أدب / صفحة خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


سيرة الكاتبة ميسون أبو بكر الذاتية

mayson_yazeed@hotmail.com

ميسون عبدالرحمن أبوبكر

فلسطينية  ..من جنين

من مواليد الكويت  بتاريخ 28_8_1971

غادرت الكويت إلى الأردن عام1985

تقيم حاليا بالسعودية

تحمل بكالوريس أدب عربي من جامعة بيروت العربية

صدر لها  ديوانان :

آفاق شعري عام 1990

وديوان أجراس الصمت 2002

لها مشاركات شعرية في المركز الثقافي بعمان ، وفي أماكن متعددة مثل اتحاد الكتاب الأردنيين ،  واتحاد المرأة .

تكتب بعدة صحف عربية وأردنية خاصة ، مثل الرأي_الدستور _ العرب اليوم.

تكتب إضافة للشعر القصة القصيرة و المقالات

* كتبت عنها  الصحف الكويتية ومجلة(أسرتي) بمناسبة عام الطفل في عام 1979 ، بأنها  أصغر صحافية في الكويت، و ذلك بعد قيامها بمقابلات صحفية مع وزير التربية والتعليم جاسم المرزوق ومدير إدارة النشاط المدرسي خالد الحربان ؛ وكانت حينها في الصف الثالث الابتدائي .

*  كتب مقدمة ديوانها الأستاذ عبد العزيز السيد:شاعر وأديب و هو الأمين العام للأحزاب العربية، والموسوعة الفلسطينية ؛ مما كتبه  :

       أجراس الصمت تقرع نافذة الروح

يسكن الشعر في وجدانها عميقا، يغور في شغاف القلب.. تضطرم به روحها يموج في حناياها شفيفا.. يصطرع الخاص بالعام حينا ويأتلقان حينا آخر ، فتكون المعاني والمضامين مزيجا من الشهد والصاب.

أنغامها صحراوية منسابة في سكون وديع آنة، كما في نجود نجد حيث تقيم وتظعن، وهي ساحلية شاطئية أنة أخرى، حينما يمتد بصرها صوب لآلئ الخليج ودانات الكويت، حيث الميلاد والنشأة ، ثم هي بين هذا وذاك موسيقى جبلية حادة الايقاع كما جبال نابلس، وعمان ،حيث الانتماءوحنين العودة..

نفحاتها مشربة أبدا بنسع القداسة في بيوت الله التي إليها تشد الرحال .. وعينها مسكونة بالقلق والألق معا، خوفا ومخافة وأملا بيوم النصر الموعود والمنشود.

وهكذا فأنت في صفحات هذا الديوان تجد نفسك في حديقة ، بل أكاد أقول في غابة فيها أعشاب وسنى ، وأقاح جذلى ، وياسمين ،وبنفسج حزين ، وفيها سروات شامخة إلى الشمس ، وجذوع زيتون وقورة حانية

وأنت في هذه الصفحات تستقبل أنساما هادئة ،وعواصف لافحة وأعاصير صاخبة،أنت حقا أمام مخاض يؤذن  بميلاد شاعرة ستكون أكثر من رقم يعد ويحصى.

أتمنى أن تقرع أجراس الصمت وجدان القارئ، وأتمنى أن يفتح للشاعرة أبواب القلب..للقاء صادق عذب أنيس.

 القاصة و الشاعرة :

 ميسون أبو بكر

1

لقاء بين عاشقين

 

قصة قصيرة بقلم : ميسون ابو بكر

 

        بدأنا لقاءنا بتصافح الأيدي وبقبلات عبرت عنها شفتانا و دون أن تلتقيا،عيوننا التقت نظراتهما بحرارة ، ففضحت كل ما تمنى أحدنا أن يمنحه للآخر ،هذه اللحظة وحدها تركت لنظراتي حرية التعبير كيفما أرادت ،وراحت نظراته تغوص داخلي ، تتتبعني دون خجل ، وكان هذا الثوب الذي ارتديته يفضح تفاصيل جسدي أكثر ما يستر منه

قلت له:

- وزنك نقص كثيــرا!

= إنها السجائر التي تلتهم هوائي،  يصمت قليلا ثم يقول:

= أنت كما أنت وكما اختزنتك ذاكرتي أو كما أراك حيث لا تكونين بصحبتي  رائعة جميلة

 - بعدك أتعبني ، أفقدني توازني و هدوئي

=  تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

-_وماذا كانت سفنك تشتهي ؟

= أن تصل إلى شواطئك التي أنشدها بسلام ،فترسو فوقها، و  تستريح

- كم أتمنى أن أراك كل يوم وكل لحظة ، كنتَ وقتها أصبت بالملل مني

 = هذا كلام غير صحيح ،وشيء مستحيل ،أتمنى لو أنني أملك تلك العصا السحرية التي أغير بها واقع الأشياء

- لــو !

----------------

أبدأ معه مشوار الكلمات ، وأحدثه عني وعن قصائدي التي كتبتها في الآونة الأخيرة وعن فجيعتي بزينب ، وعن كثير من الأمور التي حدثت معي في غيابه

يلازم هو الصمت وتلازم عيناه التأمل إليَّ ، فأشعر بنفسي وقد أصبت بشراهة الحديث فأقول له:

- لقد نسيت نفسي فكلمتك عني كثيرا وأنت تلازم الصمت والتأمل ،فهل أصبتك بالملل والدوار؟

= بل دوختني كلماتك التي تتحدثين بها بلغة الأطفال وعفويتهم ،أحب أن أسمعك ،أن تلقي ما في جعبتك لأنني وأنا أتأملك أرى تلك الطفلة تخرج من أعماقك ،لا أشعر أن هناك حدودا يمكنها أن تقيد أفكارك ولا كلماتك التي تخرج بعفوية وتلقائية ، بدون مساحيق تجميل تختفي وراءها ، و بدون أكاذيب تتحايلين بها على الواقع ، ببراءة الأطفال تحولين الحقيقة إلى واقع جميل يمتزج بالعاطفة وبأمور أخرى جميلة ،أنت متمردة بشكل لطيف ، وعاشقة تغيرين مرارة الدنيا وتجعلين لها شكلا آخر ،أحب أن أراك وأنت ترفعين بعضا من خصلات شعرك الأسود الذي غطى حاجبيك  .

- أرى بينك وبين البحر الذي خلفك شبها كبيرا جدا ،فكلاكما يخرج ما في أعماقه وينثره امامي،

إذا أردت أن أستعيدك في غيابك فتحت أدراج ذاكرتي ،وإذا أردت استعادة البحر نثرت على طاولتي محاراته وأنصت إلى قواقعه لأسمع فيها هدير الماء وصوت كل المخلوقات الأخرى التي ابتلعها ،أحب أن أتأملك كثيرا لأعوض كل ساعات الحرمان التي عشتها بعيدا عنك ،أحب أن أخزنك في أوردة ذاكرتي لتكتنز بك فأسترجعك وقتما أشاء .

= أنت حريتي التي أسعى إليها ،وأحلم بها وأراها من خلف أسوار سجني الكبير ،حبك يدخل زنزانتي من خلال شقوقها الصغيرة فأقتفي حرارة الضوء حيث تكونين ،أنت الحب الذي سعى إلى جوارحك يقنعني بك وبأمل جديد بت أحيا من أجله ،أنت الأنثى التي شعرت برجولتي تنهض بالقرب من شطآن عينيها ،وبحور شفتيها ،وأنهار كلماتها العذبة المتدفقة ، فإذا بي كابن العشرين عاما أحب وأعشق وأكابد هذا الحب وأعيش مراهقة الحب لأول مرة ،لا أدري كيف بعثرت فيَ وقاري ،وأفقدتني توازني ،وحملتني قضية أخرى غير تلك التي أحملها ،من عشرة أعوام لم لأكتب رسالة حب فعلمتني كيف أملأ ريشتي بحبر قلبي لأكتب لك ، وقبل مجيئي قصدت أسواق القدس القديمة لأشتري لك هدية من تاريخها ، و قد نظرت إليَ البائعة باستغراب كبير فأنا الذي أجهل حتى الآن كيف أنتقي هدية لأنثى .

هل أخرجتك من خريف الحياة فأتتك بشائر الخريف تعلن قدوم شتاء وفير الحظ كثير الخير ، أم أنا حورية البحر التي تحدثت عنها الأساطير والتي خرجت من أعماق المحيط لتنقذ من الغرق فارسها الذي أحبته من أول نظرة ،ثم وضعته على رمال الشاطئ لتعود إليه في الصباح بقدمين اثنتين استبدلتهما بصوتها الجميل الذي أخذته منها ساحرة البحر ؟ فسرت نحوك وقد ألقيت ورائي ماض بأكمله ،لأعيش حياتك أنت ؟!

= نعم أنت عروس البحر الذي طالما جلست أمامه أنتظرك تخرجين بذيل ذهبي وشعر كخيوط الشمس ، يشرق منه نهاري ،وعينين سوداوين يسكن فيهما ليلي

تذكرني كلماتك بقصيدة كنت كتبتها وسألقيها في أمسيتي الشعرية القادمة

= هل هي بين الأوراق التي تحملينها ؟

نعم

= إذا ناوليني إياها لأقرأها فقد شوقتني لمحتواها

يقرؤها وكأن ملامحه كلها غاصت بها ،  لم يعد معي للحظات ، أسأله:

- ما بك ألم تعجبك؟

= بلى لقد أذهلتني لدرجة لم أستطع الخروج حتى اللحظة من عالمها ، لقد كبلتني بأحاسيسك الشفافة وبحزنك الذي يشغل مساحة كبيرة منها ، أستطيع بسهولة أن ألمس روحك ،أنت كعشتار إلـهة  الحب ، تهبين الحب حيث تكونين ،فتسعدين من حولك .

ثناؤك هذا أجمل بكثير من قصيدتي!

= لقد انتقلت إلي عدوى الكلمات إذاًً .

الشعر هو ثروتي وإنني حين أقف خلف المنبر أشعر بتوحدي معه ،لطالما وقفت وراءه مثقلة بأوراقي التي تريد أن تفرغ حملها على مسامع أولئك الذين جاءوا يستمعوا إلي ،فأهبهم كلماتي التي كتبتها بحبر القلب وأعزفها على أوتار صوتي المرتعش رهبة وإجلالا ،وما هي سوى لحظات حتى أجدني مليكه لهذا العالم الذي دخلته للتو .

= لقد أشعلت نار الغيرة في قلبي !

لماذا؟

= لقد كشفت لي أن هناك أحداً ما يشاركني بك،وهناك آخرون غيري تروي كلماتك عطش روحه و قلبه .

الشعر كالمطر لا يستكين في مكان واحد بل يتخلل شقوق الأرض ويجري في كل مكان .

إلا أنني في بعض الأحيان أشفق على قصائدي حين يقرؤها من يجهل فن الإلقاء ويسمعها من لا يعرف لغة الشعر.

= إننا  نملك ما  نكتب أو نرسم  فإذا نشرناه أو بعناه فإننا نفقد تلك الملكية و لمن اشتراه أن يتصرف به  كما يحلو له.

---------------------

يصبح صوت الموج أعلى من صوتينا ،فنتأمل تلك الموجات التي ترتفع عاليا في محاولة لعناق السماء ثم أقول:

الوقت أدركنا !

= و أوشك أن ألقيك ثانية في جعبة ذكرياتي لأعود فأسترجعك إذا رجعت لغرفتي .

- سأتصل بك عندما أصل .

= لماذا؟ لتزيديني شوقا واشتعالا .

- بل لأكون آخر صوت تسمعه قبل أن تنام

-2-

رسائل مجنونـــة..

قصة قصيرة بقلم: ميسون ابو بكر

 

جَدَّة لن تكوني عروسا بعد الآن........

 

جدة أصبحت المدينة التي أخشاها..أخاف أن أنفرد بها بعد الآن ، أن أزورها  وحدي ، لقد أغلقت نوافذ قلبي ، وأسدلت ستائري ..خبأت ذكرياتي معها عميقا في طيات قلبي وأطفأت عليها الأنوار كي لا تستيقظ  ثانية .

هي جدَة ..عروس البحر كانت، واليوم لم تعد كتلك التي كنت أعشقها وأقضي ليلي برفقة ليلها، وعلى وسادة شواطئها، بجانب بحرها بعد أن زحف المساء لسمائها في لحظات هدوءٍ وسكينة.

