجب سليموفيتش ] سقط برصاصة واحدة.

وحوله كتيبة كاملة من الصرب . كانوا يعرفون أن الراكع على الأرض  كان بطلهم نيكولاي مكسيموفيتش.  لكنهم قالوا له إما ان تموت بيدك وبمسدسك  او نقتلك نحن.

" يريدون رأسك  ليس لأنك لبست جلدهم  وخدعتهم. بل لأن جلدك  الحقيقي ظهر. الخداع لم يزعجهم إذ  أن  "رادوفان" نفسه أرسل يقول  إنك أول مسلم يكسب احترامه  ؛ لأنك الوحيد الذي  خدم الصرب دون مقابل . كان سعيدا جدا فأصر ان يعطوك ميدالية قبل أن يقتلوك."

حين أطلق [ رجب سليموفيتش ]  الرصاصة  على قلبه كان يهمس ": الجلاد نجا".

 

( 3 )

الجلاد فقط

راقبوه حين تكوم على الأرض.

-" ما زال يتنفس ."

-" ثوان ويموت."

-" هل أجهز عليه ؟"

-" هل أنت مجنون .دعه يتألم قليلا."

 22

حلقة الصمت

كانت الفرصة مواتية له تماما.

 الآن يستطيع  ان ينتصف من كل  الذين ظلموه. سيلاحقهم في منامهم و صحوهم .. ولعبهم وجدهم و حين يأكلون وحين يشربون  ...

سيكون ظلهم المرعب .

وحين بدأ بالضحية الأولى على قائمته الطويلة ،وجد أن  يده  لا تمتد لتمسك بالأشياء ، وان الضحية  لا تراه ،ولا تسمعه ، و لا تشعر بوجوده . أصمم ذاك  أم عمى أم جنون ؟

فاجأه الجواب كثيرا ،فعاد الى صمته الذي كان عليه في الحياة الدنيا.

 

 23

افتح يا سمسم

العيون التي ضربها الرمد الهابط من أقطاب الأرض  ابيضت ، والحناجر المتشققة من الصراخ الباطني صافحها التئام . فقد تكلم.

-       " تكلم ؟!!؟

-        أخيرا تكلم ."

-        " ماذا قال؟"

-        "لا"

-    "أخيرا ..أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا. أخيرا سننصب رقابنا ..سنعيش .. سنفرح .

 

 24

خطيئة لا يغفرها الرب

 

سرحت بنظرها  الى الجبال القاتمة اللون التي تطوق المستوطنة من بعيد. هالها حجم الصخور  والحجارة التي تحملها تلك الجبال. أزاحت وجهها بقوة عن النافذة، والتفتت نحوه وهو  يمشط  الخصلتين الطويلتين المنسدلتين من فودي  ابنهما .

همست :

" يتسحاق  هل نحن زناة ؟؟‍"

انتفض صعقا وقال:" أولغا  هل جننت . نحن مؤمنون ولا نزني ؟‍"

-       إذن لماذا يرجموننا بكل تلك الحجارة ؟!!"

 

25

بانتظار الصباح

ككل يوم صلى الفجر ،وجلس ينتظر الإفطار من بين يدي زوجته "أم العبد". صحن زيتون .. زيت وزعتر  .. "باطية" الخبز .. إبريق الشاي .. شربة الفخار.  ككل يوم . أم العبد تطالعه بأخبار الليلة الفائتة :" داهموا بيت سالم الأجرب .. اسروا ابن العمشا .. "طخوا "وراء الملثمين الذين جرحوا أحد العملاء ."

هز رأسه وهو يتناول رغيفا ،ويمزقه وفي ذهنه رقبة الجندي الإسرائيلي  الذي بصق في وجهه عصر أمس عند الحاجز الرابع عشر على مدخل القرية، ثم قال كالمفلوق :" مثل كل يوم .. الصبح قريب يا أم العبد .. قريب "

 

26

كشف حساب

بدأت زهرتها بالتفتح ؛فرفضت القائمة المحددة بالممنوعات. وأدارت ظهرها لأشياء كثيرة. وحين بدأت أوراق  زهرتها تتساقط تذكرت أشياء كثيرة .

ولما سقطت آخر الأوراق .. .. ..

  لم تجد إلا الله  والذكريات.

 27

اللعبة

 

كلهم هناك

وحده هنا.

نادى كالمذبوح:" أيها السادة . لا يستطيع أحد ان يناور مثلي .. او يحاور مثلي .. أو يداور مثلي . قاومت وساومت وهادنت  ،ولكنهم يريدونني الآن خارج اللعبة.ومع أن أطراف اللعبة  الآخرين لم يتغيروا ، إلا انهم  يريدون دائما  أن أكون أنا من يخرج من اللعبة .  واللعبة من غيري تصبح بلا قواعد البتة .هذه  هي قضيتي  أيها السادة ."

من بعيد جاءه صوت تصفيق . ثم صمت .

  

28

الضريبة

ذات صباح  ، أعد قهوته ، وجلس  منتظرا ان توصله في طريقها الى عملها بسيارتها إلى عمله . تأملها وهي تعد زينتها ثم سأل:

-       "لماذا تصرين على الخروج بكامل زينتك للعمل  او للزيارة  بينما تمضي  أيام دون ان تتزيني لي ؟"

فردت دون ان تلفت إليه:

-       "أنت زوجي ."

 

29

قرارات عاجلة

-"يجب ان تقبل بي  كما أنا . وإذا لم تفعل  هناك رجال كثيرون غيرك، ونساء كثيرات غيري."

-       "سأفكر ."

-       " لا . لا تفكر . قرر الآن ."

-       " لماذا ؟"

-        "إذا فكرت ستُحسم النتيجة ،ولن يكون أمامي مجال لتغيير رأيي".

 

 

30

خطوات

- " امممممم !كم هي جميلة ."

 تردد قليلا ثم اختلس نظرة.

-       انظر  لشعرها ..لقوامها .. لمشيتها. يااااااااااه كم هي ساحرة ‍‍ "كانها تمشي على رمشي !"

تردد ثم نظر .

-       انظر الى .. . حرارتي ارتفعت.

تردد ثم نظر  ثم بسر ثم تولى و أدبر .

قهقه الشيطان طويلا ثم قال: أين تمضي  ؟

 

31

"أمريكا" تسكن بيتنا

-       "ابنك صغير فلم تسمح له بمشاهدة الأفلام الأمريكية؟"

-       (من تعلم لغة قوم أمن شرهم )!

ثم تحول الى صغيره وقال:

-       "هل حفظت كلمات إنجليزية يا محمد ؟"

-       " نعم بابا : فاك ، شيت ، بيتش .  كيل هيم ."

 

32

الشاكي و الباكي

من "مينيسوتا" إلى نيويورك  قطع  أحمد العربي مئات الأميال حتى وصل الى تمثال الحرية.وقف قبالته  وقال له : أرأيت ما يفعلون بنا؟

مال  التمثال نحوه وقال :" أنظر الى يمينك ؟"

 كانت هناك امرأة  بيضاء  تبكي  ومعها رجل أشقر  يحاول التخفيف عنها كانت تقول:

-" أرأبت ما يفعلون بنا؟"

 

33

عمامة أمريكية

التفت الحجاج الى رئيس الجمعية  العامة للأمم المتحدة ثم الى أعضائها وقال:"

يا معشر الأمم ،

أنا ابن جلا  و طلاع الثنايا     متى أضع العمامة تعرفوني

وانتقل ببصره الى وجوه مندوبي الدول المارقة  وبقية الدول الإسلامية  وقال:

إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ،وإني والله لصاحبها. وتذكروا  من لم يكن معي فهو ضدي .

ووضع العمامة  على رأسه فإذا هي مخططة بخطوط حمراء كسياط ابليس  وتنتشر في طرفها نجوم كالبثور.

 

 34

الرجل الذي بصق على نفسه

 خرج من  هناك .وقف أمام  المكان قليلا . هم بمتابعة طريقه. لكنه تنبه فجأة الى انه عار تماما. أحس بان بطنه كالربع الخالي . في اللحظة التي حاول فيها الهرب  اتضح له ان الأصفاد اثقل من ان تسمح له بذلك.

عندها بصق على نفسه لأنه دخل مصرفا.

 

35

يولد الإنسان حرا  ثم ..

سأله ونار في القولون تجري :

-"هل عملت في بنك؟"

-"لا ؟!"

-"أنا عملت. "

هز الآخر كتفيه بغير مبالاة: "وماذا في ذلك ؟"

فخلع ملابسه كلها. فظهر أثر طوق على رقبته ، وقيد على معصميه . أما ظهره فكان يجأر من أثر السياط.

 36

الفَراش العاري

رآهم يخرجون من مصرف ويتراكضون في كل الاتجاهات  كمن يفر من الجذام . كانوا عراة وبطونهم  تلتصق في ظهورهم.

ثم رآهم مرة اخرى يعودون في شباك كتلك التي يصيدون بها الفراش .

