دراسات إجتماعية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

elite

MODELS' FASHION
EuroLIne
Duba
United Arab Emirates
Tel: +971 4 3978678 , Fax: +971 4 3963344
euroline
@emirates.net.ae

دبي - الامارات العربية المنحدة

 

 

سلامة للملابس الجاهزة

عمّان/ الأردن-شارع وصفي التل


 

 

 العنف ضد الأبناء

ظاهرة مستشرية

تحقيق: ميرفت الخطيب

عن دار الخليج الإماراتية

       منذ أن وعت على الدنيا وهي تتعرض لأشكال العنف من قبل والدتها و ليست زوجة أبيها !

 

      نعم والدتها التي لم تكلّ طوال سنوات طفولة ومراهقة ابنتها سعاد وصولا الى دخولها مرحلة التعليم العالي من تعنيفها وضربها، حتى اعتقدت سعاد ولفترة طويلة بأن هذا الأمر أو الوضع اعتيادي ويحصل في كل بيت وتصادفه كل البنات! إلا أن سؤالا بقي يجول في خاطرها ولم تجد له جوابا، وهو لماذا هي من بين شقيقاتها وأشقائها تلقى هذه المعاملة السيئة من والدتها؟ وهل يعود السبب لكونها الأقل حظا من الجمال، أم لأنها لا تشبه والدتها التي تتباهى بجمال بناتها الأخريات؟ وما الذنب الذي اقترفته كي تُحبس في غرفة انفرادية من دون تكييف؟!

وعلاوة على ذلك، أدى ضربها في كثير من الأحيان الى حملها غائبة عن الوعي الى المستشفى، وكانت نتيجته أثر غُرز عميقة ستبقى رفيقتها طوال حياتها.

 

سعاد إحدى ضحايا العنف الأسري الذي يصنف في خانة عنف الآباء والأمهات ضد أبنائهم. وهو عنف بدني ومعنوي يترك أضراره دائما والعنف وسائله الضرب والكي بالنار، والحبس في غرفة مغلقة أو مظلمة، وتشغيل الأطفال في أعمال لا تتفق مع قدراتهم العقلية والجسمية، إضافة الى الإيذاء. وكذلك إهمال تعليم الأطفال، وإهمال الرعاية الطبية، ونقص الإشراف والاهتمام، والإهمال العاطفي وتزويج القاصرات.

أما أضرار العنف الذي يقوم به الوالدان ضد الأبناء، فهي عديدة، أهمها انهيار الشعور بتقدير الذات للممارس عليه العنف، والتعثر الدراسي، والهروب من المنزل والانتحار والصدمة العقلية.

إن ما يثير الجدل في قصة سعاد هو أن والدها الشاهد الحي على ممارسات العنف ضد ابنته من قبل زوجته، ولا يحرك ساكنا بل يبادر الى إيجاد الأعذار لزوجته أو الالتزام بالصمت الذي يحمل الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام على هذا الوضع القائم.

في بداية تكشُّف الأمور لاحظت زميلات سعاد في الدراسة آثار عنف على جسدها، وكانت بدورها تبرره في بادئ الأمر بأنه نتيجة وقوعها على السلم أو في الحمّام. ولكن شرودها وانعزالها عن بقية الزميلات وتقوقعها على ذاتها أثار استغرابهن، على الرغم من ان سعاد كانت تختار عددا قليلا من الصديقات يتمتعن بمستوى عالٍ من الأدب والتدين، وهذا يدل على أن سلوكها سوي. ولاحظت صديقاتها أيضا أنها وعلى الرغم من ذكائها الحاد إلا أنها غير متفوقة في دراستها واكتشفن في ما بعد بأن سعاد مسؤولة بالدرجة الأولى عن تدريس أخواتها الأصغر منها سناً بأمر من والدتها، ومن غير المسموح لها أن تدرس وتحضر واجباتها.

واحدة من هؤلاء الصديقات استطاعت مساعدة سعاد في مشكلتها، خاصة بعدما تجرأت وأخبرتهن بها وبأوضاعها غير الإنسانية. وتدخلت إدارة المعهد الذي تدرس فيه سعاد وقامت باستدعاء الأم التي حاولت أن تبرر أفعالها بحجج متنوعة. أما الأب فاكتفى بالصمت المريب.

 

ظاهرة: ظاهرة العنف الأسري واقعة في كل  المجتمعات سواء العربية أو الأجنبية. تقول الاخصائية الاجتماعية فدوى القرشي، منوهة بفارق مهم وهو أن المجتمع الغربي يعترف بوجود هذه المشكلة، بعكس المجتمعات العربية التي تعتبرها من الخصوصيات، بل من الأمور المحظور تناولها حتى مع أقرب الناس.

أما أسباب العنف الأسري فتشير فدوى الى أنها نابعة من أثر عميق سواء حدث في الماضي أو الحاضر.