بالقرب من بحرها كنا نجلس معا ..بصمت.. أقفلنا على كلماتنا الأبواب ثم رمينا مفاتيحها في حضن البحر الذي كنا برفقته لنتأمله فقط ، كانت عيوننا بحاجة للانفراد به وحدها لتملأنا به.

برقة ..ودعة..داعبته الريح تلك الليلة..ريح هادئة لم تشأ أن تعكر صفوي ، أو تخترق أسوار صمتي، كانت الأمواج تتلاحق بخفة تعلو ثم تعود أدراجها فتتبعها موجات أخرى تصرخ بغنج.. بأنوثة تصافح الشاطئ كغيمة تلقي برذاذها قريبا مني ، فأستفيق من سكرتي قليلا ثم أعود إلى اللاوعي ورحلة الجنون مرة أخرى ، ومن ثم تتناوب الأمواج تعلو وتنخفض..تذهب وتأتي..

رائحة البحر حتى الآن تخترق مساماتي تصحبني معها إلى حيث تركته ، تداعب جنوني به، حتى الأيام التي لا أكونها برفقته ..تستحضره مشاعري ، وتلك البرودة التي كانت تبعثرها الأمواج من حولها حين تتسابق لتصافح السماء طالما شعرت بها تلفح وجهي ..نوارسه البيضاء تركت أعشاشها في ذاكرتي ، وأبقتني حيث هو بكل حواسي رغم أني في وجهة أخرى .

اليوم تخذلني شجاعتي فلا أقدر أن أزور جَدَّة وبحرها ، كنت زرتها مرتين وكانت الخنساء تسكنها، والآن رحلت خنسائي ومعها قصائدها التي كانت تنشدها لي في بكرة الصباح ..حين تتسلل الشمس إلى عالمنا خجولة بخيوطها الأولى التي ترسمها على لوحة السماء.

 كنا نتجرع الصباح كوصفة علاجية تمنحنا الحياة، كنا تعودنا أن نرافق الليل.. أن نسكنه معا. بضحكاتنا .بدموعنا..ببكاء أرواحنا ونزيف قلوبنا ..بكل الذكريات التي مضت والتي ستصبح بعد ذلك عابــر سبيـل في إحدى محطات حياتنا.

كحلــم ..مرت تلك الأيام التي كنا سرقناها خلسة من القدر..اجتمعنا لنصهر الأشواق ..ونطوع الكلمات ونتذكر الماضي

كنت أنا الأنثى التي غزتني الصحراء فسكنتني بوحدتها وسكنتها بجنوني وبطفولتي التي محت الرياح بصماتها مع الزمن وأخذتها مع الرمال المسافرة برفقتها.

أنا أنثاها التي تعودتها وأقمت فيها بأنغامي وآمالي الشاردة كحبات رملها، لكن خنسائي أبت أن تكررني ، خافت أن تغوص بها عواصف الرمل فتتبعثر أوراقها وتأخذها في دوامتها، وعندما قَرَّرَت الرحيل ملأت حقائبها بأولئك الذين قدمت بهم معها ..غادة السمان، محمد الماغوط، والمتنبي ، وبكل الروايات التي كانت تتحدى بها وحدتها، وتتغلب بقراءتها على وجه جديد كان يمكن أن تحمل ملامحه، لكنها سافرت بأمين معلوف وأحلام مستغانمي، وآرنست هيمنغوي.

رحلت وتركت وراءها ذكرياتي معها وملامح طفولتها التي تعدت الثلاثين عاما، وبعض أنغام قصائد كانت عزفتها أوتار عودها .

تركتنا لتكمل مشوارها في مدينة الضباب لتشرق بشمسها حيث لا شمس هناك، تركتني وتركت بحر جدة وحيدا تائه الخطى ، و تركت جدة تكمل مشوارها بدون خنسائها.

3

 

رحلت ذات صباح..

قصة قصيرة بقلم : ميسون ابو بكر

 

     في يوم خريفي نقلت إليَّ الطبيعة كسلها وسكونها فلازمت غرفتي التي تعودت مجالسة أثاثها وجدرانها وقضيت جل الوقت في قراءة رسائلك القليلة التي كنت كتبتها لي رغم معرفتي بكرهك لكتابة الرسائل فأنت رجل تحب المواجهة في كل شيء ، فإذا برنين الهاتف يخرجني من قوقعتي ،هو زوج صديقتي زينب أتى صوته شاردا حزينا مذهولا يذهلني أنا الأخرى بنبأ وفاتها .

هي الصدمة الكبيرة التي لم أكن يوما أتوقعها ، حيث يقرع هاتفي جرسه معلنا عن حياة توقفت للتو، و صداقة ستكون منذ اللحظة مجرد ذكريات ،حياتها التي لم تستمر سوى ثلاثين عاما توقفت وصداقتنا التي امتدت لأكثر من سبع سنوات حكم عليها بالبتر .

زينب ..

آه زينب..

 لقد كنتِ كضحكة فجر..كسحابة صيف ، كطفلة رغم أعوامك الثلاثين ، و برغم تضاريس الحياة فوق بشرتها السمراء ، كانت تضحكنا دوما برغم آلامها وتشعرنا بالأمان رغم خوفها، وتمنحنا القوة رغم ضعفها ، كان صدرها وسادة نتوسدها في لحظات يأسنا الشديد رغم أوجاعه ، كنا نرى ابتسامتها التي لم تكن تفارقها وسعادتها التي أوهمتنا بها ، ومرت الأيام حيث لم نكن نشعر أن بمرورها يقترب الفراق ، و أننا سنكون على عتبات وداع أخير لا لقاء بعده أبدا.

رحلت ذات صباح تاركة قلبها ينبض في صدورنا ،وحنان لمساتها مازالت ملتصقة على وجوهنا ،و صور حياتها وذكرياتها باقية في مخيلتنا ، و فراغا كبيرا شعرنا به  كانت تشغله قبل وفاتها.

رحلت كعملاقة من الثلج أذابها حر الصيف حين رحل الشتاء ، فشعرنا بماضينا وبوهج البراءة يرحل معها ؛

لقد كانت مزيجا من البراءة والطفولة والشباب المتجدد والمرح ، و اليوم تبخر كل ذلك ولم تشعرنا بألمها أو حرارة أنفاسها إلا حين فقدناها .

كان عويل علي زوجها -  عاليا ،أهو الفراق المفاجئ أم الشعور بالتقصير تجاهها ؟ أم أن حياتها  القصيرة حالت دون أن يعوضها عن أيام قاسية مرا بها .

 في لحظة انتقلت الحياة إلى جثة هامدة  و ماتت في عينين كانتا نافذتي ذاك الجسد على العالم ،وهاتان الشفتان اللتان كانتا تقطران شهدا وحبا تراهما وقد تجمدت الحياة فيهما وكأن كهرباء الروح عندما أطفأها الخالق عن ذاك الجسد أخذت معها كل بريق الحياة وصخبها ودفئها ، و آن لهذا الجسد أن تحتويه الأرض التي كان عليها يسير شامخا ولم يرفق يوما بأديمها .

هنا تلوح في ذاكرتي قصيدة لشاعرة كتبتها،  تزف جثة والدها إلى أديم الأرض وكأنها تهنئه باحتواء نجمها (أبيها) . هذه الكلمات كنت تعودت قراءتها حين فقدت أبي ووجدتها تتحدث عني في وقت خذلتني فيه الكلمات وعصاني سلطان الشعر !

 

تقول الشاعرة:

وتجمد النــبض الأخــير

وغفـت عروق النـهر واختنـق الأثــير

وتوقفت في القــلب أصداء الـزمــان

فترجل العمر الشجـي عن الـثريــا

وامتطى عرش الـرمــال

كالغـيث يسـكن فـي جـفون الأرض

يفترش القفــاف

كالـورد تلثمـه شفـاه المرج من ولــه

وتـأويه اللـحود

هو لن يــعود

 

لكن وأمام أسرة زينب وأمام أبنائها كان لا بد لي أن أبتلع حزني ،و أخفي دموعي و ذهولي ، و أتمالك نفسي كي أحسن عزاء أطفالها .

 في الصالة الفسيحة كان استقبال النساء لتقديم العزاء وكعادة بيوت العزاء ، تتشح النساء السواد ويرتدين وجوههن ذاتها من دون أقنعة أو مساحيق تجميل ، يبكين قليلا ومن ثم تتعدى النسوة موضوع الزيارة التي قدمن من أجلها إلى مواضيع أخرى تدور بين كل اثنتين متجاورتين وكأن شيئا لم يحدث ، و كأنهن لم يبكين للتو امرأة استل الموت حياتها ويتَّم أطفالها ، أولئك الذين جلس كل منهم حيث وجد حضنا يضمه في صدر امرأة أشفقت على طفولتهم البائسة أو على يتمهم ، و كأنهم يلتمسون بقايا حنان حركتها مشاعر الموت فينا .

هم لا يدركون حقيقة الموت أو لماذا يموت الإنسان لكن شيئا واحدا قد وعوه ، أن أمهم لن تعود لتكون بينهم ثانية .

كنت يوما أحد أفراد هذا البيت واليوم أنا أقدم العزاء فيه و أتقبله ، هي صديقة العمر رغم الفارق البسيط في السنوات بيننا ، كثيرا ما كنت أقصد منزلها ،لأشكو همومي أو أبث أحزاني ، أو لكي تشاركني فرحة ما ؛ فكانت كلماتها الرقيقة كشحنة أمـل تزودني بالصبر وبفرج قادم ،واليوم يا ترى من أين أحصل على هذه الشحنات لأتحمل فراقها وأتقبل فكرة موتها ،كانت دوما تستمع إلي ولم أكن أدرك بأن لديها الكثير لتقوله لي ، كانت بابتسامتها توهمني بسعادتها ، و في أحضان هذا المنزل الذي أجلس فيه الآن بكل كآبتي ، كنت أهرب إليه من ضجيج مشاعري ومن ذكرياتي ،

واليوم أجلس أمام باب غرفتها ونظراتي ترتعش حين تصطدم ببابها ، فأشعر بكل الخوف والفزع والغربة و الألم أمام جدران تلك الغرفة التي كانت بأميرتها عرشا من الراحة والأمان .

كيف أجلس اليوم أمام أطفالها أصبرهم وبماذا أخبرهم وكيف أشرح لهم الموت وأنا ابنة الخامسة و العشرين عاما ،  فمازلت لا أجهله ولا أفهمه ؛ كيف أطلب منهم الكف عن البكاء وأنا لا أستطيع السيطرة على دموعي ،وهل الكلمات- مهما قلت من جمل المواساة - ستنسيهم فجيعتهم ؛ سأغادر بعد قليل لكن الحزن سيبقى نزيل هذا المنزل الذي انطفأت أهم شمعة من شمعاته .

و أغادر بحزني الكبير ووجعي الأكبر الذي صار يسكنني كلما فكرت بيتم أبنائها ، أعود إلى المنزل وأقفل علي باب غرفتي - فحدودها فقط هي المساحة التي أملك من العالم لأمارس فيها خصوصيتي - لأبكي وأكتب وأصرخ وأقول لتلك الصور المعلقة هنا وهناك على جدرانها ما أريد دون أن يحاسبني أحد ، أو يراني بكل حزني وضعفي ويتمي ،أكتب بنهم على صفحات بيضاء بحبر أسود يناسب حالتي ، أعرف أني بعدها سأعود أمزق هذه الصفحات حالما أعود لوعيي .

 4

::::

وداعـــا مفـــيد

قصة قصيرة بقلم: ميسون ابو بكر

 

من هنا مر يومــا ذاهبـا إلى تـونس، كان بصدره أملا كبيرا، و صورة مستقبل باهـر خطط له، هو سيرى العالم الفسيح خارج دائـرة الـوطن، ربما سينعم بشيء من الهدوء، و الأمن الذي طالما حلم بـه.

كانت الدنيا فتحت له أول أبوابها بعيدا عن رائحة الرصاص و وقع دبابات العدو، و وجوه جنود الاحتلال التي كانت تتربص به عند كل معبر وشارع وطريق، كان ملَ رائحة الموت و مناظر التشرد و الجوع و حياة الفقر المتفشية في بلدته في فلسطين .

عبر من هنـا ليصل به حلمه حيث شاء له القدر بحصوله على منحة دراسية في تونس ، ذهب ليعود يوما و في يده شهادة جامعية تمنعه من العوز وتمكنه من الحصول على عمل يوفر عليه تعب كل تلك السنين التي قضاها متنقلا بين عمل و آخر.