نظر الى سرواله المرقع وكسرة الخبز التي "يقرقطها " وتمطى بسعادة.

 

37

مقابلة

وسط الحصار كانا واقفين . كانا ينتظران رصاصة انفلتت بقرف من مطلقها. ومن بعيد تعالى نباح كلاب  من أطراف المخيم . قال المحاصر لزميله المحاصر:

-       "أتسمع أصوات الكلاب ؟"

-       "نعم . وما الغرابة ؟"

-       " تذكرني بسؤال مثل المكوك في رأسي ؛  الكلب الافرنجي ينبح ويعض عدوه،والكلب العربي يصمت ويهز ذنبه ؟!"

-       ( .. ..)

38

الإرهاب و الهَرْبَرة

اتخذ الحاضرون مجالسهم في  قاعة فسيحة  خلت من الورود، ومن زجاجات المياه المعدنية. كان الاجتماع قد اعد على عجل .ودعي  الحاضرون من جميع الأقطار  العربية  .و كان هناك الدكتور والعلامة واللوذعي  والجهبذ  والأستاذ الدكتور . وقف رئيس الجلسة ، وطلب من الحاضرين الوقوف دقيقة صمت على  شهداء برجي نيويورك. ثم بدأ الجلسة قائلا :" أيها السادة نجتمع اليوم للاتفاق  على إدخال كلمة  هربرة -دون ترجمة- إلى معاجم اللغة العربية . ويجب ان نضع لها تعريفا  محددا  لتختلف  عن كلمة إيواء  حيث يشمل الإيواء  الدول والأفراد  بينما الهربرة  تشمل  الدول فقط .من يوافق ؟"

رفع الجميع أيديهم موافقين وقلوبهم تفيض شكرا أن الكلمة لم تكن "الإرهاب" .

 

 

 

 

 

39

 

الذيل المحمي

قالت الجدة لحفيدتها المراهقة :

-   "في البدء كانت المرأة حرة ،ثم اكتشفت أن لها ذيلا جميلا: فلعبت به وكان ذلك مع ابن صاحب الكهف المجاور . فلما علم والدها بذلك قطع ذيلها ومنعها من مغادرة الكهف إلا بإذن مغادرة خطي منه. واليوم نما الذيل ثانية ، واكتشفت المرأة جماله وبدأت تلعب به  كما تشاء .ارتعشت الحفيدة ومدت يدها الى ذيلها لتخفيه. فسارعت الجدة الى القول :" لا يا حبيبتي . ارفعي ذيلك، وأظهري محاسنه ، بل زينيه بالورود وعطريه. فللذيل قانون يحميه؟"

 

40

أفضال بني الأصفر

بذهول وغبطة تساءلت الحفيدة :

-       "جدني ، من وضع القانون الذي أعاد لنا حرية اللعب بذيولنا؟"

-       " من غيرهم ؟ بنو الأصفر  تسلم  لي عيونهم الزرق ."

-       "كيف بدأ الأمر ؟"

-    ذهب الرجال لاغتصاب  الأرض وبقيت النساء .قالوا فلتخرج النساء فقلن عيب . فقالوا  لا عيب اليوم .و اكتشفوا _ لا نفد وقود صواريخهم العابرة للقارات _  أن المبيعات تزداد ،وان النساء سلع متعددة الأغراض . واليوم حين تكسد البضاعة يلوحون للناس بذيل الأنثى ؛ فصار لا شيء يباع او يشترى دونه.

 

41

منطق

صرخت الحفيدة :" جدتي لا زلت خائفة  من  رد فعل الرجل .انه قوي، وغبي  وغادر."

-       "قلت لك هناك قانون ،ولن يسمح له بان يلعب بذيله، وإلا قطع من جذوره."

-        "جدتي لا احب هذا التهديد .إن لم يلعب الرجل بذيله، فما جدوى حريتنا ؟"

 

42

حكمة

بدا عظم وجهه بارزا ، واصطك فكاه ، وهو يقول لزميله  المستلقي على بعد أمتار منه :

-   في تلك الأيام  كان أشد ما يؤرقني  المرأة . أتعرف  من هو الرجل الوحيد .. أعني  الوحيد من بين خلق الله كلهم الذي لا تلفت نظره امرأة متبرجة مهما بلغ جمالها؟

-        من ؟

-        إنه الميت .

فصدرت خشخشة  غيظ من عظام زميله وقال:

-       أطبق فكيك ،وأغلق تابوتك .

 

43

غزاة القبور

فتح التابوت لدى سماعه أصواتا كثيرة  ونحيبا  فوق سطح الأرض . أدار جمجمته ونظر ، فرأى رجالا  يحملون تابوتا ،ورجالا آخرين ونساء حوله . كانت النساء ترتدي  فساتين سوداء . لكن الفستان منها كان بحاجة الى فستان آخر كي يغطي ما انكشف من  البدن.

نادى الميت زميله : هيه عبد الله.

-       ماذا ؟

-       أترى نساء الدنيا؟

-        نعم كل يوم نراهن ، ماذا في ذلك ؟

-        أتعرف لم يلبسن هكذا ؟

-       إنهن حزينات .

-        حزينات يا حمار و يكشفن عوراتهن؟؟! إنهن يفعلن ذلك من أجلنا . ألم اقل لك؟ لم يبق سوى الأموات !

 

 44

اختبار مرفوض

ابتعد كثيرا  حتى نسيت ملامحه.

وعاد . فعرفته على خليفته  الجديد. و ألقت إليه بصورة من ورقة التفريق بالغيبة، وهي تقول :" أنا لا احب الاختبارات".

 

46

هو و الطاولة

 

كان شعرها المستعار ، و"طقمها" الأسود يقول للجميع إنها سيدة مجتمع . وكانت أحاديثها الصحفية والإذاعية، واتهامها للمجتمع(الشرقي ) بأنه متخلف  تقول إنها من النخبة . ورغم أنها عودته أن يكون وراءها دائما ،فقد كانت تراعي مشاعره أحيانا.  ولهذا  كانت تحب  أن تجري الكثير من الأشياء من تحت الطاولة .

ولما تعب ذات يوم من المشي وراءها ، قال لها :" إما أنا  وإما الطاولة ؟!!"

فاختارت الطاولة .

47

فوضى و حمقى

في الطريق الى عمله في شركة التامين  التقط عددا من الصحف المحلية وبضع مجلات. على مكتبه وجد تقريرا حول حريق مصنع دهانات كبير قدرت خسائره بالملايين. فضل ان يبدأ بتصفح الجرائد  والمجلات مع فنجان قهوته المعتاد.  لم يجد شيئا في المجلات غير ما تقيأته من صور نساء فضلن أن يتصورن دون لباس . في إحدى الصحف  طالعته عناوين " الإساءة الجنسية للأطفال" و "رجل يسجن لاعتدائه جنسيا على ابنته" ،" و"كاهن بريطاني يغتصب ولدا "  " وعنوان " مدافعة قوية عن حقوق المرأة تطالب  بتشريع يحمي السحاقيات " وعنوان آخر : " متهم باغتصاب امرأة  يعترف :" لم احتمل كل ذلك العري ؛ انه ضرب من الحصار  ؛ طوفان لا يتوقف ". ألقى الصحف جانبا والتقط التقرير :" مادة( الثينر) سريعة الاشتعال كانت موضوعة في براميل غير محكمة الإغلاق في ساحة المصنع . بالقرب منها موقف سيارات و مرآب تشحيم وتعبئة وقود . العمال يدخنون ،ولا توجد لافتة ممنوع التدخين ، أسلاك الكهرباء مدلاة ، وغير مغطاة وغير موضوعة في  أنابيب ."

غمغم :"  فوضى كبيرة . كل شيء تُرك للحمقى. لا عجب أن يحدث كل ذلك" وألقى بالصحف  والمجلات في سلة المهملات.

48

سلم التحدي

 

"سأقول للذي رماني  الساعات في قاعة الانتظار .. سأقول له بعد أيام من "اذهب  وعد ،  ورح وتعال " .. أجل سأقول له بصلابة  أن ليس من حقه ان "يمرمطني" بسبب حركة تحركها لساني لغير الأكل.

سأقول له بتحد إنني مواطن ، ولي حقوقي التي كفلها الدستور .

وسأقول له بقسوة  إن أساطيل الأمم المتحدة ستتحالف لحمايتي لأن غصن إعلان حقوق الإنسان لا يزال أخضرا.

سأقول له بشجاعة إنني  مثله بالضبط من لحم ودم  ومشاعر .

سأقول له بكرامة إنني فقير معدم وعلى وشك ان "اشحذ " في " مجمع رغدان".

سأقول له ما هو افظع .. سأقول له :" اتركني ،ولك علي أن أخرس ما حييت."

ولكن مهلا !

هذا بئر السلم ..

 لا.

 علي صعود السلم .. استعنا بالله."

