www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 عالم الإنترنت والتكنولوجيا

تكنولوجيا

 مواد ذكية تداوي شروخها ذاتياً

إعداد: محمد هاني عطوي

       التوصل الى اكتشاف مواد تمتلك صفات فائقة، كان الهدف الأسمى للباحثين منذ فترة طويلة، ويعلم الباحثون جيداً ان فعالية ومتانة هذه المواد تعتمد على دوامها أو مدة بقائها وعلى نسبة الأمان التي تمكن مستخدميها من استغلالها. وحتى اليوم لا يمتلك العلماء اختباراً معيناً يمكّنهم من التنبؤ بشكل دقيق إن كانت سكة الحديد ستتفسخ في هذه الفترة أو تلك، أو إن كان جناح الطائرة سيتهشم في هذا الوقت أو ذاك.

من ناحية ثانية، كان البحث عن مواد ذات مقاومة شديدة ينطوي على صعوبات تمويلية لأن صيانة واستبدال الجزء المعطوف لطريق ما او لسكة حديد يتطلب ملايين الدولارات، وفي هذه الحالة يصبح البحث عن مواد ذات كفاءة مرتفعة وسعر زهيد نسبياً من الامور التي تحث العلماء على البحث بكل قوة. وفي هذا الإطار، لا يتوقف العلماء عن التفكير، فمهندسو المواد يتطلعون خلال السنوات الخمس المقبلة الى انتاج مواد ذاتية الترميم اي انها قادرة على إصلاح نفسها بنفسها، ومن المتوقع طرح الجيل الاول من هذه المواد مع بداية عام 2010.

ولنا ان نتخيل، على سبيل المثال، زجاج نافذة متفسخاً وقد بدأ يتعافى ويصلح نفسه بنفسه ويعود كما كان في غمضة عين، وقبل ان تنتقل التشققات الدقيقة من جزء الى آخر لتشمل كل اجزاء زجاج النافذة. ربما يتصور البعض اننا نشاهد أحد افلام الخيال العلمي، ولكن ذلك واقع  قريب، فالمواد ذاتية التصليح أو الترميم في طريقها الى ان تصبح حقيقة ملموسة بالفعل.

ومن اكثر الاشياء اهمية في الوقت الراهن، ما تقوم به القوات البحرية الامريكية لحماية مخزونها من وقود طائراتها وانقاذها من السقوط عند تعرضها للصواريخ المعادية. ويطلق على هذه المواد تعبير (SURLYM)، وهو نوع من البلاستيك الشفاف الذي يمتلك خاصية إعادة الانسداد الذاتي عند تعرضه لطلق ناري. والمدهش ان اكتشاف هذا البلاستيك في ستينات القرن الماضي على يد الامريكي ديبون مخترع النايلون كان مصادفة كما يحدث دائما في معظم الابحاث العلمية. وصنع هذا البلاستيك من مركبات كيميائية متعددة الجزيئات وذلك باستخدام طريقة التكثيف.

ويشير المهندس كريستوفر كوجلين من مركز الانظمة التابع لطيران البحرية الامريكية، الى ان فائدة هذه المواد تكمن في قدرتها على مقاومة الصدمات والكشط وانها طرحت في الاسواق واستخدمت في تصنيع كرات الجولف لتجنب تعرضها للتشوه والتغير جراء الضرب المستمر. وجاءت المفاجأة عندما كان فريق من الباحثين يجري تجارب عام 2001 على هذه المواد في جامعة فيرجينيا ولاحظوا انها تصلح نفسها بنفسها بعد ان يطلقوا عليها بضع طلقات من البندقية. ومنذ تلك اللحظة لم يكف المهندس كوجلين وفريقه العلمي عن دراسة خصائص هذا البلاستيك والتعرف إلى الآلية التي تجعله يسلك هذا السلوك الغريب. وكمرحلة اولى أجرى الفريق العلمي عدة اختبارات على عينات يبلغ سمكها 1،5 ملم فقط باستخدام انواع مختلفة من الطلقات، واثناء التجربة تبين للباحثين ان اصطدام الرصاصة بالبلاستيك يؤدي الى ذوبانه موضعياً تحت تأثير الحرارة المنبثقة عن الطاقة المرتبطة بسرعة الطلقة. ولوحظ كذلك ان حواف الثقب المتكون بفعل الطلقة، تتجاذب بفضل تفاعلات ايونية وتلتحم تلقائياً بشكل ذاتي. ولكن لماذا يتوفر هذا الامر في هذه المادة وليس في غيرها من المواد البلاستيكية الاخرى؟