فقد كان يخرج باكرا لفلاحة الأرض و لا يعود إلا و انطفأ فتيل الشمس بعد يوم طويل ومضني ، كما عمل في الرعي و حمل حقائب القادمين و الراحلين ، كم تمنى أن يحمل حقيبته يوما حين تسمح له الظروف و يسافر إلى البعيد .

 وعمل في البناء تحت سماء محمومة ملتهبة ، كانت حجارة البناء الثقيلة و الحقائب سببا في تقوس ظهره الواضح ، لكنها الحاجة إلى المال و مساعدة أبيه لإعالة أسرته سببا في العمل بأية وظيفة كانت .

 عبر من هنا إلى القارة الأخرى ، ما كان أسعده وقتها وفي رأسه الصغير الكثير من الآمال والأحلام التي أخذته بعيدا..بعيدا جدا، كان عبور المجهول بالنسبة له مغامرة كبيرة و حلم راوده طويلا للخروج من حدود الوطن ، هي رحلة سيبدأ ها مع القدر، فالسفر إلى تونس أو إلى أي بقعة في العالم سيمنحه فرصة الحياة ، والاستمتاع بها ، فربما ستتخلص بشرته من سياط الشمس الحارقة وسط الحقول، و سيستريح ظهره من حمل الحقائب الثقيلة و حجارة البناء ، كان يرهقه الانتقال الدائم بين قرية و أخرى للحصول على عمل ، و كانت تونس الأمل الذي تحدث عنه كثيرا حين كا ن يمضي وقته بصحبة رفقائه وأصدقاء الدراسة ، على عتبة منزله  أو في مجمع السيارات في المدينة ، لم يكن له حديث إلا عن تونس الخضراء وعن ترتيبات السفر و موعده ، و عن العالم الجديد الذي ينتظره.

عبر من هنا إلى القارة الأخرى ، لكن هناك أدرك أن الأحلام لا تأتي إلا خلسة في أوقات الهذيان وغياب الوعي ، و أنها بدون أقدام لا يمكن أن تسير على الأرض أبدا ، هي سراب النائم ؛  فقد كانت بانتظاره حياة صعبة لم ترحمه ومجتمع  لم يقدر على التأقلم معه أبدا .

 شعر بقسوة الغربة، قاوم أياما من الوحدة القاتلة ، كما أن الدراسة كانت شبه مستحيلة لأنه كان عليه إتقان اللغة الفرنسية التي يتحدثون بها هناك ، و قد غزت تونس بجامعاتها وشوارعها وحتى داخل منازلها العربية الشكل من الخارج ،  كل ذلك من مخلفات الاستعمار الذي ألقى بظلاله ورحل.

وجد نفسه واقفا أمام سور عالٍ كذاك الذي بنته إسرائيل ،  كحجاب حاجز داخل الأراضي الفلسطينية ، اختنق به ليأتي تونس فيخنقه حلم مستحيل ورغبة عاقر؛ انطفأت النار ولم يبق سوى رمادها يلون الحياة ، فشل في سنته الأولى فقرر العودة ، لم يمهل نفسه عاما آخر ، لأنه رفض أن يسير خلف الوهم ثانية ، عبق الوطن و الحنين إليه  في صدره ؛  قرر أن يعود بلا شيء لكي لا يخسر كل شيء، فالوطن أولى به ، والعمل بفلاحة الأرض أفضل من الضياع في شعابها ، عاد ومر من هنا ليعود للوطن .

 وداعا مفيد

و وداعا لكل تلك الذكريات المبعثرة التائهة التي تركتها وراءك ،  لتبقي ذاكرتك للوطن وسمائه وشمسه وأحضانه الحانية، الوطن سيعطيك شهادة الانتماء بكل جدارة ، ليتني أنعم بها مثلك وان أبرح إلى وطني مهما كلفني ذلك

 

 

5

أطياف ذكرى

قصة قصيرة بقلم:ميسون ابو بكر

 

في أحد شوارع المدينة الكبيرة القديمة الثكلى بذكريات الماضي لامس أوتار روحها شيء ما أدخل الدفء إلى جسدها من رأسها حتى أخمص قدميها ، شيء ما أعادها إلى الوراء عشرين عاما ، و أضاء فيها شموعا كانت قد انطفأت ، و رعشة كانت قد راودتها لأول مرة في الماضي البعيد .

 

هل من السهل حقا أن نبعثر الماضي ..كل الماضي في لحظات ..هل من الممكن بسهولة أن نعود بمنتصف العمر للوراء ، لنعيش ذات اللحظة التي كنا حملنا نَعشها ودفناها في أعماقنا ، و قرأنا عليها السلام ؟ هل من الممكن أن ينهض شيء فينا كنهضة أهل الكهف من سباتهم ، لكن من نهض فينا بتنا غرباء عنه ، هو في الزمان والمكان الخطأ ، و في الجسد الذي صار غريبا عنا و لم نعد نملك أفراحه أو أحزانه ، أو نملك خارطته..

 

هي النظرة ذاتها التي كانت تعودت أن تراها في رجل حمل في قلبه الصغير كل حنان الكون ، و في نظراته ترى كل دروب الحب بأمسياته وآلامه وأشواقه وأحلامه ،لحظات تجد نفسها أمام ماض بأكمله ، و أمام حب كانت قد طوته صفحات الذاكرة ، ولم تنعشه الحقيقة حتى اللحظة .

 

الحاضر يعود للوراء عشرين عاما..وإذا به نفس الرجل الذي حاولت جاهدة أن تعود نفسها على فراقه..هو هنا وحيث كانا يلتقيان منذ زمن وكان آخر لقاء ،حمله المكان والأقدار إليها من دون موعد ،فاستحضرت اللحظة كل الأشواق والحب المدفون عميقا ، والحياة عادت من جديد .

 صار للحياة نبض آخر في عروقها ،  يعني الحياة من أجل الحياة وليس من أجل البقاء فقط ، صارت في لحظات كالشاطئ حين يعود الموج إليه بعد جزر وغياب ، فيرطب رمله ويهديه كنوز الأعماق و أصدافا ومحارا .

 

ماذا تراها تصنع الأقدار بعد ؟

تتذكر حين قالت له ذات مساء :

- لا أريد أن أحبك أكثر لأنني أخشى أن أدمن حبك فأجابها :

= لك أن تحبيني كيفما تشائين ، فلماذا لا ندمن بعضينا ؟

فردت :

- لأنني لاأكتب الأقدار..هي التي تسيرنا ، وأخشى عليّ من فقدانك وفراقك .

 

تمر هذه اللحظة صعبة قاسية ، تتمنى لو تعود لشكلها كما من عشرين عاما ..تريد نفسها أمامه صبية الثامنة عشر ، تعرف إليها حيث لم تتكلم ،وعرفته حين استفاقت أنوثتها لما مرت به ، لقد اهتدت حواسه وجوارحه لتلك المحبوبة التي سلبها الزمان منه ،كانت تعلم أن الحب إذا أراد أن يعيش فيجب أن يتوقف عليه الزمن ليصبح ذكرى كي لا يمر بخريف العمر وعجزه.

وها هو يصبح كالمارد حين يخرج من قمقم الأعماق .

وقف بكل الماضي أمامها ووقفت بكل ما حملته إياها الأيام،  يقتلها الصمت وفراغ الكلمات ومعالم الحقيقة ، و وليد زواج عاثر يلهو بين يديها .

 

قلبان في جسد واحد أصبح يتسارع نبضهما :قلب الماضي الذي لم يتوقف نبضه يوما داخلها وقلبها الآخر الذي يعمل كمضخة لاستمرار الحياة .،.لكن الماضي يستطيع أن يظل هامدا ..ساكنا ..حبيسا كما كان من عشرين عاما ، لكن ماذا تفعل بكل ما ورثته من حاضرها و أين تلقي به ؟ و هل يمكن أن تتجاهل حياة استمرت ما يقارب العشرين عاما؟!

 

فوضى القدر تعبث بكل شيء ، و تتعارك الأزمان داخلها ؛ يعلم في قرارة نفسه أنه ما هو إلا أطياف ذكرى لا يمكن أن تبدل حقيقة الأشياء أو تعيد ما راح يوما ، فيختار لذلك الحب أن يبقى كما الأفق بعيدا ، يريده نزيها عن عبث الأيام و معاولها ، يســير و يبتــعد كمــا لـو أنه لم يرَ  سوى سراب حلم جميل ،وعيون حملها من القدم كل الأماني الجميلة وتــرك لحياتها أن تستمر من دونه ،ليجنبها مرارة الاختيار ...

تعليق حول قصة (أطياف ذكرى )

بقلم الكاتب و الناقد : زكي العيلة

قصة ( أطياف ذكرى ) للقاصة ميسون أبو بكر :

نص يمتلك القدرة على إقناعنا بلغته المركزة البعيدة عن الاستطراد و الزوائد و اعتماده تقنية تيار الوعي الأقرب إلى وجدان تلك المرأة المأزومة ، الممزقة بين اختيار الماضي بحبه الذي تسرب من بين أصابعها قبل عشرين سنة حين بدأت أنوثتها في الاستفاقة أو اختيار معالم الحقيقة التي تنتشر في داخلها إشارات تحذير ، حيث نجدها ترتد إلى نفسها ، تحاورها و تناجيها بحثاً عن خلاص ( هل من السهل حقا أن نبعثر الماضي ..كل الماضي في لحظات ..هل من الممكن بسهولة أن نعود بمنتصف العمر للوراء،لنعيش ذات اللحظة التي كنا حملنا نعشها ودفناها في أعماقنا ،وقرأنا عليها السلام ؟ هل من الممكن أن ينهض شيء فينا كنهضة أهل الكهف من سباتهم ، لكن من نهض فينا بتنا غرباء عنه هو في الزمان والمكان الخطأ ..وفي الجسد الذي صار غريبا عنا ولم نعد نملك أفراحه أو أحزانه ،أو نملك خارطته ) .لتأتي النهاية قفلة محكمة لصالح إبقاء أطياف ذلك الحب الجميل في أدراج الذاكرة ، فالماضي رغم نبضاته ، يمكن أن يظل هامداً حبيساً كما كان منذ عشرين سنة ( ماذا تفعل بكل ما ورثته من حاضرها وأين تلقي به ؟ و هل يمكن أن تتجاهل  حياة استمرت ما  يقارب العشرين عاما ؟ ) .

قصة تؤكد من خلال احتفائها بطريقة تيار الوعي التي تكشف الكثير من الهواجس الداخلية لتلك المرأة أن الواقع بحقائقه المرة يظل في مجتمعاتنا أقوى من أطياف الذكرى ، حتى لو كانت محملة بالأشواق و الأحلام ، وهنا تكمن المفارقة ، و يصعب الاختيار .

 

6

خيـــانة

قصة قصيرة بقلم :ميسون ابو بكر

 

في إحد المقاهي تعودا أن يلتقيا كعاشقين هاربين من زحمة المدينة المكتظة ومن تلك العيون المصوبة نظراتها إليهما، كان هذا المقهى على أطراف المدينة التي تسكنه ا، جلسا معا على الطاولة نفسها التي تجمعهما في كل مرة ، لكنهما اليوم يلتقيان بصفة أخرى وبمشاعر ونظرات مختلفة.

تشرب هي قهوتها و تداعب أناملها فنجان القهوة البارد كمشاعرها تلك اللحظة ، و قد التصقت بقايا القهوة في قعره وعلى أطرافه مشكلة رسوما سوداء وبيضاء ، لطالما أحبت النظر إليها لترى وقع بصمات شفتيها وأنفاسها ، أحيانا ترى طيورا .. ودموعا ... وبعض فراشات ، وأحيانا ترسم القهوة على الفنجان عيونا كبيرة تحدق بها وبياضا في جانب آخر لا ينطق بشيء !.

يسألها:

- أما انتهيت؟

= من شرب القهوة!

-  بل من قراءة الفنجان!

= أنا لا أعرف قراءته ، بل تعجبني الرسوم والرموز .