49

سُنَّة

كان عمره لا يزيد على عدد أوراق  زهرة ، أما جسمه فكان بحجم كلب فتي.

 كان ذلك عندما صرخ :" دعه يعمل .. دعه يمر ".

بعد موت والده ، استقر في بطنه ميراث اخوته ،وعلمهم السياحة في الأرض. وبعد ان أكل كل الخراف والعجول في مزارع جيرانه صار بحجم فيل . وأصبح من الصعب ان يشبع ، فصار يقتل ويأكل بني البشر .

ازداد ضخامة حتى صارت قدمه بحجم بلاد ما بين النهرين . وصار  يقول ويفعل ما يريد. ولم يشته زوجة جاره وحسب ، بل جعله حاملا لمنشفته أيضا.

ولما صار طوله قريبا من طول جبال  الأوراس ،وعرضه كعرض صحراء "أريزونا "،ولم ير من حوله إلا نعاجا ،جلس على قمة جبل، و صرخ صرخة عظيمة : " أنا ربكم الأعلى."

ولما خرجت الألف من حلقه ،امتشقت الغيوم ألسنة حمراء و لسعته بها،  وماج البحر حتى علا ناصيته،  و تشقق الطور من تحته.

ولما الماء غيض   ، و الجودي لملم ما من أجزاءه تبعثر، و ألسنتها أغمدت الغيوم، و فيما بينها الأشياء تناجت: أين من زعم إنه ربنا؟!

 

50

حيثما تكون" غايوس" أكون" غايا"

 

تواجها مرة بعد مرة.

في كل مرة كان يقول لها إنه يريد امرأة ودودة ولودة تقر في بيتها ، وتضمد آثار السياط من على ظهره وتمسح على رأسه حتى ينام .

وفي كل مرة كانت تقول إنها تريد رجلا لا يعاملها كمطية لم تركب ،ودرة لم ثقب، ويردفها خلفه . تريد زوجا يركب وإياها عربة بحصانين .. رجلا لا يسأل عن الغبار على  فستانها، ولا يعد شعرات رأسها  ليعرف إن سقطت إحداها  على وسادة رجل آخر. ونفخا في صور الوداع.

وصادفت رجالا كثيرين قبلوا شروطها ؛ لكنهم وقفوا على عتبة القلب ، وطرقوا الباب  فلم يفتح.

وصادف نساء كثيرات قبلن الشروط ؛لكنهن وقفن على عتبة القلب ،وطرقن الباب فلم يفتح.

حين وجدت الساكن بين أضلعها يفتح أبوابه فجأة ،قررت أن تقبل شروطه.وفي اللحظة التي فتحت بابها لتخرج إليه، كانت يده تمتد لتطرقه.

 

51

الواحة

مر بدوي برجل بدا من سحنته أنه من أهل المدينة . وكان المدني يتفيأ يافطة.

سأل البدوي :" ما يبقيك في هذه الصحراء القاحلة ؟"

قال المدني :" لا سيارة عندي  و لا حمار ."

قال البدوي :"  على ذكر الحمار ،  أنا أمي لا أقرأ . ما المكتوب على اليافطة وما قصتها؟

قال المدني : تعلم يا أخا العرب أن واحة كانت في هذه البقعة .وقد فرح بها ساكنوها أول الأمر. ولما وجد كبراؤها أن صغارها غرهم  النعيم وصاروا ممن يحبون العلم والتعليم ،وطالت رقابهم الى ما متع الله به غيرهم، اخذوا يقطعون الأشجار من أطراف الواحة،  ويجففوا ينابيعها ينبوعا ينبوعا حتى لم  يبق من الواحة إلا هذه اليافطة التي كتب عليها " واحة الديمقراطية ".

 

52

الحجاب والحرب

كانت تضغط على لوحة المفاتيح بحرارة وضيق :

-   قلنا كما نصحتمونا إن الحجاب كمبيالة سقطت بالتقادم. رجال الدين كذبونا. جعلنا الكاميرا  والمحجبة  مثل العين المجردة والجرثومة ، وجعلنا الحياة جنة لمن رأته  نارا تحرق رأسها ،وتوجنا  للجمال ملكات ؛ لكن الشعر والنحر والصدر عزت على ضوء الشمس، و على العيون التي تلهث وراء الصيد . قلنا  في المدارس كما قال الإنجليز في الصين :" ممنوع دخول الكلاب والحجاب "  فازداد سمكا ."

جاءها الرد يقطر سلاسة:

-       "قوانين منع التجول جميلة إذا جربت ."

  

53

سقوط

لاحقت عيناه التفاحة وهي تهوي على الأرض من أعلى غصن في الشجرة . ولم يفته ارتعاش أوراق صفراء اخرى، وهي تنزل ثم تستقر على الأرض جافة لا أمل في عودتها.

لم يفكر في نيوتن ولا قوانينه . لم يفكر كذلك في الحياة أو الموت.

فكر فقط في أن المسألة مسألة وقت .

عندها صار ضروريا ان يختار بين الحركة أو الانتظار .

 

54

تعريف

سأل البروفيسور طلابه الذي جلسوا كمجموعة من قطع إسفنجية جاهزة لامتصاص ما  يرشح من علمه:" ما معنى الدولة المارقة ؟"

صمتوا إذ عودهم أن  يسأل ثم يجيب . لكن طالبا كان قد تلقى منذ يومين إنذارا بالفصل بتهمة التفكير المستقل  قال: " الدولة التي تفضل ان تزول هي وشعبها  ولا تسلم ذقنها لأمريكا."

قال البروفيسور وقد شعر بأنها المرة الأخيرة التي سيراه فيها:" فما معنى الدولة غير المارقة؟"

رد الطالب وقد صار عند الباب :" إنها الدولة التي تفضل ان يموت شعبها إن لم يسلم ذقنه لأمريكا".

55

هذيان

هز البروفيسور  ديفيد شتاين  أستاذ علم  النفس الاجتماعي في جامعة(اكسوايزي)رأسه  وهو ينظر الى بطاقة  تشخيص الحالة التي وردته من أحد الأصدقاء شرق الأوسطيين . وبعد أن وضع سماعة الهاتف  دَوَّن ملاحظات زميله الدكتور برايان والاص . ثم عاد وطلب الرقم المقابل  لكلمة الاتصال المباشر  وقال : " هاي . شتاين يتكلم . تحليلنا لحالة خلط المريض بين  هولاكو وبوش،  وشارون و هتلر  وجدار الضفة وجدار برلين بأنه ضرب من " الهذيان الأصولي "، ومظهر لنوازع إرهابية غائرة في اللاوعي . وبما ان الكاتب المعني أصولي فانصح بأن تسلطوا عليه أصدقاءكم من العلمانيين . ستجد الكثير منهم في الصحف والمجلات والحانات والمواخير  وبجانب أربطة أحذيتكم.

 

 56

صيف المدينة

في كل صيف يجمع مؤونة أشهر ، يغلق الأبواب ، وينزل الى بئر السلّم ،و يقاطع الشوارع طيلة الصيف .

ومن خلال العتمة التي  لا تتيح له ان يرى شيئا ،كان يذكر نفسه دائما بأنه حاول ان يغض البصر كثيرا حتى تعب من السقوط على وجهه.

 

57

بانتظار البعث

حين أحس بأن هاتفه أصبح كمجاري باريس يصب في نهر السين والجيم، ودماغه كفأر ابيض في القفص المتلفز ، والأقمار الصناعية  تصور العصارة  النشاز في خلايا دماغه.

وحين نظر حوله ،ووجد الأفواه مفتوحة لأي شيء ، ولغير شيء ،و الأيدي تصافح الجديد مع أنها تعرف انه القديم .

حزم أمتعته القليلة ،

و آوى الى الكهف.

58

طاقية الإخفاء

بعد أربعين يوما في حجرة مغلقة  أبوابها حديد وراءها صنديد ،

خرج؛ فصفعت الشمس عينيه . ولما أحس  انهم زرعوا العيون في ظهره، بحث عن طاقية الإخفاء ،وبعد تعب ونصب ، وخسائر في الأموال والأنفس وجدها . لكنه لم يهنأ بلبسها ،فقد دخلت البلاد في عهد الديمقراطية السعيد.

 

 59

بارادوكس

-"بعد مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي صارت البلاد تعيش في بحبوحة ."

-       "وفيم كانت قبل ذلك ؟"

  60

أحلام قابلة للهضم

نصفه الغربي يأكل نصفه الشرقي.

نصفه الغربي يطعم نصفه الشرقي.

نصفه الغربي يحرم نصفه الشرقي.

نصفه الغربي يبتعد غربا ويمعن.

نصفه الشرقي يقترب شرقا ويمعن.

والشق يكبر.

والشق يخرج منه ألف شق.

وكل شق يقضم جزءا من أحلامه .. ينتظر لعلها تعود .. لكنها لا تعود.