هذا ما يحاول الفريق العامل في مختبر باسيتكسون رايفر في ميريلاند من معرفته الآن. ويعتقد الباحثون الامريكيون ان مادة ال SURLYM تمتلك هذه الصفات المميزة من خلال تركيبها الخاص المكون من جزيئات البوليثين مادة بلاستيكية ناجمة عن تكثيف الايثيلين التي تصنع منها الاكياس البلاستيكية التي نستخدمها يوميا والتي يوجد بينها فراغات من جزيئات حمض الميثاكريليك مركب عضوي يستخدم في صنع زجاج الوقاية المرتبط بدوره بالأيونات. وتسهم عملية التجاذب بين هذه الأيونات على منح ال SURLYM قدرته الفائقة على مقاومة الصدمات القوية. ويحاول الباحثون الاستفادة من هذه المادة وجعلها مقاومة للبنزين حتى لا ينفذ اليها، وبهذه الطريقة يمكن للعلماء حماية التجهيزات والمعدات الفضائية كالأقمار الاصطناعية من الصدمات التي تتعرض لها من النيازك والشهب الصغيرة، اضافة بالطبع الى حماية الطائرة من الانفجار حين تعرضها للقصف، بمعنى انهم يريدون حفظ المواد من الاتصال مع بعضها بعضا عند التعرض لأي اصطدام، وبالتالي توسيع دائرة التطبيقات العملية.

تقليد الأجسام الحية

 

واذا كان العلماء يتحركون نحو الاستفادة من الخصائص المدهشة لمادة الSURLYM، فإنهم يحاولون بذلك تقليد الميزة المعروفة للأجسام الحية التي تمتلك خاصية الالتئام لدى تعرض أحد اعضائها لجرح ما، إذ تحدث عملية تجمع للعوامل البيولوجية كالصفائح الدموية عند مستوى الجرح لتشكل ما يعرف بالخثارة في المرحلة الاولى لحدوث الجرح.

وفي هذا الصدد عرض الباحثان ايلهان أكسي وبينج جيانج من جامعة برنستون في يونيو/حزيران الماضي في المؤتمر الاوروبي الذي عقد في برلين حول مواد التغليف والدعم، مادة قادرة على ترميم نفسها بنفسها لمجرد تعرضها لأدق شرخ ممكن. وتعتبر التفسخات أو الشروخات الدقيقة الميكروية التحدي الكبير للعاملين في تقنيات حفظ ووقاية المواد التي تتأثر بالحرارة العالية أو الاثقال الكبيرة، خاصة وانها لا ترى بالعين المجردة. وفي الغالب تؤدي هذه التصدعات أو الشقوق. رغم صغرها الشديد الى كوارث كبيرة كما حدث لإحدى طائرات الخطوط الجوية الامريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 في مدينة نيويورك حيث انكسر جناح الطائرة وهي في ذروة تحليقها في الجو.