برهة صمت.. تهرب الكلمات .. النظرات ضائعة لا تلتقي.. ينظر هو من نافذة قريبة منه على غيمة سوداء حجبت ضوء الشمس، فأصبح لون السماء والمكان رماديا، بينما هي تبقى نظراتها شاردة في فنجان قهوتها الفارغ ، كلمات كثيرة تزدحم في رأسها لكن أصفاد شفتيها تطبق عليه ا، تحاول جاهدة منع غيمة ضبابية في عينيها من البكاء ، تحاول ضبط أنفاسها ، لا تريده أن يشعر باضطرابها، أو يلمس مسحة الحزن على ملامحها، تريد لكبريائها ألا يتكسر أمامه، أن لا ينهار ، تحاول أن تنهي ما كان يجمعهما دون تردد ..بشموخ وكبرياء ، لا تريده أن يشعر بضعفها أو أسفها لتركه ، أقفلت على قلبها و كل ذكرياتها معه بكل قوتها ، لتنهي بثقة علاقة حب كانت عاشتها بكلها ، وعبث هو بثقتها، وضعت تلك الحظة فوق مشاعرها أكياسا من ثلج و صبر كي لا تشي بها عواطفها ، كانت تعرف أن تعوُّد الحياة من دونه شيء صعب ..ونسيانه أصعب ، لكنها امرأة تحب أن تعيش صادقة مع نفسها وعواطفها.

فتحت حقيبة يدها ، أخرجت رزمة أوراق .. وضعتها أمامه ثم قالت له:

= هذا كل ما تبقى لك عندي ، أردت أن أتخلص من أشيائك ، لا أريد لأي منها بعد الآن أن يذكرني بك ، أريد أن أتحرر منك ، يكفيني تلك الذكريات التي سيرهقني نسيانها ، لكنني يوما ما سأتحرر منها أيضا ، لست بعد اليوم ملكك ، يا صائد الأحلام ، سأبتعد بحلمي منذ اللحظة بعيدا عن أسوار حياتك ، عيناك اللتان كانتا عالمي لم تعد تعنيان لي شيئا ، لأن فتاة أخرى تسللت إليهما ، أدخلتها لعالمك خلسة ، سكنتهما بدلا مني ، هنيئا لك بها ، حبك كسحابة صيف مرت سريعا ، هو كرياح البحر تحرك مراكبه باتجاهها ، لكنني سرعان ما عدت لوعيي ونجوت بمركبي وأبصرت طريقي .

قالت كلماتها دون أن تنتظر منه دفاعا أو تبريرا ، كان قرارها حاسما ، أفرغت ما بجوفها من كلمات ثم غادرت المكان بذاكرة مشرعة للألم والنسيان.

------------------------

ستحاول لكن سيلزمها وقت طويل لتفرغ ذاكرتها منه .

كل شيء من غيره بقي كما هو ... السماء بلونها الأزرق.. والبحر بمده  و جزره.. يهدأ ويثور كعادته.؛.وظل تعاقب الليل والنهار على ما هو عليه...غير أن جراحها لم تندمل بعد ، وتلك الطاولة في ذلك المقهى بقيت تحوي ذكرياتها

 حيثما تمر بالقرب منها تبكي ثم تمسح دموعها .

تعليق1

حول قصة ( خيانة )

بقلم :عمر الهباش

ما أصعب الصفح

 

لن يستطيع أحد أن يصفح في هذا الموقف وقرارها كان صائباً لأن المشاعر والأحاسيس لا تستبدل ولا تباع و تشترى و لا يتم التساوم عليها كأنها سلعة ، اليوم نحب هذه وفي اليوم الآخر نستبدلها بأخرى وهكذا ، نعم كان القرار صائبا وكان الأجدر بها أن تفرح عندما تمر بالمقهى ، لأنها عرفته على حقيقته قبل فوات الأوان.

قصة قصيرة وجميلة من واقع الحياة المعاشة.

شكراً يا ميسون

عمر الهباش

 

تعليق2

بقلم :ابتسام كنعان

بهم وبدونهم

الغالية ميسون

امرأة غير عادية هى فقط من تكونها ، امرأة قدَّرت كينونتها ، وآثرت انسانيتها

الحياة بدونه، كما هى معه غير ان التجديد فى الأرق فقط

فلتعطيه فرصة ..... لا والف ولا

فلتنتظر ولتتريث .....لا والف لا

لو لم تكن بطلتك من هذا الصنف لعاتبتك .

مزيد من حروف ومن صنف اشتاقت الانسانية واشتقت لاظهاره ، كما هو بعيد عن التأطير المجتمعى والتنازلات

فتاريخنا النسوى لا يحتمل تنازلات جديدة

مزيد من جنون أشتاقه لنساء كتلك التى اتخذت قرارها السهل ، فزيدينا

لعلنا نرتوى .......... لعلنا نرتوى

 

- 7 -  

 جســــور الأحــــلام

قصة بقلم : ميسون أبو بكر



هي كحوريات الليل...تنتظر المساء لتصلها جسوره بأحلامها..بعالم آخر ترحل إليه كل ليلة حين تسدل السماء ستائرها... وترحل الشمس إلى الجهة الأخرى من العالم.
ترتدي معطف الأحلام ، وتشرع بوابة الذكريات ، توقد فتيلها وتبدأ برحلة الحياة.
الأحلام وحدها التي لا يستطيع أحد مصادرتها.. هي عالمنا السري الخاص، نغلق أجفاننا لنبدأ رحلتها.
في الحياة توجعنا الفرحة ، هي كالزهرة سرعان ما تذبل .. الألم والحزن يحفران بعمق داخلنا، يحددان ملامحنا بجدارة..
كانت غرتها الحياة كطفلة أخذت تركض تتبع فرحتها، تحلم .. تأمل..تمتطي صهوة الريح ..تسكن رحم الغيم، لتتبعثر كما مطره ورذاذه، كانت أضلعها تحمل قلبا ناصعا بكرا، وكانت رسمت الحياة جميلها .. رائعة داخل أسوار عينيها كما تراها في حلمها.
كان الحب يوما قرع بابها بعنف..ودون استئذان..إحساس ما تشعر به للوهلة الأولى، غمرها ..بدل شكل الكون داخلها ..أجهض ماضيها لتستبدله بحاضر بهي.
عنى لها هذا الحب الكثير ، وبدل الكثير في حياتها ، كان صاحبه هو الفارس الذي يمتطي حصانا أبيضا ..لطالما رأته في أحلامها ..لكن الأحلام تختلف تماما عن واقع الحياة، فالحياة لا تفصّل نفسها على مقاس أحلامنا أبدا.
حاولت أن تمتلك روحه ..تنصهر بمشاعره..تتوحد مع أفكاره ..أن تحيا بنبضه .. في وجدانه
لكنه لم يقدر أن يتحمل كل هذا الزخم من مشاعرها ..قتلتها أنانيته، فقد تعود دائما أن يأخذ دون أن يعرف ما هو العطاء.
كانت هي تؤمن بوجود الحب الأبدي الذّي يدوم للأبد ، وكانت تسعى جاهدة ليكون حبهما أبديّا،
فالقلب مضخة الحياة لا يمكن أن يتسع لأكثر من حبيب واحد .. ولا يمكنه أن ينبض إلاّ له.
كانت إذا أعياها عناده وحبه تقول لنفسها (هذا هو الرجل الذي قدّر أن يكون لي ، سأحاول الاحتفاظ بحبه لكي لا يفرغ قلبي منه للأبد)
كان ذات يوم قبلها، وكلما تذكر تلك القبلة ينتفض جسدها ويرتعش قلبها كعصفور بلله المطر،
كانت أهدته بقبلتها جزءا من روحها .. أنفاسها، كانت تحب أن تتذكر شفتيه ، دفء أنفاسه ، كانت حالمة جدا..شاعرة بروحها وعواطفها، لكنها كالريحانة سرعان ما تستسلم للذبول.
لم يستوعب امرأة بهذه الشفافية ..بهذه الروح الصادقة المحلقة، لم يقدر أن يتعلم منها العطاء أبدًا
كان الواقع الأليم أكبر من احتمالها، أقوى من حلمها، قدّر لها أن تتسلّم من الحياة جرعة كبيرة
من الألم ، والحزن ..فارقته لكي لا تهلك روحها، كي تنجو بحطام قلبها.
كانت تقنع نفسها بنسيانه ، وتعودها على فراقه، تقول في همس لها:(ذات يوم سأستيقظ وسيكون
كل شيء انتهى، رائحته الملتصقة بجسدي ..بأقلامي ..بأوراقي..لون عينيه..طيفه الذي أراه يتجول في كل مكان، دخان سجائره وحرائقها.. لا بد أن يأتي يوم تكون ذكراه قد انمحت تماما وسأواصل الحياة بما تبقى من حلمي، سأنتظر حلمي لأرسم داخله أسوار حياتي لتكون الحياة حلما ..سأعود أحمل أوراقي التي هجرتها، كانت تستريح والآن هي جاهزة لزراعة الحروف والكلمات في
بياضها..فالقلم ينقل تأثيرات البشر من حوله، القلم كالإنسان تماما ، ربما أكتب به عني..عن حلمي ..فبالكتابة أستطيع أن أنهض بي ..وأنفض ما بداخلي..وأحلم ..وأحلم وأحلم

 -8-

"المسافة بين العرس والمقبرة شجرة" 

قصة بقلم : ميسون ابو بكر

     تطرق حبات المطر نافذة غرفتها وكأنها تدعوها لتحضر حفلة الشتاء هذا المساء، كم تحب أن تراقب السماء وهي تبكي، ينزلق حزن السماء مع المطر، فتخلع ثوبها الضبابي ،لترتدي ثوبا ناصعا ..بينما هي تجلس تتذكر أوقاتا كانت أمضتها برفقته كهذه التي تعود السماء لتحتفل بمراسم الشتاء لكن أمامها وحدها من دونه.
هي رائحة أحضانه تتسلل إلى مخيلتها ...دفء أنفاسه..نبضاته التي كانت تشعر بها جيدا ..لقد رحل بكل هذا ولم يترك إلا ذكرياته تسكن المكان.
تركض نحو المكتبة كل تلك الكتب كان جلس برفقتها، تتصفحها علها تجده قابعا في أحد صفحاتها، تتوحد مع فكره هذه اللحظة ، كيف كان يقرأ ؟..ما الصفحة الأخيرة التي كان قرأها، وما التي عبرت إليها أنفاسه فاستوقفته أكثر من غيرها ؟ ما الجملة التي استوقفته والحكاية التي حازت على إعجابه أكثر ....
تتسلل إلى أقلامه ودفاتره... حروف خطها بنفسه ..متشابكة كلماته..غير واضحة لكنها كانت تقرؤها بسهولة ويسر، لم تسأله يوما عن كلمة عجزت عن قراءتها.
قصائد شوق وحب كان سجلها بصوته في أيام مضت، تدير المسجل فيحرقها هجير صوته يتحول الصوت إلى صورة تقف أمامها ..ترتعد ولا تقوى على المتابعة تقفل على صوته , تفتح خزانة الملابس ..ملابسه كما هي ما زالت معلقة في مكانها، تنفض عنها الغبار بين الحين والآخر، ربطات عنقه مميزة ..كانت اختارت له معظمها، تدس يدها في جيوبه واحدة ..واحدة، عله ترك شيئا ،وصية ما أو ورقة كتب عليها آخر كلماته.
غادر الحياة دون أن يتمكن أن يبوح لها بشيء، كان في جعبته شيء ما أراد أن يقوله لها ،لكنه لم يفعل ، سرقه الموت بسرعة وبقيت الحسرة تملأ قلبها ، تتخيل ماذا تراه أراد أن يقول لها؟ ماذا أراد أن يبوح؟
منديل أبيض أخرجته من جيب بدلة رمادية كان يحب لبسها كثيرا، كان هذا اللون يشبه شعره الذي زحف إليه الشيب للتو ، كان غادر الحياة في منتصف العمر بعد أن كانت أوهمته بحصاد قريب وغد مريح، ينسيه عذاباته وغربته، تضم المنديل ..تتنشقه ..فيه ترك شيئا منه، ربما مسح به عرق جبينه بعد يوم عمل مضني ، أو عبق به بعض رذاذ عطره الذي كانت تعشقه، أو علقت به بعض أنفاسه.
تركض نحو النافذة التي كان يتسلل منها إلى السماء بنظراته ، وتأملاته وأحلامه التي كان يرسمها برماد نجومها المحترقة كل مساء.
كان يحدثها عن حلمه ..تعترضه أحيانا ثم تعود لتوافقه .. من شرفته تلك كان ينظر لأبعد نقطة في الأفق ، يصل بمخيلته إلى وطنه الذي طالما تمنى أن يعود إليه، كان يقول لها :هناك سأفتح لي مكتبا .. وسيكون لنا بيت جميل، تضيف هي: أريد أن تحيط به أشجار السرو من كل الجهات، السروات شامخة أحب شموخها.. وكبرياءها
وحيث منزل والدي سأبني مسجدا، ليتذكره الناس ويتذكرونني للأبد.
وتقول: سنزور حيفا وعكا والقدس ورام الله كما فعلنا في السنوات الأولى لزواجنا، سنبحث عن خطواتنا في الأماكن ذاتها التي كنا زرناها, كان لنا هناك ذكريات جميلة لا تنسى.
تفتح ألبوم الصور ..ما أشدها إيلاما، هو هنا قابع فيها بلا حراك "أشياء الميت أحيانا تؤلم أكثر من جثة صاحبها" يقهرها أنها لا تقدر أن تعيده إلى الحياة.. بيدها فقط مجرد صور له
حنطت الزمن في فترة أو مناسبة ما.
تستمع لضجيج الليل ... تختنق بصمته ، فهي وحيدة إلا من أشيائه، وسادتها بالقرب من وسادتها لكنها خالية ..ومكانه بقي شاغرا يشغله في أحلامها.
هو كأوراق الخريف المتساقطة ،سقطت من أغصانها لكنها ظلت تحركها ذبذبات الهواء المشحونة بالكهرباء.
استله الموت لكن ذاكرتها مليئة به ... مشحونة بخطواته وابتساماته وهمساته يسكنها حتى العمق.
تنظر إلى المطر ..كأنفاسها بدأ يتسارع لا يمكنها أن توقف المطر وكذلك شريط الذكريات.
في هذا المنزل كان يسكن ومن هنا مر نعشه يوم دفنه ..أصرت أن يمر ليودع منزله الوداع الأخير، وقفت هناك بالقرب من النافذة الكبيرة وأخذت تلوح لموكب جثته حين مرت من أمامها.
واليوم سبع سنوات مرت ..تابعت هي كفاحه في الحياة ونضاله الوطني،بقيت حتى اللحظة تنبش في ذاكرتها تبحث عن أدق تفاصيلها ..أرهقها فراقه ،عيناها بعده شاردتان .. حزينتان والساعة تسير عقاربها بطيئة يذكرها الوقت به، بأولى لحظات الفجر التي كان يحب أن يشهدها ..بوقت تناول طعام الغداء الذي لم يتغير موعده يوما ، وساعة العودة من العمل مساءَ وبيده ملفات القضايا التي كان يحملها معه ليراجعها قبل أن يترافع بها في اليوم التالي ، كانت هي كل حياته وظل هو كـــــــــل ذكرياتها.