 

61

الخارطة

دفع إليه بورقة ملفوفة : " هذه هي الخارطة ، ستدلك على الطريق ."

-       "هل ستوصلني الى هدفي ؟"

-       " ما هدفك ؟"

-       " أن ارتاح ."

-       " سترتاح بالتأكيد، ولكنك ستضحي وتتعب حتى تصل الى نهاية الطريق ."

وحين وصل الى نهاية الطريق لم يكن قد تبقى منه سوى قدميه، وضبع آخر ينتظر بفارغ الصبر.

 

 

62

أمنية

تابعها ببصره وهي تسير  في أرجاء البيت بهمة رغم أعوامها  الستين. حاول ان يتذكر عدد السنوات  التي ربطتهما معا ففشل . لكنه عرف فقط انه حين تزوجها  كان في بداية اكتشاف ذكورته، وأن أول حيضها كان بعد الزواج.

قال لها بحنان عز على النضوب : "  ليت يومي يأتي قبل يومك  !"

نظرت بجزع إليه وقال :" لماذا ؟

-       إن مت قبلي ستكون المرة الأولى التي تتخلين فيها عني "

-        " و ان مت قبلي ستكون المرة الأولى التي تتخلى فيها عني"

-       " ليت الموت وسادة واحدة تجمع رأسينا معا؟؟!!"

 

63

حيران

-       ما رأيك هل سيمنح فلان الثقة ؟

-        لا .

-        إذن سأمنح الثقة . ولكن ماذا عن فلان الثاني  ؟

-        سيمنح الثقة .

-        إذن سأمتنع . و ماذا عن فلان الثالث  ؟

-        سيمتنع أيضا .

-        إذن سأتغيب عن الجلسة.

 

64

تداول للسلطة

 

اتفقا على تداول السلطة  في البيت. وأن ينفذ كل منهما ما يأمر الآخر.

 اليوم الأول كان يومه . نسيت ان تعد قهوته ،فوبخها . وكسرت كوبا،  فشتمها، رفعت صوتها محتجة، فصفعها.

 وانتهى اليوم وهي تتوسد ذراعه بعد أن اقسم إن عقله لم يكن معه.

اليوم التالي كان يومها. لم يقل لها "صباح الخير يا حبيبتي" . فأمرته ان يغسل السجاد، وينظف المطبخ،  ويلمع حذاءها . سألها الى أين هي خارجة، فحلفت بأن تخلعه . رفع صوته محتجا. فأشارت إلى الباب وقالت :" برّه !"

مع أن النهار لم يلوح بيديه مودعا.

 

65

شرق وغرب

 كثيرا ما كان يصاب بدوخة . رشة ماء ويصحو . أو ينقل إلى المستشفى . حقنة "أنسولين " فيقوم كالغزال. لكنه ذات يوم كحلي اللون  كان يسير في الجزء الغربي من المدينة .جاءته الدوخة، فسقط أرضا. وسمع صوتا من وراء زجاج أحد المتاجر يقول  :" اطلبوا الإسعاف."

في السيارة   تذكر المرة الأخيرة التي  سقط فيها . كان ذلك في الجزء الشرقي من المدينة . اجتمع عليه خلق كثير ، ورشوا الماء .أوقفوا سيارة  تاكسي، وصعد معه اثنان إلى المستشفى، وظلا معه حتى خرج.

وفي اليوم التالي جاءا  يقرعان جرس  بيته، ومعهما شيء قد لف بورق هدايا .

 

66

المدينة والحصان

حين كان بدويا في الصحراء كان يركض كحصان بلا سرج .

وكان أيضا ينام على الجنب الذي يريحه .

وعندما دهمته المدينة وتعلّب في إسمنتها؛ صار حصانا مسرجا يطوق فمه حبل، وينام على الجنب الذي يريح غيره.

 

 

67

الرحلة

على ضفة النهر العظيم جلس يرقب الماء الجاري الذي لا يعود.

و بعينين قاومتا سنوات ثمانين ،راقب الفقاعات صغيرة وكبيرة- وهي تطفو على السطح وتختفي .

ارتفعت نظراته الى الأفق متأملا . ومن بين الطعام الكثير الذي جمعه لرحلته

أكل قليلا،

 وشرب  قليلا ،

ثم صلى طويلا ،

ثم تكور على نفسه منتظرا كفقاعة.

 

68

سؤال عمره ثلاثمائة عام

 

دخل المنزل ومعه بعض أكياس الطعام . بدت مارثا  كأنها عادت من الخارج للتو. كان وجهه شاحبا . سألته: " هل أنت بخير "

رد بفتور :" أظن ذلك ."

-       " ما هذا الشحوب إذن؟"

-       " كدت اقتل في وسط المدينة في تبادل إطلاق نار بين الشرطة وأفراد عصابة.  خذي هذا طعام الكلب ."

-       " ما هذا ؟ لماذا أحضرت نوعا رخيصا . ماثيو لن يحبه  ؟"

-       "أنت تعلمين الظروف إرهاب وضرائب وغير ذلك من القاذورات. يقولون  من اجل أبنائنا في الشرق الأوسط؟"

-       " أجل ."

-       " ولكني لا أفهم هؤلاء السياسيين . لماذا يجب علينا ان نعلم العالم كيف ينام المرء مع زوجته ؟!"

-       " يا عزيزي . من قبل الاستقلال ورجالنا يتوهمون انهم الأكثر فحولة في العالم؟"

 

 69

 الكلاب البيضاء

حين عاد من زيارة لأقاربه في الولايات المتحدة ، كان يحمل في ذاكرته  صورا ومشاعر مختلطة . كان لا يزال يذكر  تلك الملاحظة الغريبة التي التقطتها عينه وأذنه.

رأى الكثير من الكلاب هناك . كانت سائمة في الشوارع والأزقة الخلفية . كلاب ضالة . ولم يقبع في ذاكرته كثيرا ما وجده لوهلة غريبا من أنها كانت سوداء أو ملونة .و إنه لم يشاهد بينها كلبا ابيض . فحين سأل قالوا إنها ليست بحاجة لأن تبحث عن طعامها . الطعام يأتيها الى البيت. ما أدهشه حقا هو أنه  في كل مرة كان يمر بكلب ضال  يشعر بأنه لا يحفل به. وفي كل مرة  كان يمر بالقرب من بيت فيه كلب ابيض  يرتفع النباح :كأجراس الإنذار .

70

حمل كاذب

جاءها المخاض،

فاستندت الى جذع النخلة القديمة الوارفة . هزتها . و أعطت وأعطت لكن المولود المنتظر لم يأت.

جاءها المخاض ثانية ،فاستندت الى إطار السيارة الطويلة الفاخرة. أعطت وأعطت لكن المولود لم يأت.

جاءها المخاض ثالثة . وحارت ِإلامَ تستند . ولم تعط . وظلت تنتظر .عيونهم تراقب بطنها ،والأرض من بين رجليها . وتصارخ أصحاب الحمل وأولياؤه ومحبوه و كارهوه واختلطت دعاواهم . قال نفر منهم :" النخلة القديمة هي السبب." قال نفر اخر :" بل السيارة التي لم تصنعوها بأيديكم هي السبب."

بصقت عليهم وقالت :" بل ظهوركم الناشفة هي السبب."

 

 

71

رجلان وظل واحد

 

افترش عشب الأرض غير عابئ بما يدب تحته . راقب الشمس وهي تتقدم على استحياء من حبيب مجهول تواعده ساعة الغروب . ومسح ببصره الأجواء ليلتقط نجمة طالما انتظرت بلهفة  ان ينام السميران. كانت كلمات الاعتذار  قد أخذت ألوانها من شفتيه المزرقتين نزقا . كان سيشرح لها لماذا لم تعد ترى إلا سامرا واحدا يتأوه وحيدا في ليل إفريقي المولد .وكان سيرشوها ببعض العزاء بأن الشمس أيضا افتقدت رجلين كانا يتبادلان الظل، والآن أصبحا رجلين و ظلين حين  اكتشف أحدهما  فجأة ان في علم الحساب ما يسمى عملية القسمة. وتنهد وفي خياله صورة تهتز ،وفي صدره حشرجة قلب عند ذلك اللقاء  الذي لا تعرف متى يحين. كان ذلك بعد ان جف ورق الشجر، وسقط . وبعد ان كفكفت السماء من بكاء دموعها، وبدأت في نسج بساط علاقة مع الأرض ينوء بألوان تجهل البساطة.