والأسباب ذات الجذور القديمة تكون نابعة من مشكلات سابقة أو عنف سابق سواء من قبل الآباء أو أحد أفراد العائلة. أما الأثر الحاضر فتكون جذوره مشكلة حالية. على سبيل المثال فقدان الزوج أو الأب عمله، قد يدفعه الى ممارسة العنف على أولاده. وبالتالي فإن الشخص الذي ينحدر من أسرة مارس أحد أفرادها العنف عليه، ففي أغلب الأحيان أنه سيمارس الدور نفسه، لذا من الضروري معرفة شكل علاقة الأم المعتدية على أولادها بوالدتها في صغرها. وفي الغالب تكون تعرضت هي نفسها للعنف، لذا فبالنسبة لها تعتقد أن ما تقوم به من عنف تجاه أولادها هو أمر عادي كونه مورس عليها ومن حقها اليوم أن تفعل الشيء نفسه.

وتضيف فدوى القرشي: هناك سبب آخر وهو عدم إمكانية الأم في التأقلم مع مجتمع  غريب عنها. فإذا كانت الأم غير مواطنة، فهي لا تستطيع التأقلم مع المجتمع الجديد وتتحول حياتها الى كتلة من الضغوط النفسية والاجتماعية وتتحول الى ممارسة العنف كونها لا تستطيع أن تعبر عن حزنها وغمها، فتفجر الأزمة في أولادها. وفي غالبية الأمر يكون الضحية الطفل البكر، وفي بعض الحالات يتجه عنف الأم الى ابنة محددة لأن حماتها تخص تلك البنت بمودة كبيرة، في حين لا تكون الأم على وفاق مع حماتها، فتصب جام غضبها على هذه الفتاة، هذا بالإضافة الى أسباب أخرى.

وحول انعكاسات ممارسة العنف على الضحية، تجيب فدوى القرشي: يختلف الأمر من شخصية الى أخرى، وأيضا حسب نوعية العنف الممارس والشخص الذي يقوم به، إضافة الى جنس الطفل إن كان ولداً أم بنتاً، وشكل علاقة الضحية بالمعتدي وعلاقته بمن حوله. لكن في معظم الحالات فإن الضحية يصبح فردا ذا شخصية محطمة.

وتضيف القرشي ان إحصائية أمريكية كشفت أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف غالبا ما يكون لديهم استعداد لممارسة العنف ذاته ضد أنفسهم أو ضد الآخرين، إضافة الى حدوث حالات الانتحار والاكتئاب والإجرام والانحراف. وكلها مؤشرات لعدم المقدرة على التعامل مع المجتمع بسبب تدهور المهارات الذهنية من مستوى الذكاء الى التدهور الدراسي ومشكلات كبيرة تحصل بعد الارتباط بالآخر لتكوين أسرة والسبب في ذلك ان هؤلاء الضحايا يعانون من حالة مرضية نفسية سببها أن الذكريات وصور العنف التي تعرضوا لها حية في ذاكرتهم، مما يسبب لهم حالة من الخوف المستمر يترتب عليه عدم الثقة بالنفس وبالآخرين.

 

العلاج: حول كيفية معالجة ضحايا العنف الأسري، تقول فدوى القرشي إن مهمة الاخصائي النفسي بالدرجة الأولى العمل على تطوير الثقة بالنفس لدى الضحية وإبعادها عن جو العنف والشخص الذي مارس عليها العنف.

ومن أهم الخطوات الواجب اتخاذها هي إقناع الضحية بأن لا دخل له بالعنف الذي مورس عليه، لأن الإنسان الضحية وخاصة منذ سن صغيرة يكون لديه هذه القناعة.

 

العاطفة قبل المادة: أمل القاسمي مشرفة العلاقات العامة في كلية تقنية الشارقة تقول انطلاقا من تجربتها في العمل مع شريحة الطالبات إنه لا يخلو مجتمع من هذه المشكلات الاجتماعية، إلا أن الفرق بين المجتمعات العربية والغربية في هذا الجانب، انه في الغرب توجد مراكز بالإمكان اللجوء إليها، حيث تتم حماية ضحايا العنف الأسري.

أما في بلادنا العربية فلا توجد مثل هذه المراكز. وفي بعض الأحيان قد يلجأ بعض ضحايا العنف من الأبناء الى الشرطة، إلا أن الشرطة لا تأخذ بشكوى ابن على والده أو والدته، وبالتالي فإن مثل هذه الحالات نادرة جدا، خاصة ان مجتمعاتنا متداخله ومترابطة، ومثل هذه المشكلات لا يمكن طرحها على بساط الحوار. وهذا لا يقتصر فقط على ممارسة العنف على الأبناء، بل إن الزوجات أيضا لا يتجرأن على تقديم شكوى على أزواجهن في حال تعرضهن للعنف بمختلف أنواعه.

ومن جانب آخر في حال لجوء الفتى أو الفتاة ممن تعرضوا للعنف الأسري الى الشرطة فلا تستطيع حمايتهم لعدم توافر أماكن خاصة لذلك وإذا ما قدم شكوى فلا بد من وجود أدلة وشهود ولا أحد من الإخوة يجرؤ على الشهادة ضد أمه أو والده، فيرجع المتعرض للعنف الأسري مهزوما الى منزله، ويفقد احترام وتعاطف الآخرين معه، إضافة الى زيادة حدة العنف عليه.