*****

تعليقات حول القصة

         

 نص يعبق عذوبة .

 

( المسافة بين العرس و المقبرة ) نص ينضح عذوبة و هو يرصد دون زعيق أو هتاف مشاعر امرأة رحل زوجها الحبيب فجأة تاركاً لها فيضاً من الذكريات الهادرة المليئة بخطواته ، و نبضاته و أحلامه و أقلامه و دفاتره و ابتساماته التي سكنت أعماقها التي أضحت خراباً و كومات فجيعة .

نص متدفق يحتاج عبقه إلى دراسة متأنية .

تمنياتي و تحياتي للمبدعة ميسون .

زكي العيلة .

 

          حبكة رائعة

 

روعة القص و الحبك و السرد تستولي على الحدث ، فتسبق الدموع الكلمات ؛ لاهثة نحو النهاية المفعمة بالذكريات

محمد رمضان

 

          إحساس عال

 

الأخت ميسون

إحساس عال بفراق الحبيب وتصوير لحالة حب لم يقض عليه الفراق الأبدي

 

أضم صوتي لصوت أخي الأستاذ زكي

النص يحتاج إلى وقفة ومساحة اكبر لدراسته

دمت معطاءة

عبد الهادي شلا

 

 

 

          فيض المشاعر

 

ما أصعب أن يفارق الانسان من يحب و لاسيما عندما يكون من المقربين 00 تاركاً له فيض من الذكريات

قصة ترصد تفاصيل الحياة ببعد انساني ووجداني00 يتدفق فيه فيض المشاعر الجياشة التي لا نملك السيطرة عليها00 دمت مبدعة يا أخت ميسون

حاتم

 

          الشاعرة /ميسون أبو بكر

 

أحاديث الذكريات هذه كانت أحاديث دموع مختلطة بأوجاع الفراق والوحدة... أحسنت يا ميسون الصياغة وكانت صياغتك مؤثرة جدا لدرجت أنني انمجت في هذا النص وكأني وسنا أو في حلم

بوركت يا ميسون

وبورك القلم ومن يحمله

عمر الهباش

 

          هو لن يعود

 

القاصة ميسون أبو بكر... تحية وبعد

 

هكذا تنتفض الروح مع وقع كلماتك ضمن أقصوصة المتزنة أدبيا ... رزينة بتسلسلها القصصي المكثف والوامض .... سريع السرد دون اقتضاب ... متأني الوصف دون تراخ أو تمتطّ لا داعي له ..

ودون الخوض بتفاصيل الومضة الجميلة ... أقول لك أُُخَيّة .. ما قال العظيم محمود درويش ..

رحل الذين تحبهم ... رحلوا

أما بطلتك التي تسري في عروقنا فهي النوار وقد تنهد ... وبطلك الراحل يندمج بها ...

..هما كالغصون إذا تميد بها الرياح

تعانقت ..

أحنت محياها الرقيق ..

كل المحبة لك وللوطن وللذكريات والراحلين والأحبة الذين لم يرحلوا رغم الموت الكثير .

... لينا أبو بكر

 

         

عشرة مشاهد مؤلمة

.. فيها من المرارة ما يكفي لصلب الذاكرة

جهاد غريب / الرياض

                                                        alwatanjg@hotmail.com

 

 

إلى متى يبقى العقل .. يحسب عدد دقائق الفراق ؟

ولحظات الحداد .. لا تخطئ العد سبع سنوات

تعبر دقائقها في الرأس .. عبر كل قنوات الألم

:

بطلة القصة .. تخترق الصمت .. وتغتال الحزن ..

ثم تصلبه على ورقه .. تنشر عليها .. قضيتها الأولى معه ..

فيها كل اللحظات .. من دونه .. مبتورة

لكنها تعيش أجمل حكاية .. مع المعاناة

مصحوبة بعذب الحروف .. فيها الأحزان كبيرة .. والذكريات كثيرة

:

يااااه .. يا ميسون

كيف الصمود أمام تلك الأنفاس ؟.

أراها ترتشف التعب ، وترطب القدر بالعتب

عشرة مشاهد مؤلمة .. فيها من المرارة ما يكفي لصلب الذاكرة

:

مشهد (1)

زمن يحمل أحزان على هامة إنسان

تدب الروح في جسده ، والنبض حائر يؤرقه

غربة توزع الشجن .. وتظل في البحر كل السفن

في زوايا الشقاء .. خبأت في جوف السلة البلاء ..

ولم تزل ..

تحتفظ بفاكهة نضجت .. من المحن

:

مشهد (2)

قابعة الآن في بعضها .. وبعضها في كلها

داخل إطار لوحة .. رسمت ملامح كانت لها

في وجه المرايا .. تفوح المأساة ..

داخل غرفه تضخ كل الدماء .. في أوردة

وتسلك أرصفة .. تقبع تحت عتمة الأزقة

نسي بندول الساعة ترميمها !

والعقرب يمضي كيفما اتفق .. بخطى من غير نسق

:

مشهد (4)

الدمعة في العين عالقة ..

تستمد من المطر بريقها

والحلم أشبه بمسطره ..

بهتت كل سنتيمتراتها

:

مشهد (5)

ذكريات كتبت كل الكلمات في سطر ..

تنفس الزجاجة قبل العطر .. تنثره غزيراً كالمطر

تأكل من الحسرات حتى الشبع .. أشواكاً من الصبر

قلم مضيء تسرب بين الأنامل ..

يلهث خلف السراب .. ويُحّلق مع الأغراب

إلى حيث وهج القمر

:

مشهد (6)

وحيدة تحمل الهم .. وتنثر الحروف بلباس الألم

وماضي لبس ثوب الصورة .. قفز بهدوء فوق المائدة

يرتقب أسى الشموع .. تحترق بفتيل الخضوع

والحسرة حائرة لا تنطفئ .. لا أمل .. لا دفء .

في لحظة واحدة فقط !

سقطت من دفتر الحاضر كل النقط

:

مشهد (7)

بقي البطل في بطن القصة .. شاهد ومشهود على نهاية ..

رصدت وهن الفؤاد .. من شح الوداد

وقسمة تعانق النصيب .. تلوّح كالشفق عند المغيب

تنتظر نشوة الحبيب .. بالقرب من براعم النحيب

:

مشهد (8)

تحت أشعة شمس الميعاد .. في دوائر فارغة ..

داخل علبة سواد .. تتدحرج كالوهم على صدر القارعة

ترضع كالطفلة أيام الهدايا .. تحمل ملفات القضايا

كأجرار الماء فوق رؤوس الصبايا .

:

مشهد (9)

تساؤل مرير ..

ما ذنبها وقد رصد في قوائم المخبوء ؟

رحلة عشيق .. رفضته الدنيا ، فغادر منها .. وبقي الضيق

على مكتب أعز من في الوجود .. هو أغلى صديق

يوجد فقط ملف واحد ..

يحمل عنوان قضيتها معه ..

وتناجي الواحد ..

رحمة .. تعيد ترتيب ..

الزحمة .. في رأسها ..

وتبقى الصدمة .. قاسية .. مؤلمة

:

المشهد الأخير

بالذكرى وحدها .. تحيا ..

تعيش بها وتشقى ..

حتى تبقى أو لا تبقى .

:

ميسون

مثيرة تلك القصة

سلمت أناملك .. وبورك الإبداع بعقلك

:

جهاد غريب

 

          حب و وفاء

 

" تركض نحو المكتبة كل تلك الكتب كان جلس برفقتها، تتصفحها علها تجده قابعا في أحد صفحاتها، تتوحد مع فكره هذه اللحظة ، كيف كان يقرأ ؟..ما الصفحة الأخيرة التي كان قرأها، وما التي عبرت إليها أنفاسه فاستوقفته أكثر من غيرها ؟ ما الجملة التي استوقفته والحكاية التي حازت على إعجابه أكثر؟؟؟ " جمل قصيرة تصدر من ألأعماق ، تراتيل في معبد الوفاء ، الوفاء حتى للأموات ، عشق و وله وآلام فراق تطحن الأحشاء .

نص رائع يا ميسون بكل  المقاييس

دمت و دام إبداعك

نزار ب. الزين

-9-

هروب إلى يــافــا

قصة قصيرة بقلم : ميسون أبوبكر

           تهرب من زحمة الحياة ومن عيونها المسلطة على خطواتها ، تنزوي بنفسها تنشد الوحدة

والهدوء، لطالما ملّت وحدتها القاسية لكنها الليلة بحاجة ماسة لها ولبعض الصمت، تريد أن

تختلي بنفسها وببعض العمر الذي أسرته في أعماق ذاكرتها.

الليلة يـافـا تدعوها لزيارتها، للانفراد بها، تطاردها ذكرياتها، هي الليلة تعجز أن تهرب منها

، أن تتابع روتين الحياة، تقفل أنوار غرفتها تدّعي النوم ..كي لا يقلق أحد رحلة ذكرياتها..

دموعها ساخنة.. تسكبها عيونها وكأنها تلفظ ما بداخلها من ألم ، غيمة ضبابية تأسر نظراتها

فلا ترى إلا انزلاق أحلامها، وتلك السنين التي مرّت من حياتها بلا لون ..وبلا حياة أيضا،

يـافـا تناديها وتستجيب لها ..تلهث بشوق وراء سحابة تقتفيها ..كانت طفلة استلقت على

رمال الشاطئ الباردة تنظر إلى السحابة المارة ..ترحل بنظراتها معها ، طرحت حينها

عشرات الأسئلة على والدها، إلى أين تذهب هذه السحابة ؟ماذا تحمل؟ لماذا لا تمطر الآن؟

هل بإمكاني اللحاق بها ؟ هل ستعود إذا رحلت؟ هل ستأخذ بحر يافا المتبخر معها؟؟؟

وقد ملّ والدها أسئلتها ..أجابها:.. ستبكي هذه السحابة بحر يافا في منطقة أخرى لتروي

عطش الصحاري والكائنات.