 مد الآخر يده مسلما : كيف الحال ؟

علت وجهه دهشة بدأ برسمها منذ قال الآخر ذات يوم ساحبا ظله:" واحد والباقي واحد"،  فرد قائلا:

-" يبدو انك تعرفني ؟ من الأخ ؟

دهش الآخر  أيضا :" ألا تعرفني ؟ ألا تعرفني ؟"

مرارة تجتاح المساحات المتبقية  في حلقه :" لو عرفتك من قبل أكنت أسال الآن؟

 

 -21-

دائرة اللوم

قصة بقلم : نعيم الغول

N1956gnov@yahoo.com

     سحب نفسا عميقا من سيجارته، وتحجرت حدقتا عينيه على منظر بعيد لم يستطع من حوله أن يروه معه. مع الدخان الرمادي المنبعث من فمه جاءت كلماته تقطر حيرة:

" لا أستطيع أن ألوم ذلك الشرطي الذي دخل الى المقهى، ووقف بالقرب من طاولة صاحبها، وتفرس بوجه ينطق بالحزم وبخطورة ما جاء من أجله في الوجوه المكبة على أوراق الشدة أو النرجيلات أو الغارقة بوحول النهار الذي ارتحل منذ ساعات قليلة. ولا ألومه حين اقترب من الطاولة التي كنت أجلس إليها في مثال هذا الركن المنزوي تماما في مثل هذه الأمسية. لا من الصعب أن ألومه حين شدني من ياقة قميصي، وأنهضني وهو يقول:" محمود خميس؟ إننا نبحث عنك منذ يومين. تعال معي."

 من يلوم شرطيا يؤدي واجبه إذا صفعك أمام الجميع واقتادك أمامه وقبضته تدق ظهرك بين الصفعة والركلة؟ لا يا أصدقائي سيكون ذلك من الظلم الكبير."

ساد الصمت فيما عامت كلماته في أدمغتهم محاولة الاستقرار في منطقة الفهم الكامل.

تخلص أحدهم من وجع الفهم والتفكير وقرقر بنرجيلته. سال آخر وهو يحدق في تلك الرعشات المتلاحقة بالقرب من عين محدثه محمود خميس:" كيف لا تلومه وقد اقتادك دون أن يقول شيئا عن سبب اعتقالك؟"

توقفت الارتعاشات حين اختلست شفتاه ابتسامة صغيرة بدت كشرخ في جدار:

" لن تلومه لأنه مأمور بالا يقول شيئا. هنا لا أحد يقرأ الحقوق على أحد"

علق صاحب النارجيلة:" حتى المحامي خريج الحقوق لا يقرأ الحقوق."

علق آخر:" المحامي يقرأ حقه عليك فقط."

ضحكوا ليخفوا الفقاعات التي بدأت تتصاعد في أمعائهم كاشفة عن قرحات مزمنة. تابع محمود خميس:" لا،  أقول بجد.. بعد أن اقتادني خارج المقهى قذف بي داخل سيارة كانت تنتظر، وبسرعة وجدت الشرطي الجالس داخلها يمسك بيدي ويقيدهما."

- ألم تسأل لما أخذوك؟

- بالطبع سألت ولكني سمعت كلمة واحدة

- نحن أسفون مجرد اشتباه أو على أقل تقدير : "يتعرف في المركز"؟؟

- لا  قالوا  : اخرس.

سمر نظراته على أحدهم . طالت النظرة قليلا فتنحنح الآخر ونظر في اتجاه آخر.

" في المركز ركلني عريف النظارة في مؤخرتي، وأغلق علي الباب بعد أن اطمأن أنني اصطدمت بسطل مليء بالبول. لا أستطيع أن ألوم العريف فقد قال لي أدخل قبل ذلك لكني وقفت وقلت له إن من حقي أن اعرف ما يحدث لي. اعتقد أن هذا الكلام يكفي ليطير عقل أي شخص حليم ، فما بالك بعريف مسكين مهمته فتح النظارة وإغلاقها ثم يأتيه من يقول له حقي و"زفتي". لا . هذا أيضا لا يلام"

كان الاهتمام قد احتل محاجر عيونهم لدرجة انهم لم يسمحوا لها أن ترمش. بينما أشعل محمود سيجارة جديدة من تلك التي انطفأت.

" لكن لحظات الخوف والانتظار لم تدم. حقيقة يا إخوان لم اشعر بسعادة قدر ما سعدت تلك اللحظة التي فتح فيها العريف الباب ونادى اسمي. فرحت حتى إنني صافحت زملاء النظارة اللذين لم اعرف أسماءهم بعد، ولم اعرف قصصهم، ولم يعرفوا قصتي، ولكني مع هذا بدأت بمصافحتهم مودعا بسعادة غامرة . كدت أن أصافح العشرة الملتصقين كركاب حافلات النقل العام لدرجة انك تستطيع أن تعرف أن كان الواحد منهم قد أزال اللوز أم لا.

 لكن العريف جذبني بشدة وصاح بصوت مدو: "لسه بدري" .

 لكن عصافير السعادة لم تطر إلا عندما حشروني في غرفة التحقيق وسألوني:" أين المسروقات؟"

 مرة سمعت شخصا  يصف شيئا  اسمه الهلع لكني عرفته حين مات لساني في فمي وهبط قلبي وأحسست به بين رجلي. صرخت بدهشة :

" أية مسروقات يا سيدي؟ والله لا أعرف شيئا عما تتكلمون".

 بسرعة تبادلوا النظرات وابتسموا. قال ضابط بنجمتين:" لقد حلف. لقد حلف."

رد شرطي آخر التصقت بذراعه ثلاث شرائط: "أنا سمعته سيدي . اسمع "وله" ما دمت حلفت فآنت كذاب. الآن عليك أن تخلق المسروقات، وتعترف عن كل جماعتك، وعن التجار الذين وزعت عليهم المسروقات. جماعتك اعترفوا عليك."

أنا لا أستطيع أن ألوم الضابط والوكيل حين جمعوا كل ما يستطيعون من قوة عضلات وسماكة أسلاك كهرباء و بدءوا بالانتقال ملمتر ملمتر ضربا على جسمي كأنهم قوات تحالف تحرر بلدا من بلدان محور الشر . كيف ألومهم وقد أصررت بأنني برئ. أتعرفون ما القصة يا إخوان؟ أخي يعمل في أحد البنوك. أخي الأكبر مروان. وهو مدير فرع الآن. لم يرض عن تركي للمدرسة مبكرا ولا عن عملي تارة "كونترول" باص، وأخرى صبي قهوة، وتارة امضي أوقاتي نائما بعد سهرة طويلة على التلفزيون. فدبر لي قرض باص صغير لتوزيع البضائع على تجار المفرق. وبدأت أدور على تجار الجملة والمصانع آخذ بضاعة وأوزعها. وتعرفت يوما على أحد الموزعين الذي قال انه يعرف مصنعا يستطيع أن يعطيني بضائع بأرخص من هذه بكثير، وعلي أن أوزعها على تجار المفرق، والربح كبير ومضمون. ودلني على المكان وكان "هنجرا" كبيرا.  وبدأت أتعامل معهم. وعرفت من التحقيق انهم لصوص يسرقون البضائع، ويعيدون بيعها عن طريق موزعين صغار مثلي. وحين ألقي القبض عليهم لم يعترفوا بان لا دخل لي بالأمر بل قالوا إني شريك لهم.

رغم أنني ضربت ضربا يهد الجبال هدا إلا أنني لا ألوم الضابط والوكيل، إذ أمامهم اعتراف أفراد عصابة على شخص بأنه منهم. وهذا الشخص ينكر. لو كنتم مكانهم هل تضعون احتمالا بان أفراد العصابة كاذبون؟ هل ستقولون الكلام الفاشل :" المتهم برئ حتى تثبت إدانته؟" هل ستخرفون بتخاريف منظمات الرفق بالإنسان وتقولوا  هذا إنسان ولا يجوز تعذيبه وانتزاع الاعتراف منه بأية صورة من الصور؟ لو كنتم مكانهم هل ستذهبون وتتعبون أنفسكم وتتحرون عن ماضي هذا الشخص وتتأكدوا من براءته؟ أم تتعبون الطريق الأسهل والأسرع والأضمن والأعقل وهو الضرب المفضي فقط للاعتراف؟

سال أحدهم :" وهل اعترفت؟"

شخر من أنفه:  " طبعا اعترفت،  وبدأت أعطيهم أسماء ذات اليمين وذات الشمال.