ويشير الباحث جيانج الى ان هذه المادة المكونة من قنوات دقيقة من الفولاذ، تلتئم في بضع ثوان عن طريق الاندماج وتكوّن على الصدع جسيمات دقيقة للغاية من مادة السيليس يبلغ سمكها ميكرومتر واحد. وتنجذب هذه الجسيمات الدقيقة الى الصدع عن طريق مجال كهربي تبلغ قوته 1،5 فولت وتيار مستمر تبلغ شدته 100 مللي أمبير يولده مولد كهربي مدمج في المادة. ويؤكد جيانج ان العمل يجري في الوقت الراهن لاختبار متانة هذه المادة بعد إعادة تصليح نفسها، وكان المهندس المدني سكوت وايت من المختبر التابع لجامعة ايلينو، قدم في مؤتمر برلين خاصية اضافية للمادة مستوحاة من طريقة الالتئام الطبيعية وتستند إلى كبسولات دقيقة مرتبطة مع بعضها بعضا ضمن شبكة من مادة الراتنج الملتحمة  الذرات ذرتا كربون من سلسلة وذرة اكسجين خارجة عن السلسلة واثناء حدوث الصدع في المادة تعمل هذه الكبسولات على تحرير مادة لاحمة تعوض الفراغ الحادث في الصدع.

ويعتقد الباحثون في جامعة ايلينو ان هذه الكبسولات تعمل كما لو كانت صمغاً يعيد للمادة 75% من قوتها الاصلية. ويرى سكوت وايت ان هذا النظام سيفيد كثيراً في مجال المواد الالكترونية الصغيرة جدا والطيران والفضاء والطب انتاج البدائل وكذلك في تشييد البنايات الكبرى والمساكن - ويشير جيل اسكادي المهندس في مختبر المواد والقدرة البنائية في تولوز الى انه قبل دمج هذا النظام في الجدار، لا بد من التأكد من ان هذه الكبسولات الدقيقة تقاوم جيداً متطلبات التصنيع ووضع الاسمنت وتركيبه الكيميائي القاعدي.  وفي هذا الاطار يعمل سكوت وايت وفريقه العلمي على دراسة تستبدل فيها الكبسولات الصغيرة جداً بشبكة من القنوات الصغيرة جداً تشبه الاوردة عند الانسان وتكون قادرة على نقل كمية غير محدودة من المواد الملائمة لاجراء الاصلاحات اللازمة في اماكن عدة من المادة المعطوبة.

ويعمل فريق آخر من الباحثين بقيادة ميشيل سالفيا المهندسة في الكلية المركزية في مدينة ليون الفرنسية على انتاج مواد قادرة على الترميم عن طريق تعويض الصدوع الحادثة في المادة بالعمل على التقارب بين حواف الصدع بعد إحداث تغيير في شكل المادة نفسها، ويطلق على هذه المواد السبائك ذات الذاكرة المدمجة ومن المرجح ان تطرح هذه المواد في الاسواق خلال السنوات الخمس المقبلة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من المواد المستخدمة في حياتنا اليومية التي لن نضطر الى تغييرها بمجرد وقوع صدع بسيط فيها. ويقول بعض المراقبين إن هذه المواد ربما ستسبب مشكلة للمصانع التي عادة ما تترك بعض العيوب في المواد التي تنتجها لتعمل على تجديدها بعد فترة لزيادة أرباحها ويؤكد كليمون سانشيز من جامعة باريس - 4 ان الغد يخفي لنا الكثير من المفاجآت في مجال اصلاح المواد بشتى انواعها، فعلى سبيل المثال يجرى في الولايات المتحدة وفي معهد ميتشيجان التكنولوجي العمل على انتاج مواد سائلة تتحول الى مواد شبه صلبة بمجرد تعريضها لمجال كهربي.

وهي مواد ذات فائدة كبيرة في مجال تصنيع السيارات، بالاضافة الى استخدامها في المجال الطبي، إذ يمكن لهذه المواد حمل الادوية وثقلها سريعا إلى المكان المطلوب علاجه مباشرة كالسرطان مثلاً وتمرير العقار في الوقت المطلوب ولذا يطلق العلماء على هذه المواد السمائل ذات الذاكرة الذكية ويجري العمل كذلك في مدينة مونبلييه الفرنسية على انتاج مواد ذكية مضادة للتلوث تعمل على اكتشاف المواد السامة وتغيير تركيبها الكيميائي وجعلها غير سامة.