بقيت بعد ذلك هذه الطفلة وفيّة للمطر، أينما كانت وسقط المطر كانت تلهو معه، تحت

صفحة السماء التي تبكيه، ظنا منها أن هذه الغيوم الماطرة قادمة من يافا وحبلى بماء بحرها.

تلك الشواطئ التي لهت برمالها ما زالت تحن إليها ..تشتاقها، تتذكر الجلوس برفقة أصدافها

ومحارها، في حلمها ترى نفسها تبني من الرمل قلاعا وحصونا، تتلمس الرمال كما في طفولتها.

لم يخفها البحر يوما.. رغم تحذيرات جدتها المتكررة ألا تقترب منه، وعندما كانت تسأل

عن السبب كانت تقول لها: أن البحر ابتلع الكثيرين ، أخذهم ولم يعد بهم.

كانت تشعر بقربه بحميمية وأمان ،هو صديقها ووطنها الذي تنتمي إليه ،كانت تقول لجدتها : لم يقتل أحدا هذا البحر جدتي، هو أخذهم إلى عوالم ساحرة. لذا كانت تجلس برفقته طويلا تنتظر سندباد البحر لتبحر معه.

فلسطين..الوطن الذاكرة، ويافا من مدن الوطن التي زارتها يوما في طفولتها، للطفولة نظرة

مختلفة إلى الحياة وأشيائها، والذاكرة تجمل عناصر الطفولة لتبدو أجمل من حقيقتها.

تلك القلائد التي كانت اشترتها ما زالت تحتفظ بها في صندوق خشبي مرصع بمحار البحر،

كانت تلبس حيفا في جيدها كلما كانت تتحلّى بتلك القلائد.

في مكان آخر في ذاكرتها هناك ذاك المنزل الكبير الذي كانت تراقب من خلال نوافذه تسلل

نور الشمس إلى السماء في لحظات شروقها الأولى، فتشهد صحوة الطبيعة والكائنات ، من

تلك النافذة كانت تراقب المارين ..والفلاحين الذاهبين لحقولهم، تراقب الأطفال وهم

يصنعون لعبهم من الأعواد والأغصان والأقمشة المتبقية ، نظراتهم إليها هي دعوة

لمشاركتهم ، والنساء يقطفن حبات الصبر من ألواحها الندية..الحياة هناك شابة ..بسيطة ..

مزدحمة، كانت تدهشها غرف الطابون التي تجلس النساء فيها لخبز خبزهن، لا يكاد بيت

يخلو منها، تشاهد الرماد وتشعر بحرارة النار.

من تلك النافذة كان العالم يدخل إلى أعماقها، ويسكن ذاكرتها، ويتشكل كجزء من أحلامها

التي تهرب من جحيم غربتها إليها.

في شوارع القدس العتيقة ..مشت بملابس الصلاة البيضاء، كحمامة سلام ..بكت كما فعلت

أمها، لم تعرف يومها لم؟ لكنها خافت بكاء أمها وبكت مثلها، لم تعرف حينها أنها تبكي وطنا..

عند تلك المدينة كانت آخر رحلتها، وقد امتلأت رئتيها برائحة الوطن، وزوادة ذكرياتها به،

والليلة ركبت زورق الذكريات والريح تضرب أشرعتها، لتدفع بها نحو طفولتها،

هي أقفلت على نفسها، هربي من واقعها إلى حضن وطنها، علها تلتقي بروحها الهائمة فيه.

تفتح صغيرتها باب حجرتها ..يتسرب الضوء إلى الغرفة المظلمة فيفضح دموعها ، تبكي

الطفلــة كأمها.. لا تعرف أنهــا تبكــي وطنـــــا....

 - 10-

رســالة إلى اللــه

قصة قصيرة بقلم : ميسون أبوبكر

              ماذا تراها تفعل بنا سنون العمر..تمرّ على أديم حياتنا .. بخشونة تحفر عميقا داخلنا.. وعلى هيكلنا الخارجيّ.. بعددها ترسم خطوطا وتجاعيد ..تغيّر ملامحنا.. هي مواسم الحياة.. ومراسيمها.. إن طال بنا العمر لا بدّ أن نشهدها..نمرّها.. تحصد ربيعنا ونعيش خريفها.

كانت أرادت طفلا يشبه طفولتها ... يملأ عليها حياتها ... تلهو وتلعب معه .. وتعيد معه مباهج الحياة .

.لقد منحها الله قلبا ناصعا محبّا كقلب طفل ، لم تصل إليه أيدي الحياة لتلوّث صفوه، تملك وجه ملاك تنبعث منه البراءة والنقاء، ولها روح نقيّة حالمة..محلّقة.. أينما تواجدت ترى حولها حديقة طفولة..

أطفال تلهو معهم .. كعصافير مغردة طليقة لا تعرف التعب..كأزهار فواحة العطر، زاهية يمتلئ بهاعالمها ، كملائكة طاهرة ترفرف بأجنحتها، تنشر النقاء والحب.

وهي كنوارس البحر تفرد أجنحتها وتضمّ موجه حانية رفيقة به، آه كم تتمنى أن تصبح أما لطفل يملأ عالمها .. تمارس أمومتها معه، تمنحه كل حنان الكون ، وتعرف طعم الفرحة بوجوده معها، تتحسسّ

أحشاءها.. كم تتمنى أن تمتلأ به، أن يسكنها، أن يتململ داخلها ، ينبض بجانب نبضها، تسأل نفسها :

- كم يلزم من العمر بعد كي تصل إلى شواطئ أمل تشتهيه، القدر كالريح ..يعبث بحدائق أحلامها..

يكسر أغصانها ويعريها .. هو خريف الأمل يطول داخل حقول الحياة.

يقتلها الانتظار، تشرع لتكتب رسالة إلى الله.. لأنها تعرف أن لا ملجأ إلا إليه، ولا مخرج من كربها إلا ابه، فقد بدأ اليأس يتسلّل إلى أفكارها وحياتها، كلّ وسائل الطب الحديثة فشلت أن تمنحها طفلا تبدأ حياتها عند طلّته الأولى للحياة ..عند أول صرخة يطلقها معلنا وجوده، تنتهي من رسالتها، تسأل الريح أن تحملها معها في رحلتها .. تفكّر تارة في البحر.. موجه يرحل للبعيد لم لا أحمّله رسالتي؟ تخاف أن يمحي الماء حروفها ، هل تحمّل الرسالة لحمامة زاجلة؟ ربما سيثقلها حملها فتسقطها، فكرت أن تسافر بها جهة الشرق حيث تطلع الشمس ، لكنّ الشمس تغيب آخر النهار ..ومن جهة أخرى ستحمّلها للشجر.. لكنها تخاف أن تسقط كأوراقها .. تقرّر في النهاية أن تضعها تحت مخدّتها فالله يعلم ما نخفي وما نعلن .. هو أعلم بقلّة حيلتها .. وبتضرّعها إليه.. وبحلمها بطفل...

-11-

  حين تعـــود الحياة
فصة بقلم : ميسون أبو بكر

قبل شهرين تماما وفي ذات المبنى الذي يقفان فيه وحيدين هذه اللحظة، كانا قدما
لاستقبال ابنتهم وأحفادهم ، هناك من خلف الأبواب الزجاجية وقفا حينها ساعة
كاملة ينتظران خروجهم يملؤهما الشوق واللهفة والانتظار، ونظراتهما تتنقل هنا
وهناك بحثا عنهم بين جموع القادمين، واليوم وقبل دقائق معدودة كان الأحبة رحلوا
من هنا أيضا لكن من البوابة الأخرى حيث توقفت نظراتهما عندها حتى تواروا
وحقائبهم، وكل اللحظات الجميلة التي عاشوها برفقتهم، من هنا رحلت الحياة..
بمباهجها.. وفرحها ..وصخبها..ودّعوا للتو آخر ضحكة ..لقد رحل أحبّتهم بقلبيهما
أيضا، ولم يبق سوى جسدين وحافظة ذكريات.
بصمت ودّعا مطار اللقاء والوداع، كان صمتهما يعبر عن ألم يكاد يفتك بهما،وضبابة
من الدمع تشي بمرارة ما يشعران به.
ستتجمّد الحياة لعام آخر ، ستمرّ فصول السنة كالعادة من دونهم، وسيكون الصيف
هو فصل اللقاء ، والحياة واكتناز الذكريات.
تسير السيّارة في طريق طويل تقف الأشجار على جانبيه ، لا يقطع الصمت سوى
ضجيج أفكارهما، ودموعهما وصوت محرك السيارة، قبل الآن كانت مليئة بهم، بفرحهم
..بضحكاتهم وقصصهم الطفولية المنسكبة من خيالات الطفولة المحلقة، كان الوقت
برفقتهم يمر بسرعة والآن ما أطول الطريق وما أبطأ الثواني وما أكبر فراغهما، إنه
ضجيج الذكريات وألم الفراق .
تسأل نفسها :كيف تراها ستستوعب المنزل بدونهم؟ ومن غير أن يكونوا فيه؟ يرتفع
صوت بكائها رغما عنها، هي غصة تكاد تخنق أنفاسها وغيمة من دموع تحجب رؤاها.
تتلمّس يداها المقاعد حيث جلسوا ..تعثر على لعبة صغيرة هي لدنيا ..آه لقد نسيتها..
آه ما أقسى أشياء الغائبين حين تحضر بدلا منهم، تضمّها إلى صدرها بقوّة.. يظهر
نبضها واضحا في شرايين يديها البارزة من تحت جلد مترهّل، وقت قدومهم كانت
سنوات العمر توقفت عند فرحها ..كانت وكأنها ابنة الثلاثين عاما والآن يسترجع الحزن
أعوامها الستين بل يزيدها عشرة أعوام أخرى..للحزن يدين قاسيتين تعبثان بكل شيء،
وللذكرى أجراس لا تهدأ أبدا، وللقدر قسوة لا ترأف بقلبها ..ماذا سيفعلان بعد اليوم؟
ستكون الحياة كئيبة .. صامتة وسيعود الوقت مملاّ بطيئا.
يدخلان المنزل، يجدان كل أشيائه باهتة لا حراك ولا فرح، تجلس على كرسيّ عند
الباب لتلتقط أنفاسها، يمرّ بها طيفهم ، تراهم في كل مكان ..هناك على الأريكة
المواجهة لها كان عمر ينام حين يرهقه التعب فتهرع إليه بغطاء خفيف وقبلة دافئة،
وهناك من زجاج النافذة الكبيرة كانت تقف تنتظر سلاف بقلب يكاد يخرج من مكانه
خوفا عليها، وعندما كانت تلمحها من بعيد تسرع لتفتح الباب وتنتظرها لتضمها
وتقبلها .
كل ركن في المنزل يذّكرها بهم ، تطارد ذكراهم فلا تحتمل الركض وراء دقائق هي
أبعد ما يكون الآن عنها، مريرة وقاسية هي الغربة التي سلبتهم منها ، ومن العيش معا،
تتذكّر أياما مضت في طفولتها حيث كان الأحبة والأهل معا يعيشون ويأكلون ويمرحون
تحت سقف واحد يجمعهم ، تتوق لتلك الحياة الدافئة والهادئة، وهل الماضي يعود؟ لكانت
أحبت حاضرها، إن ما تفقده في غمرة الحياة لا يمكنك أن تلتقيه إلا في رحاب الحلم فقط،
تتذكر الأرض التي أخرجوا منها مرغمين، وباحة المنزل التي كانت الشمس تتسلّق
فناءها كل النهار، وتلك الأشجار الواقفة في باحة المنزل والتي كان الأطفال يحبون
اللهو والمرح برفقتها وعلى أغصانها، ما أجمل جمعة الأهل ومشاركتهم الوطن أرضه
وماءه وهواءه، واليوم هم مشتتون في أراضي الله الواسعة لا يجتمعون سوى لأيام
معدودة، تأكل الغربة سنينهم النضرة ، وتسلب طفولة أولئك الصغار الذين لا ينعمون
بحياة طبيعية حيث يقيمون، تبعثر الريح أحلامهم ، وتكسّر زوارقهم في رحلتهم الطويلة
بعيدا عن الوطن.
تنهض من حزنها، وتربّت على كتف زوجها، وتقول له سننتظرهم فهم قادمون في العام
القادم حيث تعود الحياة، هيّا لنسقي ورودهم وشجيراتهم الصغيرة لتبقى تفوح بعطرهم
وبذكراهم .