فحولوني الى المدعي العام. سأذكره بخير ما حييت. لقد رأى آثار التعذيب علي، ويبدو أنه تألم كثيرا لحالي. أتعلمون يا شباب ؟ ما أعظم إنسانية الانسان حين يكون في منصب كبير ويتألم مع أخيه الانسان .. مع إنسان حقير الشأن مثلي،  ويأمر بإعادتي الى النظارة حتى تشفى الكدمات والجروح والقروح. يا لهذا المدعي العام الطيب! لو رأيتموه وهو واقف أمام القاضي يصور الوطن خاليا من أمثالي. كم كرهت نفسي وقتئذ وشعرت بأنني وصمة عار في جبين الوطن. هل سمعتم بشخص اسمه أحمد شوقي؟ أنا لا أعرف أحدا قال مثل أحمد شوقي شيئا جميلا في الوطن حتى سمعت ذلك المدعي العام. يا إخوان حب الوطن مؤثر جدا عند من طبقوا القانون علي، مع هذا لا أفهم لماذا ما يزال الوطن بحاجة الى الكثير من التقدم رغم وجود كل هذا الحب في قلب ذلك الشرطي والوكيل والعريف والضابط والمدعي العام؟ صدقوني أنا لا ألومهم فهناك أوامر الحاكم الإداري ينبغي عليهم تنفيذها. الأوامر واضحة : لا رافة ولا شفقة مع المشتبه به محمود خميس حتى يعترف. وهل تظنون أنني ألوم المحافظ لا قدر الله ؟ ألا يتبع هو أيضا أوامر الوزير والوزير أيضا يطبق القانون والقانون يقول بان للحاكم الإداري أن يفعل ما يراه مناسبا لحفظ الامن والنظام وممتلكات الناس. وهذا ما فعلوه معي. ومع المجموعة السافلة التي جرت رجلي في القضية. وقد نظف الوطن مني مدة سبعة أعوام أصدرها القاضي، وقد رأيت وجهه وهو ينطق بالحكم. كان  كوجه شخص وجد جرذا ضخما قذرا في فراشه. حين نظر الى أحسست أنني ذلك الجرذ.  فعقب قائلا: "لو أن القانون جعل  العقوبة  الاعدام " فعصا" لارتاح ضميري أكثر."

 وأنا لن احلف حتى لا تقولوا كما قالوا في المركز : قالوا للحرامي احلف.." أتظنون أنني  ألوم القاضي حين لم يقبل ادعاء المحامي بأن اعترافي انتزع انتزاعا وقدم تقريرا طبيا يشهد بان آثار الجروح والقروح تدل على أنها حديثة العهد. بصراحة المحامون في واد والمدعي العام والشرطة والقانون في واد آخر. المحامي يا إخوان "غائب طوشة". ولهذا لا ألومه.

قال أحدهم وقد بدا غيظه واضحا على وجهه: "سبع سنوات في السجن وتعذيب وبهدلة ثم لا تلوم أحدا؟"

قال وهو يسحب آخر نفس من آخر سيجارة:" بلى ، ألوم .... ألوم ابن الكلب الذي سألوه عندما استعصت ولادتي:" إما زوجتك وإما الجنين"...

 -22-

طفلي يعشق الشمس

 قصة قصيرة بقلم : نعيم الغول

 

        كان صباحا شمسه تبعث الدفء والسرور في النفس. سماؤه بالطبع كانت خالية من الغيوم السوداء الداكنة التي جثمت على صدورنا اياما طويلة  لم  تسمح لخيوط الشمس بالوصول الينا فاضطرتنا  الى اشعال المصابيح الكهربائية داخل البيت.

خرجت الى البسطة أمام باب البيت والتي تعقبها ثمان درجات الى الاسفل قبل الساحة المطلة على البوابة الخارجية. جلست أحتسي القهوة مغمض العينين أركض وراء كل فكرة تطرأ على بالي بتداع حر دون أن أحاول الامساك بها وحبسها في حدود المنطق والتحليل والممكن وغير الممكن. في شمس دافئة كتلك تصبح هذه الاشياء ضربا من العبث.

ارتفع من الداخل صراخ طفلي الرضيع. أعرف الان أنه لا يبكي من جوع ولا من بلل ملابسه. هو الان في مرحلة آخر الحبو وبداية الوقوف على القدمين ولا بد إذن من أن  الرغبة عنده بدأت تشتد ليجرب امكاناته الخاصة لا بد أنه يحلم بالخروج ورؤية ما يجري في الخارج. إنه يسمع أصواتا لا يعرف ماهي... ضحكات أولاد يلعبون في الشارع .صوت كرة قدم تتقاذفها أرجلهم.. أصوات أبواق سيارات تمر لتنبههم. موسيقى سيارة بيع اسطوانات الغاز ، أصوات جرافات وحفارات . عالم هناك يصل اليه أصواتا يحتاج الى عينيه لتقولا له ما يقابلها من أشياء.

حين يُفتح الباب يحبو كالسهم لينفذ منه. نعرف ما يريد فنغلقه بلؤم قبل أن يصل إليه. فيقعد على مؤخرته ويبكي.

وها هو يبكي . لا بد أنه رآني أخرج وبيدي القهوة ولا بد انه يعرف أنني افعل ذلك كلما لاحت فرصة لرؤية الشمس بعد غيوم داكنة تثير الكآبة.

حملته وجلست معه في الظل .بدأت رأسه تدور في كل اتجاه. تلاحق كل صوت . عيونه تكاد تقفز من محجريهما الصغيرين. وضاقت عيناه قليلا لأن انعكس ضوء الشمس عن الاشياء بهره . ثم بدأ يتفلت لينزل عن حضني، ليلمس الارض.

 انزلته.لكن عيناي كانت تلتصق به. راقبته مراقبة حثيثة .

حبا حول الساحة وبدأ يضحك. جلس ونظر الي وابتسم ثم حبا باتجاه الدرجات، وهنا أحسست أن دوري جاء. فقمت وأعدته الى حضني. لم اشعر بالحاجة لأن اشرح له أنها ثماني درجات، وأنه يستحيل عليه نزولها بامكاناته المتواضعة. وأنا أعرف أنه لو تكلم لقال "ثق بي"، و لو أعرف أنه  يفهم ما أقول لقلت له:" لا يمكنك الاعتماد على نفسك ولهذا لا أثق بك."

بالطبع بكى.

فنزلت به الدرجات الثمان وتركته في الساحة الاكبر يلعب. لم يترك شبرا فيها دون أن يجوسه. لم يترك قطعة من اي شيءملقى فيها لم يضعه في فمه. كانت تجربة منهكة وكانت مربكة أيضا اذ كان علي ان الاحقه لاسبق يده قبل ان تصل الى فمه.

فجأة استدل على البوابة الخارجية المطلة على الشارع. كانت أصوات الاولاد أعلى من أن تجعلهم يسمعون اي مناد يناديهم بالكف عن الصراخ وضرب الكرة. أما هو فكانت أصواتهم دعوة جذابة الى حد دفعته كالسهم لاختراق البوابة والوصول الى حرم الشارع وأنا خلفه لانقذه من عجلات السيارات قبل أن تصل اليه.

هذا دوري.

فأنا أبوه.

وهو طفل رضيع لا يعرف شيئا.

لا اتصور ابا يترك رضيعه يفعل ما يحلو له في عالم مليء بالميكروبات والعجلات والاشياء التي تسقط من أعلى أو تخرج من الاسفل .

 حملته وعدت به الى داخل المنزل ,أضأت له كل المصابيح. حتى الثريا أَضأتها له. اردته أن يشعر أن الشمس يمكن أن تطلع أيضا داخل منزلنا المغلق.

 سكت.

ثم دار في البيت .لمس العابه وعرفها وأحس أنها لم تتغير ونظر إلى الثريا ولم يغمض عينيه و لم تحرق عينيه.

عاد الى البكاء.

 وكان بكاؤه هذه المرة اشد. لم يفلح أحد في اسكاته. لا أمه ولا جدته ولا ألعابه ولاصوت التلفاز،ولا الصور المتحركة التي كانت تلفت نظره بسرعة حركتها وتبدلها الوهمي.

اخيرا كان لا بد لي من إخراجه، وعدت به الى الساحة قرب البوابة . تركته فيها واغلقت البوابة، ووقفت أمامها لأحجبها عنه. كنت مقتنعا أن طفلا رضيعا لن يذكر انه مر من بوابة ووصل الى الشارع حيث لا يحجبه شيء عن الشمس والناس والاولاد والاشياء.

لكنه بدلا من أن يحبو وقف وخطا خطوات متعثرة ثم استند الى البوابة وطرقها وهو يقول "اتّح".

 The Curse

By: Nizar B. Zain

Translated By : Naim El- Ghoul

 

Since his tender age, Ali, the ten year old boy, had been haunted by a “curse” causing an open wound, deep in his soul that days and even years failed to heal.

 

In the House, Ali used to hear the word “BASTARD” as far back as he could remember. He, however, recognized that all other children in the House were called “BASTARDS”.

 

Because Ali was a (Bastard) he and the other children were chased with the Word just like disgraced women would be.

 

At six or seven, he could do nothing to stop it. But when he was ten, the word Bastard became very irritating. Blasts of anger began to sweep all over his heart whenever he hears it.

 

At ten , also, he grew stronger and found that he could defend himself using his strong arms to shut any mouth daring to call him a Bastard. That made him frequently fall into fights and trouble.

However, though the Curse never stopped to crush his heart under its merciless foot, and despite the unfortunate circumstances surrounding him, he was intelligent enough to find himself in the fourth grade with merit.

 

But soon, his performance at school, due to his frequent engagement into fights caused by the Curse and the harassment accompanying it, his performance began to deteriorate, and his teachers easily feel angry with him!