-12-

فــراغ

ثلاث أقاصيص قصــيرة..
بقلم : ميسون أبــوبكر


(1)
فــراغ..
ينام معهــا على الوسادة ذاتها..
تسمــع شخيره طــول الليل..
فلا تنــام ولا يغــفى لها جفن..
وعندمــا تنظــر إلى الجــهة الأخرى ..لا ترى شيئا

(2)
أحلام..
يراها وهو يرقد تحت شجرة تين..
يدهشه جمــالها..يســألها:
جنـّـيـّة؟ أم حــوريـّة ؟ من أين أتيت؟
:
:
تمطر السمــاء فتغســل عينيه فيصحو.
أين الشجــرة.. والحــوريـّة ؟
يتذكر ..
في الحلــم رأى أنه ينام تحت شجرة تين،
وفي الحلم رأى حوريـّة نور
هي نشوة عــاشق كانت..
ونشوة وطن ٍ حلم به مستلق ٍ فوق عشبه الأخضر،
تحت شجرة تين لم تنمو إلا ّ في وطنه ..
أو حلـــــــــمه..

(3)
سمــاء وأرض..
تلهــو برفقــة النـّســائم ، وتلعب مع الـزّهور،
وتراقص العنــادل..
حين تضحك تملأ الدّنيا بهــجة وسرورا ..وحيــاة.
اغتــالها صــائد زهــور وعصــافير
سقطت مضــرّجة بطفولتها المغتصبة..
تنطفئ الشـّمس بغيمه..
يختنق الأثــير..
وتــرقد هي كسيقان الزهور تحت الأرض بدلا من أعلاها..
فتصافح الحياة الموت.. وتُقـبـّل السماء أديــم الأرض.

13

 امرأة مزيـّـفة

قصة بقلم: ميسون أبوبكر


(1)

تدلـّله طول الليل.. بكلام معسـول يأسر لبه، قبلات تنهال على جسده،
ورنين صوتها الأنثوي ..يحرّك كل مشاعره،
وفي الصـّباح تذهب لتبتاع ثوبا ..وعقدا ذهبيـّا ..وخاتما ماسيـّا.
وبعـد أسبوع تعود لتشهر أسلحة أنوثتها أمام رغباته ، بانتظار تقديم
لائحة مطالب أخرى تقبض ثمنها صباح اليوم التالي.


(2) توســُّـل

تستعجل العمر ليهديها تفاحتين ناضجتين ..وساقين طويلتين كزرافة،
ومــا أن تقارب عقدها الرابع حتى تتوسـّـله أن يتوقـّف كي لا يعود
ويـأخذ مــا أعطاها.

(3) مــرايا

يصــعد البــحر ليسكن الســماء في حضــرة شمس ٍ حــارقة،
والسـّمـاء لا تدنو أبــدا ً من الأرض .. إلا ّ فــي مــرايا الــماء.


(4) خســارة

أغـراها بريــق الذّهب في ساعته، ثوبه الأبيض الممتلئ الجيوب..
الأقدام المتعفرة برمل الصحراء الحبــلى بالذهب الأسود،
هو زبون دائم في المحل الذي تعمل فيه، وينفق بسخــاء،
قطف زهــرتها ، وألقى أوراقها في مكـب ّ النفايات في طريق عودته
ليعود أدراجه بدونها ممتلئـًا بالنشوة واللذة ، وتركــــــها..
في جســـد امـــرأةٍ ..وبيدها جهاز جــوّال حديث ومطــوّر.

 14

ثلاث أقاصيص

بقلم ميسون أبو بكر

 دنيا الوطن

(1)
فــراغ..
ينام معهــا على الوسادة ذاتها..
تسمــع شخيره طــول الليل..
فلا تنــام ولا يغــفى لها جفن..
وعندمــا تنظــر إلى الجــهة الأخرى ..لا ترى شيئا

(2)
أحلام..
يراها وهو يرقد تحت شجرة تين..
يدهشه جمــالها..يســألها:
جنـّـيـّة؟ أم حــوريـّة ؟ من أين أتيت؟
تمطر السمــاء فتغســل عينيه فيصحو.
أين الشجــرة.. والحــوريـّة ؟
يتذكر ..
في الحلــم رأى أنه ينام تحت شجرة تين،
وفي الحلم رأى حوريـّة نور
هي نشوة عــاشق كانت..
ونشوة وطن ٍ حلم به مستلق ٍ فوق عشبه الأخضر،
تحت شجرة تين لم تنمو إلا ّ في وطنه ..
أو حلـــــــــمه..

(3)
سمــاء وأرض..
تلهــو برفقــة النـّســائم ، وتلعب مع الـزّهور،
وتراقص العنــادل..
حين تضحك تملأ الدّنيا بهــجة وسرورا ..وحيــاة.
اغتــالها صــائد زهــور وعصــافير
سقطت مضــرّجة بطفولتها المغتصبة..
تنطفئ الشـّمس بغيمه..
يختنق الأثــير..
وتــرقد هي كسيقان الزهور تحت الأرض بدلا من أعلاها..
فتصافح الحياة الموت.. وتُقـبـّل السماء أديــم الأرض.

-15-

وجــــوه مزيّـــفة

(حــوار)

بقلم : ميسون أبو بكر
 


*حياة: عمت مساء..
الأخرى: ملأك الله بالحب والسعادة، وأنعم عليك بمساءات هادئة تشتاقين سكونها.
*حياة: كيف نهارات لندن ومساءاتها؟
الأخرى: مغبرّة بالضّباب، لا معالم واضحة سوى خُطـا غربتي، وبعض دمعات
حزني وزفراتي، أمّـا مساءاتها هادئة إلاّ من صفير القطارات فــي الأنفاق......
.. وصرخات الأرواح الهائمة تقرع أجراس الصّمت في الليالي الحالكة.
*حياة: أنت كمـا أنت ، تخرج الحروف من أعماقك ثملة تترنّح على أسوار الحياة،
تلتقط أنفاسها من فوّهةٍ صغيرةٍ في أعلى السّماء، تطلّ على جنان مُخيّلتك.
الأخرى:كيف أحوالك أنت؟
*حياة: أشتاقك كثيرا، تبكيني كلّ ذكرياتنا الجميلة معـًا، أخاف الاقتراب أحيانا من
أسوار الذّاكرة كي لا أحترق بها.
وحين تعاركني الحياة أشعر بحاجتي إليك تعينينني عليها، أحكي لك فتسمعين، وأبكي
لتجفّف كلماتك دمعي، لقد ترك رحيلك في أعماقي ومحيطي فراغًا كبيرا.
الأخرى: أنت قويّة بقدر الحب الذي يسكنك، بقدر عطائك لمن حولك، أنت مدهشة،
تحيّرني الكثير من الأمور التي تفعلينها ولا أملك لها تفسيرا سوى أنّ لك قلبا كبيرا
يتّسع كلّ البشر.
*حيـاة: كيف هم أصدقاؤك الجدد؟ هل ألفت أحدا حيث تقيمين؟
الأخرى: لا أصدقاء بعد، معارفي كثر..لكنني لا أكوّن صداقاتي بسهولة، يلزمني
وقت طويل حتّى يحتلّ أحدهم مرتبة صداقتي.
في هذا الأمر أنا أختلف عنك كثيرا، فأنت دائما حبيبتي تتخطّين أخطاء الكثيرين،
وتبرّرين هفواتهم، أمّا أنا فلا لأنّي أدرك تماما أنّ كلٌّ مسؤول عن أقواله وأفعاله
ومواقفه.
تدهشني قدرتك على الصّفح عن أناس ٍ كنت كشفت ٍ وجوههم الحقيقيّة بعد تلاشي
أقنعتها.
*حياة: التّسامح هو ركائز الدّيمومة في علاقتنا مع الآخرين،وفي استمرار الحياة
،صحيح أنهم يحفرون داخلي عميقا بكثير ٍ من الأسى والجراح..لكن ّ الزّمن كفيل
بنسيانها، وجدت لغة مع كثرة تجاربي ومعاركتي للحياة أستطيع أن أتفاهم بها معهم.
الأخرى: لا أتقن إلاّ لغة ً واحدة .. ولا أملك النسيان كي لا أمتهن نفسي.
*حياة: يلزمنا في الكثير من الأحيان بعض الصبر ..والحكمة ..والحب، تتهيّأ لي
اللحظة صورة لمريم العذراء كنت رأيتها في إحدى الكنائس التي زرتها أثناء
رحلاتي السّياحيّة، كانت واقفة وعلى قدمها تلتفّ حيّة، والحيّة تجلب الخير والشرّ،
لكنّ العذراء تُبقي هذا الثّعبان على توازن ٍ بواسطة حبّها، لذا ينبغي للحب السيطرة
على الخير والشّر.
الأخرى: أنت تمنحين الناس كلّ الصّدق والحب وهم لا يعطونك إلاّ الذّكريات
المليئة بالألم.
*حياة: بعضهم نعم، هكذا هي الحياة.
الأخرى: الحب كالمطر تماما ، فالمطر يبقى نقيـّا طالما لم يلامس الأرض، والحب
يبقى كذلك ما لم يسكن قلوب البشر المليئة بالمتناقضات.
*حياة: ربّـما....!!
الأخرى: كلّ الدّروب تصبح وعرة مرّة واحدة، لا أعرف أيها أسلك!
*حياة: يقول كونفوشيوس"بأنّ الكثيرين يبحثون عن السّعادة فيما هو أعلى من
قامتهم، وأخرين فيما هو أدنى منهم، مع أنّ السّعادة بطول قامتنا تماما"
الأخرى: تدهشني رؤيتك للأمور، تبسّطين الحياة بعباراتك، عندما أنتهي من
الحديث إليك وأعود لوحدتي تتبادر كلماتك إلى ذهني كسمفونيّة.. كموسيقى .
(هدوء للحظات ثم يتواصل الحديث)
*حياة: أتعلمين ! جوّ الشّتاء جميل وحزين ، تنطفئ الشّمس بسرعة ويطول اللّيل
الذي أحبّ صحبته، صرت أسلـّيني بسماع بعض الموسيقى الهادئة، هي تسافر
بي بعيدا ، أحسّ أنّها صوت ألم ٍ وفرح في آن ٍ واحد، تبكيني وتريحني!
الأخرى: الموسيقى كطبيب ٍ نفسيّ يقوم بتنويمك مغناطيسيّـًا فيوجّهك لقرارة
أعماقك.. تنثرين ما فيها على هيأة انفعالات ٍ معيّنة لتريحي نفسك قليلاً.
*حياة: اشتقت بحرنا!!!!
الأخرى: اقصديه إذ ًا..
*حياة: حاولت منذ رحيلك لكنّني لم أستطع ، عندما تضيق بي الدّنيا لا أفكّر إلاّ
بالهروب إليه، ثمّ تطاردني ذكرياتنا بصحبته وأبكيك.
الأخرى: البكاء يريحنا أحيانا كثيرة، هو لغة العين المكتنزة بالألم وغيمات ضباب
تنزلق مع حبات الدّمع.
*حياة: مـا أشهى صحبة البحر والموج والنّوارس البيضاء والشّواطئ المبلّلة
برذاذه، والمحار الذي ألقاه المدّ فوق رماله.
الأخرى: أتذكرين تلك الصّدفة التي ابتعناها من الصّبي ذو الطّاقيّة الحمراء؟
*حياة: كاد الصّبيّ يموت خوفا أن تسقط من يدك فتُكسر وقد راقتك إخافته.
الأخرى: ما أحلى أن نعيش جنوننا !
*حياة: نحن مجانين لأنّنا نعيش عالمنا الخاص بنا .
الأخرى: النّاس الّذين يرضون بحياتهم كما هي هم المجانين وليس نحن.
*حياة: وماذا عن الصّدفة الكبيرة؟
الأخرى: هي أغلى ما أملك ، عندما أريد استحضارك والبحر أضعها بالقرب
من أذني وأغلق عينيّ وإذا بصوت الموج يعبر لي من داخلها.
*حياة: هي تختزن البحر بداخلها ، وإلاّ كيف تأتي بصوته! أتعلمين اشتقت
للهونا، لصحبة همنغواي وباولو كويلو وزوربا.
الأخرى: يذكّرني زوربا بكلينا.
*حياة: نعم نحن كرنفاليون مثله، تدهشنا دقائق الحياة حين نستمتع برؤيتها
في كلّ مرّة نراها فيها وكأنّها المرّة الأولى.
الأخرى: أنت كبيرة الشّبه به!
*حياة: لكنّني لست مثله أجيد عزف السمنتوري؟
الأخرى: أنت عازفة بارعة بحروفك على أوتار القلوب الّتي تقرأك، للموسيقى
صوت، وللشعر والأدب صوت أيضا وللحروف عزف تنفرد به القلوب المرهفة.
*حياة: عودي لتعود الحياة.
الأخرى: الحياة تسكنك يا حياة، فلا تدعي الأقدار تعبث بك، استمرّي في عصيانها
كوني كما أنت رائعة ..مدهشة.
*حياة: وأنت تذكّري ألأّ يخيفك ضباب لندن، فأنت شرقيّة تحملين الشّمس بداخلك.
الأخرى: سأستعين بقراءة روائع الأدب كي تصلني بك أكثر، سأعود وأناقش ما أقرأ
معك.
*حياة: وأنا سأكمل قراءة تلك الكتب التي أهديتني إياها، وسأقرأ الهوامش الّتي كنت
كتبتها بقلم الرّصاص لأرى أيّ السّطور أعجبتك، وأيّ العبارات هزّتك.
الأخرى: إلى اللقاء إذا .
*حياة: لقاء الأدب والشّعر والأساطير المذهلة.
ميسون أبوبكر