 

One day, Ali rushed into the Social Supervisor in a state of great agitation. He told the Supervisor that Mr. Isam, the  Math teacher, called him a Bastard, and when he had  protested against it , the teacher brought his bamboo stick and battered him on his back so violently and so frequently that he found no other way but to run away from the classroom.

 

Ali was still explaining bitterly to the Supervisor what had happened to him, when the Supervisor saw from his office window Mr. Isam approaching like a roaring lion holding his bamboo stick and brandishing with it.

 

The Supervisor took Ali’s hand and both with the wind in their heels left the school into the nearby orphanage - or the House as every body calls it - where Ali was brought up since he had been an infant. They took their way directly to the Head mater’s office and explained what happened.

The head master jumped to his feet.

 

He ordered Ali to come closer to him, when his hand was reaching under his desk. The next thing Ali could remember was the pain he had felt all over his body, and the head master holding a bamboo stick saying with a harsh voice:” How dare you challenge your teachers, you BASTARD!!”

 طلب أبي محمد

قصة بقلم :  نعيم الغول

 

        لم تكن معرفتي بأبي محمد ناتجة عن ترددنا معا إلى مسجد الحي طوال مدة تزيد على عشر سنوات. فقد عرفته عندما  انتهيت من بناء منزلي في حي أم نوارة في الجزء الجنوبي من عَمَّان.

 كان هو قد بنى بيته في تلك المنطقة الموحشة في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. ورغم عدم وجود أية بيوت في تلك المنطقة الجبلية الجرداء،  فقد شجعه على ذلك  رخص سعر دونم الارض الذي كان حوالي خمسة دنانير مقارنة ببقية المناطق المأهولة التي بلغ بها السعر مبالغ خيالية . ففي ضاحية الحاج حسن القريبة من مبنى التلفزيون الأردني وصل السعر الى خمسين دينارا وفي ضاحية الامير حسن غربها بلغ ستين دينار وفي مناطق عمان الغربية مثل الصويفية وام اذينة وام السماق زاد على المئة .

ولما كنت بحاجة الى خدمة الكهرباء وأصرت شركة الكهرباء على إحضار  فاتورة كهرباء لأقرب بيت الينا لمعرفة عنواني ،فقد ذهبت إلى أبي محمد في بيته الذي يشبه مجموعة هناجر محاطة بسور من الطوب العاري من الملاط ، وتتخلل السور فتحة بلا باب حديد او خشب تطل مباشرة على غرفة جعلت فيها حفرة طولية كتلك التي في جراجات السيارات وكان فيها سيارة نقل عام  مرسيدس موديل مئة وتسعين قديمة وهو في الحفرة يفعل شيئا ما.

 رد السلام  ومسح يديه وبعد ان فهم الموضوع قال :

" انتو من أي بلد بلا زغرة؟"*

قلت وأنا أعجب لقصر قامته الشديد : " العباسية من قضاء مدينة يافا."

قال وقد ظهر الاغتباط على وجهه:" هذي مش بعيدة عن بلدنا. احنا من السافرية  كمان من قضاء يافا. ولعلمك احنا نسايب."

ونادى على زوجته: "كاستين شاي يا ام محمد"

شكرته معتذرا بحاجتي الى العودة الى الشركة وتعللت أيضا بقرحة المعدة التي لا يعجبها شربي للشاي حتى بالنعناع الذي اقترحه.

وحين اعدت اليه الفاتورة ذاك المساء حدثني أنه كان يعمل سائقا في الجيش الانجليزي قبل احتلال اليهود لفلسطين عام ثمانية واربعين وانه "تيّس" ورفض الحصول على جواز سفر بريطاني لأنه لم يفكر أنهم سيخرجون من فلسطين ولن يعودوا اليها حتى في توابيت او اكفان،وقال إن اللفتننت بركنسون مسؤول الكتيبة البريطانية  أهداه قاموس عربي انجليزي – انجليزي عربي  لالياس انطون الياس وقال له لو أعطيتك اي جنيه ستصرفه ولن تستفيد أما هذا فهو سينفعك،ورطن ببعض الكلمات بالانجليزية فجاريته بأن أعطيته معناها بالعربي فسأل : الاستاذ شو بيشتغل"

قلت مترجم . فالتمعت عيناه سرورا.

كان ذلك منذ ستة عشر عاما ،وحين ناداني هذا اليوم ظننته يريد السؤال عن لفظ كلمة بالانجليزية او معناها كما يفعل في كل وقت يراني فيه بعد الصلاة. وهو في العادة يكون قد سمعها من احدى الفضائيات حين تقتطف من كلام شخص ينطق بالانجليزية اولا ثم تبدأ الترجمة الشفوية.

سحبني الى طرف الشارع حيث لا يقاطعنا أحد بالسلام أو الوقوف بتطفل لسماع ما نقول او الدخول في مناقشة ما كما يفعل بعض رواد المساجد حين تفلت من فم أحدهم كلمة في الدين فيتبارى كل من يسمع بالتعليق او الاجتهاد او الفتوى حتى ينفض الجمع الذي يكون في الغالب "على الواقف" وأمام المسجد.

كان يبدو كمن صعد جبلا دفعة واحدة على التو. لم يكن يلهث ولكنه كان شاحب الوجه كما غابت  ابتسامته المشاكسة المألوفة. قال :" أبو رمزي ، أنت تعرف أنني مرضت منذ حوالي سنة."

قلت :" أعرف وكم حمدت الله على سلامتك . لا أحد سيعوضني عنك. فأنا استمتع بالحديث معك."

" بارك الله فيك. بس أنا وضعي تغيّر . زوجتي تكبرني بخمس سنوات. صارت في الخمسة وثمانين. لا نظر ولا مروّة.  وهي لا تستطيع الان ان تقوم وتخدم نفسها فكيف ستخدمني. وهي على اية حال تقضي معطم وقتها عند بنتها اللي في الرزقاء او ابنها اللي في جبل الحسين. وانا صحيح عندي ابني وزوجته واولاده في البيت ولكني لا ارى احدا منهم الا مرة في اليوم. عندما اصابتني الجلطة العام الماضي في الليل لم يعرفوا عنها الا عندما فتحوا عليّ الباب ثاني يوم بعد ما انتبهوا انني لم اذهب الى المسجد لصلاة الظهر."

دهشت بشدة وقلت بانفعال:" معقول؟!"

رد مغمض العينين وهو يمسح ما بقي من شعر اشيب متفرق على رأسه الصغير:" آه والله ما أزل عليك. وأنا زي ما انت عارف رجلي في الثمانين. البيت باسمي وعندي شوية مصاري في البنك وبطلب منك  تدبرني ."

نظرت اليه بحيرة وسألت :" هل تريد أن اطلب من ام رمزي أن تغسل  ملابسك . تحضير طعام لك ؟ ما عليك الا الامر يا ابا محمد. انا وزوجتي ابناؤك ."

كنت صادقا كما أنني أعرف ان زوجتي لن ترفض؛ فهي تحب ان تساعد جيرانها كثيرا وخاصة المسنين منهم. فقد كانت ترسل صحنا من طبخة كل يوم لجارة مسنة كانت تعمل فراشة في مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وعندما تقاعد وحصلت على مكافتها استولى زوجها على كل شيء ورماها في غرفة في التسوية وأجّر ما تبقى من البيت، وسكن مع زوجته الثانية الاصغر سنا في ماركا شرق عمان. وقد بلغت محبة النساء بها ان كن يسألنها اداء امور خاصة مثل " لو تدلي اي عريس على بنتنا" وفعلا كان اذا سالها أحد عن بنت حلال تبدأ بسرد اقرب بنات الجيران. اذن ام رمزي لن تقول لا.

قال بصوت معاتب :" الله يسامحك. بدك اياني اثقّل دمي على ام رمزي وعندها اللي مكفيها. باختصار انا بدي عروس تطبخ لي طبختي وتغسل هدمتي وتدفيلي فرشتي وان صار ما صار تسعفني."

قلت في نفسي انه لا بد سمع ان ام رمزي كانت سببا في زواج ابنة احدهم، ولكن كيف ستكون سببا في زواج ابن ثمانين سنة. ومن ستقبل به في هذاالعمر؟ من سترضى ان تظل مهددة بالترمل في اية لحظة؟

قلت :" غالي والطلب رخيص يا ابا محمد، ولكن البنات هذه الايام ملكن امرهن وصرن ينتقين الشباب انتقاءا وانت ارجو المعذرة...."
قاطعني :" يا أخي أنا عارف اني عجوز وعلى حفة قبري. أنا مش طالب المغنية نانسي عجرم . انا بدي واحدة تستطيع ان تقوم وحدها حتى لو كانت عرجا وشبه القردة وعمرها فوق الخمسين. طنيب عليك دبرني."

كنت في غاية الحيرة والحرج ولم أجد بدا من وعده . وظلت صورة عينيه المليئتين بالرجاء تلاحقانني حتى بعد أن وعدتني زوجتي بأن تسأل معارفها.

في الايام التي تلت طلبه مني كنت عند انتهاء الصلاة اخرج مسرعا قبل ان يراني ويسألني. ولكن حظي العثر جعلني بعد عدة أيام ابحث عن حذائي الذي اعتدت ان اتركه على باب المسجد – وهي واحدة من عاداتي السيئة – وأخذ مني ذلك بضع دقائق كانت كافية لأن أجد شفتيه في أذني وهو يهمس:" خير ان شاء الله، في خبر يطمّن."

قلت دون أن اضطر الى أخذ مزيد من جرعات الرجاء من عينيه و شعرت انني مثل اؤلئك الاطباء الذي يخرج وفي ذهنه أن يكون واقعيا  دون ان يفقد اهل المريض الامل فيقول: "احنا عملنا اللي علينا والباقي على الله". ولكني لم أقل ذلك بل قلت:"أم رمزي لديها بنت خالة لم يستطع أي عريس ان ينتظر دقيقة بعد أن تقدم له الشاي ويراها. وهي الان عانس في الخامسة والاربعين او الخمسين غير متعلمة واسنانها تشبه الى حد بعيد اسنان حمارة جارنا ابي شاكر."

قال وقد أضاء وجهه فجاة :" مش اسمها مرة؟ يعني في الهوية مكتوب انثى؟"

قلت وانا اجتهد ان يفهم من كلامي ما يصرف نظره:" مع كثير من التجاوز نعم."

فقال بسرعة وهو ما يزال يهمس وينظر حوله:" على بركة الله، قل لها انني سأكتب الدار باسمهما جكر فيهم كلهم."

في الحقيقة لم اخترع الموضوع؛ فأنا فعلا أعرف ان لزوجتي ابنة خالة بالمواصفات التي قدمتها له بل وأنكى من ذلك أن كل من كان يتكلم في خطبتها كان يفقد عزيزا عليه فلا ياتي لرؤيتها الا بعد الحداد وكأنما كانوا يربطون كل الوقائع بعضها ببعض ويخرجوا بالاستناج نفسه " الموت أعزب أو أرمل أرحم".

وحين فاتحت زوجتي بالامر قالت ان "أمل " وهذا اسم العروس المأمولة غابت عن بالها . وقامت الى التليفون واتصلت بخالتها فوافقت مبدئيا واشترطت رؤية العريس وموافقة "أمل عليه". ثم عادت خالتها واتصلت، وقالت إنهم موافقون، وإنها تدعو الله  أن يوافق هو وينفك النحس عن البنت . وأظن السبب في هذا التحول ان زوجتي قالت

إن عليهم ألا يتطرفوا في شروطهم إلا اذا كان لديهم بديل. همست لزوجتي بأن تطلب منها أن يكون اللقاء في بيتنا تجنبا للحرج من الطرفين في حال عدم حدوث نصيب ويفضل ان يكون غدا  بعد الظهر فوافقوا.

كانت نيتي قد انعقدت على ان اخبره عند صلاة الفجر ولكن يبدو ان نسياني قراءة المعوذتين واية الكرسي جعل من الصعب عليّ مقاومة همسات ابليس بأن الطقس بارد وأنني يمكن أن اصحو وأصلي بعد ربع ساعة في البيت حيث الدفء والعافية بدلا من الوحوحة في الذهاب والاياب ،وهكذا طاوعته حتى صارت الساعة العاشرة صباحا وصحوت ابحث عن المسبحة لأسبح واستغفر لذنبي وتفريطي بصلاة الفجر،وانتظرت صلاة الظهر بلهفة كي أقول لابليس انه ان نجح في ثنيي عن صلاة فلن ينجح في غيرها، ولكن لهفتي لم تكن أقل في أن  أزف لأبي محمد الخبر السعيد.

قبل أن يبدأ خادم المسجد بإقامة الصلاة نظرت بيأس الى الساعة والى الصف الصغير من المصلين الذي خلا من ابي محمد لاول مرة منذ عشر سنوات عرفته فيها. صليت وانا افكر فيه وفي الموعد الذي ضربناه للجماعة ودعوت الله في السجود الا يكون قد حدث له مكروه فقد أحسست انني أشاهد مسلسلا تلفزيونيا كتبه الروائي المصري أسامة أنور عكاشه واني لا اكتفي بالمشاهدة بل اكتب بعض حلقاته. مسلسل بطل حلقاته عجوز هاجر من بلاده مرتين بفعل احتلال يهودي لها وعاش ينتظر يوما يعود فيه اليها وحين خانه كل شيء الظروف وزوجته واولاده وحتى جسده اصبح ينتظر شيئا جديدا : أن يموت وإلى جانبه من يقول للناس بأنه مات، لا أن يموت كجيفة لا يدري به حد الا حين تسد الرائحة  الكريهة  الانوف.

انتهت الصلاة فقمت مسرعا والخيبة تأكل قلبي واللهفة في أن أخرج وأقطع نصف الكيلومتر التي تفصلني عن بيته في دقائق، والأمل في قلبي يبني أعشاشا من حشيش أخضر ودعوت الله الا يكون قد مات،  فإذا بسعاله يرتفع بين العدد القليل من المصلين الذين كانوا مسبوقين ويؤدون ما بقي من الصلاة .

للحظة احسست بخيبة أمل من نوع آخر ممزوجة براحة وابتهاج .

قلت له بأنهم قادمون ربما بعد ساعة، فقال إنه ليس لديه ساعة يدة و في المنزل لا توجد ساعى حائط ؛ فهو لم يعد بحاجة اليها منذ خمس سنوات تقريبا فهويصحو قبل أذان الفجر، ويصلي عند سماع الأذان لباقي الصلوات، ويأكل حين يجوع، ولا مواعيد بينه وبين أحد من العالمين خاصة بعد أن انقطعت علاقته بالانجليز وانحصرت في العرب. فقلت له أن يأتي معي وينتظر.

" بملابسي هذي. لا سأعود وأغتسل. "

" هل من الضروري الاستحمام؟" كان يبدو نظيفا وملابسه رغم تكسرها بما يوحي انه ينام ويصحو وهو فيها او وهي عليه كانت ايضا مقبولة."

لكنه رد بعناد :" مش لازم نعجبها ؟ هي مش بني آدمه ؟ وبعدين صار لي سنة ما اغتسلت. ما فيش داعي، انت عارف مرتي صارت زي اخوي او اختي لا فرق.وفوق هذا اصلا ما في حدا يسخنلي مي. "
قلت في محاولة يائسة لاقناعه :" من سيسخن لك الماء الان؟"

" يا سيدي انا بسخنها هيّ قصة؟ المهم عندما الجماعة يصيروا عندك خبّرني."

كان لزاما عليّ ان أذهب بنفسي إليه لأني كنت أعلم أن لا جهاز هاتف لديه.

 وعدت الى البيت فوجدت الفتاة وأهلها غاطسين في كراسي غرفة الضيوف حتى الاكتاف بانتظاري. ولم تفلح العروسة في اخفاء السيجارة عن عيني بعد ان فشلت في العثور على منفضة سجائر ، فقلت بلساني وقلبي معا " يا ساتر" ورحبت بهم دون أن تبدو على وجهي علامة الدهشة لوصولهم أبكر مما اتفقنا، ولكن زوجتي همست لي في المطبخ بأن خير البر عاجله . فقلت :"مع هذا علي ان انتظر كي أمنحه بعض الوقت للاستحمام. إنها سنة لم يستحم خلالها مرة واحدة ويعلم الله ما سينزل عن ظهره. "

بعد نصف ساعة اسرعت إليه ووقفت عند البوابة التي كانت بلا باب حديد او خشب، وانتظرت لأرى أحدا من أحفاده.   كنت أسمع أصواتهم يبكون ويتشاجرون، ولكن لم أر أحدا في فناء الدار. فدلفت في الطريق الذي اعتاد أن يمشي امامي فيه عند زيارتي له، ودخلت في رواق قصير باتجاه باب غرفته الاخضر عندما فتح باب جانبي وأطلت منه فتاة في الثامنة تقريبا. نظرت اليّ ثم استدارت بسرعة  وسمعتها تقول " عمو أبو رمزي جاي عند سيدي."

كل ما حصل بعدها ان الباب أقفِل بسرعة وشدة. لكني كنت على باب غرفته الموارب قليلا.

 فتحت الباب بصعوبة وكان عليّ ان ادفعه الى الداخل بشدة كيف يفتح وأنا انادي :"أبا محمد . يا أبا محمد."

وقبل أن ادرك ان جوابه اليّ بأن اتفضل بالدخول لم يصل وقعت عيناي عليه وهو ملقى على جنبه ببدلته الكاملة وفردة حذاء واحدة في قدمه بينما يده تمسك بالفردة الثانية  وعيناه مفتوحتان باتجاه الحائط  لا يسكن فيهما سوى قدر هائل من الرجاء ما يزال يلاحقني حتى اللحظة.