16

ألا تأتين ؟

قصة بقلم : ميسون أبوبكر

      هاتفها من مدينتها التي تحب ، فاجأها صوته يحمل في طياته همسات المطر، ونسمات الريح المحملة بكل الذكريات التي كانت تركتها هناك، أخبرها أنه يسير اللحظة في شوارع المدينة التي عربد بها جنونهما ، والتي احترقت على أديمها خطواتهما في الليالي الباردة لتدفئ حضن الأرض.
من هناك جاءها بكل الفرح والحزن والأمل وبالأحلام الشاردة التي تنتظر ما بين الصحوة والرحيل، فاستفاقت ذاتها، ثار الحنين، وتأجج داخل قلب أرهقه ما يحمل من عناء الذكريات
، ما بين الوقت والآخر كان صوته يأتيها بالحياة ..بالأمل..بفرح كانت نسيت مذاق سعادته، كان الليل أول قاطرة تستقلها في أيامها المسكونة بالوحدة ليصلها بأول محطة تنشد فيها الرفقة، وحبّ ٍ كانت تدرك كم هو عقيم ، لكنها كانت تسير إليه، شاق هو طريقها، البداية واحدة لكن النهايات كثيرة، ، أي درب كانت ستنتهي إليه فإنه لن يصلها به.
تلملم الحروف المختنقة قبل أن تطرح عليه سؤالها: ماالذي ذهب بك وحدك حيث تعودنا أن نلتقي سويا؟
أجابها:أنا لست وحدي ، لقد ذهبت بك معي، كنت برفقتي في كل شارع مررت به ، وعلى كل طاولة جلست عليها، وكل صباح كانت شمسه تأتيني بك فإنها تحمل للكون ابتسامتك فيشرق الكون فرحا، و في المساء سرت في المدينة التي تعودنا أن نهرب إليها قبيل المغيب بلحظات لنشهد لحظة انطفاء الشمس واحتضانها أديم الأرض.
كان يرى لحظة الغروب من خلال عينيها حين يلونهما الشفق، كانت تدهشه طفولتها وهي تخرج كالمارد من أعماق امرأة تعوّدها الحزن، واليوم هو وحيد هناك يطارد رماد أحلامهما.
الطريق طويلة على جانبيها تقف الأشجار وأغصانها تتشابك كأيدي العشاق فتظلل الدرب، الأشجار تـُصبح واقفة، وتنام واقفة وتحتضر واقفة وعندما تموت تظل واقفة أيضا، تخيّل كم هي تشبه الأشجار في أطوارها، فرحا وحزنا وألما وعطاء ، حين تكون فإنها تحمل الفرح وتلقي به ككرة ثلجية تداعبك بها ،تغمرك بضحكاتها وتحملك على هودج أحلامها لتعبر بك صحاري الدنيا المحرقة، وحين تكون في قوقعة الألم تجدها كشرنقة انزوت على نفسها كي لا ترى دمعها ولا يؤلمك حزنها .
أتاها صوته بمدينتهما ، عبر بها دروب الذكريات وصعد بها جبالها الشامخة التي تعودت النظر منها إلى المدن الغافية بين أحضان وهادها، كانت تهاب المرتفعات ويحب هو الصعود بها إليها لأنها كانت تقبض بشدة على يده فلا يفكر تلك اللحظة إلا بدفء كفها، وبالأمان الذي يمكنه منحها لها في لحظة تهرب إليه من خوفها.
تعلمت هي كيف تجابه قسوة القدر ببرودة امرأة تناولت للتو حبة مسكن لألم الحياة، تلوك دهشتها وتبلع غصتها ، وتتابع بوجه تعود أن يبتسم رغم كل شيء .
تسأله : لماذا ذهبت هناك؟
يجيبها: لأستحضرك ، ضاقت بي المدن، حاصرني غيابك، والحنين إليك، فهربت لأعود وأطارد سرابا آخر أعرف أنني في نهاية سعيي لن أعود بشي إلا بوهم أكتنزك داخله .
ذهبت أتفقد الأشجار التي طرزنا اسمينا على أثوابها، والفصول التي شهدنا مراسمها هناك، والمقاهي التي شاركتنا صمتنا وبوحنا، والصباحات التي كانت تغضبنا حين تطوي فراش الليل وتفرد أغطيتها البيضاء لنكف عبثنا وسهرنا فنطفئ شموع الليل التي كنا أشعلناها،
أتفقد أرجوحتك التي كنت تعبرين منها إلى عالمك فتمتعين الحياة بضحكات امرأة استفاقت بها طفولتها اللحظة،حين كنت أهز أرجوحتك كنت أهز الكون، أنا هنا لأعيد أسطورتي،
خرافية أنت حين تكونين أو تحضر ذكراك بدلا منك، وأنا المجنون الذي اختار أن يعشق امرأة لا يمكن له أن يملك إلا طيفها وذكراها وحزنها.
سيدتي .. حبك كالسحر..هل أملك أن أتحرر من شعوذة السحر؟ ماذا يمكن لهذا الحب أن يتشكل؟ بأي مسمى ؟ عصية هي الأقدار ونحن مرتبطون بقلوبنا حيث لا نملك أن نكتب صكوكها وعهودها بأيدينا، كم أنت رائعة... عذبة... أنت امرأة الغيم ، وسيدة المطر، نسجت فيك قصائدي وأهديتني عبق العمر، والآن أتساءل كيف يمكنني أن أمضي الحياة بدونك؟ كيف يمكن لدورة الحياة أن تكون بلا هواء وماء وضياء؟؟
أيتها الخرافية .. اهطلي اللحظة كما السماء عندما تسقط ماءها فتحيا الكائنات وتكون الحياة.
هيا تعالي .. تعالي لنصنع الحياة ،لنكون كما نريد ، لا كما تريد الحياة.
المدينة الغافية على حزنها بعد رحيلك تنادي فتاتها، الشجرات الواقفات قرب المنزل ينتظرنك، المحال تفتح أبوابها طول اليوم بانتظار قامتك أن تمر ..
تعاليّ .. ألا تأتين؟؟؟؟

  -17-

ثلاث قصص قصــيرة  جداً

ميسون أبــوبكر

 

(1)

فــراغ..

ينام معهــا على الوسادة ذاتها..

تسمــع شخيره طــول الليل..

فلا تنــام ولا يغــفى لها جفن..

وعندمــا تنظــر إلى الجــهة الأخرى ..لا ترى شيئا

 

(2)

أحلام..

يراها وهو يرقد تحت شجرة تين..

يدهشه جمــالها..يســألها:

جنـّـيـّة؟ أم حــوريـّة ؟ من أين أتيت؟

:

:

تمطر السمــاء فتغســل عينيه فيصحو.

أين الشجــرة.. والحــوريـّة ؟

يتذكر ..

في الحلــم رأى أنه ينام تحت شجرة تين،

وفي الحلم رأى حوريـّة نور

هي نشوة عــاشق كانت..

ونشوة وطن ٍ حلم به مستلق ٍ فوق عشبه الأخضر،

تحت شجرة تين لم تنمو إلا ّ في وطنه ..

أو حلـــــــــمه..

 

(3)

سمــاء وأرض..

تلهــو برفقــة النـّســائم ، وتلعب مع الـزّهور،

وتراقص العنــادل..

حين تضحك تملأ الدّنيا بهــجة وسرورا ..وحيــاة.

اغتــالها صــائد زهــور وعصــافير

سقطت مضــرّجة بطفولتها المغتصبة..

تنطفئ الشـّمس بغيمه..

يختنق الأثــير..

وتــرقد هي كسيقان الزهور تحت الأرض بدلا من أعلاها..

فتصافح الحياة الموت.. وتُقـبـّل السماء أديــم الأرض.

الشعر و الخواطر الشعرية

-1-

تصــــوف

قصيدة شعرية بقلم : ميسون أبو بكر

 

وعدت وحيـــدا

أسكن روحــي جنان الإلــــه...

وأملأ صدري هواء نقيــا

وساعــة عمــري ابتــدت في علاه..

مــا كـانت الأرض وعــدي

ولا كــان في الأرض مهــدي

أأرضى خــلافة شعــب غواهــم فتـات الـحيـاه..

وأسـري بـروحـي سمــاء الإلــه

أصوم .. أصــلي

تطهر روحـــي ميــاه الجنــان

وأزهو وأصفو كــزهر البنفسـج

وأقــتات صبــري

وأرجو لــقاء الإلـــه..

إليه نسير ونرجــو رضــاه

نودع دنيا ونسعى لأخرى

نموت لنحــــيا

نقــول وداعـــا لهــذي الحـــياة...

أقابل ربي بصدق النوايـــا

بطهــر الفؤاد

أسبح ليلا ... أسبح فجرا

أبيع زماني لأنجـــو بنفســـي

فمـــا مـــات يومـــا ضمــير التقــاة...

وألـــقي بشهــوة نفسي

بكــل ذنوبـــي

وأغسل روحي وأرقى بها لعنان السماء...

يزلزل قلبي ... وأدعو إلهي بحسن الختام

أودع دنيا أنا لست منها

ولا كنت فيها

أعاهد نفسي بألا أضِل

ولا أن أضَل

فألـــقى الإله بطهر فؤادي

بصوت صريح...وقلب رضي

 -2-

 شهوة اللــــقاء

شعر ميسون أبو بكر

هـي ذ ي تلال ُ المـوج ِ تحملُ نعشَه

سود ُ الغمام ِ ظـلالـُه

والـريح ُ أشرعة ٌ لــهُ..

ونوارس ُ البــحرِ الصّديقة ِ

ســابقاتٍ خطوَه..

تلكَ الشواطئُ حافيات

بـانتظــار ِ لقــائِهِ..

تلك الـدّيارُ.. سهولـُها

ودروبـُـها.. وجــبالـُها

مــرجٌ لــهُ..

وعــلى لـحــاء التّــين والزّيتــونِ

طـَــرْزُ حـــروفــهِ

مــا كـــانَ أبْلاها الزّمـــانُ

ولا تلاشى اِسمُهُ...

وصبيّــة ٌ عنْد َ الطّريـــقْ

فــي جيدها رســمٌ لــهُ...

كــانت رفيقــة َ لــهوِه ِ

ذكــرى طفولتــه ِ التـي

في الوردِ خبّــأَ َ عطْــرَها

والبــحْرُ ضــمّ أنينـَــها

ليـــعــودَ يسْــمعـُه ُ لــــه ُ...

هــــوَ.... هــلْ يــعــــودْ؟

ظـــلّت ْ تؤرّق ُ ليـــلـَهُ..

فهنـــاك َ أشياءُ الطـّفـــولةِ والصـّبَا

وطــــنٌ أضــــاعَ العمــْــر يــحـْــلُـمُ ضــمّـَـه ُ..

أُمٌّ تــقــرّحَ حــزنُــها

وأ بٌ تــعاظــمَ شــوْقـُه..

والــيوم َ يــحْملــُـه الأحبـــة ُ للثــرَى

جســــد ًا تبــخّر َ روحـُــــه......