وترجح أمل القاسمي أسباب العنف الأسري الى عوامل اجتماعية عدة، منها تعدد الزوجات وكثرة الأبناء من جنسيات مختلفة والزواج من أجنبيات ودخول ثقافات مختلفة على المجتمع. وتقول إن الأم غير المواطنة قد تعاني من الشعور بالنقص عند مقارنة أولاد الزوجات المواطنات اللواتي يتمتعن بامتيازات مجتمعهن، ما يسبب الشعور  بالنقص للزوجة الوافدة الأمر الذي يدفعها لتكون عنيفة مع أولادها كونهم العنصر الأضعف بالنسبة لها فيقع عليهم سخطها وغضبها وعُقدها ومشكلاتها.

وتخلص الى القول إن المشكلة تكمن في عدم وعي الأمهات لمتطلبات المراحل العمرية للأبناء والتي تتغير باستمرار، وبمدى أهمية توفير العاطفة قبل المادة للأولاد. وهذه الحالة تدفع الفتيات خاصة الى البحث عن بديل يمدها بالعاطفة والحنان الذي تحتاجه، ما يؤدي الى غيرة الأم، من هنا يبدأ الشرخ في العلاقة بين الأهل والأبناء وإذا لم يتداركوا الأمر سريعا، فالمسألة قد تصل الى مرحلة انحراف الأولاد مما يعني أنهم وقعوا في مرحلة اليأس.

وتسرد أمل القاسمي قصة إحدى الفتيات التي تعمدت القيام بحادث بسيارتها، فقط كي تلفت نظر والدتها وتجبرها على إظهار عواطفها تجاهها. ومن جهة أخرى هناك أم تغار من نجاح ابنتها وتفوقها بالدراسة، لذا تلجأ الى أساليب كثيرة كي تعيق تفوقها. ومثال آخر لأم تغار من جمال ابنتها، فتفتعل معها المشكلات وتضربها لدرجة الأذى كي تشوّه جمالها.

وتدعو أمل القاسمي في ختام حديثها الى ضرورة إيجاد جهة رسمية تهتم بالأولاد الذين يتعرضون للعنف الأسري وليس تحويلهم الى مراكز  الأحداث.

 

حالات غريبة: عبيد خلفان بن سبت في قسم التوجيه والإصلاح الأسري في محكمة العدل في دبي اعتبر أن موضوع ممارسة العنف من قبل الآباء والأمهات على أولادهم يعد من الحالات الغريبة التي ترد الى القسم. وقال إنها حالات موجودة وتصل في أحيان عديدة الى الحكم القضائي، خاصة بعد توجيه إنذارات عدة الى المتسبب بالعنف.

ويقول عبيد بوسبت انه في إحدى المرات وصلت فيها الضحية الى مرحلة الانتحار جراء تعرضها للضرب والسباب على يد والدها. وحول كيفية وصول مثل هذه الشكاوى الى قسم التوجيه والإصلاح الأسري، أجاب ابن سبت انه من الصعب جدا أن يقوم الضحية بتقديم الشكوى على والده أو والدته، لذا فإن كل الحالات تحوَّل إلينا من الشرطة لإيجاد حل عائلي لها، ولإعادة المياه الى مجاريها بين الأهل والأبناء. وأشار الى أن عدم كشف حالات العنف ممارسة خاطئة، لأن العنف قد يؤدي الى جرائم أخرى معقدة. لذلك من الخطأ السكوت على هذا السلوك السلبي.

وقال ان كشف بعض حالات العنف يكون عادة في المستشفيات، حيث يتم جلب الضحية إليها من قبل أهله بعد تعرضه للضرب المبرح والذي يؤدي الى نزيف وجروح وانهيار وغيرها، وتتم معالجة الحالة وكتابة تقرير طبي من قبل الطبيب الشرعي ويتم تحويله الى الشرطة والتي تحوله بدورها الى قسم حقوق الانسان في شرطة دبي. وفي حالة عدم الوصول الى حل أو تكرار العنف والضرب على الضحية، يتم تحويل الملف الى المحكمة وإلى قسمنا لإيجاد الحل الأنسب.

ويستطرد عبيد بن سبت قائلا: ان هذه الحالات ومثلها الكثير لا تخرج للنور، ودائما يسد الباب عليها ويتكتم أفراد الأسرة عليها. ونحن بدورنا نحاول أن ننبه الناس والأسر ونرشدهم لضرورة الكشف عنها، لأنها تعد من ضمن الجرائم، خاصة في حالة ممارسة العنف الشرس في حق الأبناء، وهؤلاء يجب أن يعلموا بأن الدولة تحفظ حقوقهم، وتدافع عنهم، خاصة في مثل هذه الحالات، ووفق القانون. إلا أن بعض الأشخاص، خاصة من الآباء يتحججون بحديث شريف وهو لا يقاد الأب بولده، ما يبرر لهم إيذاء وضرب وإهانة أولادهم. وهذا تفسير خاطئ تماما. وهو رأي مقيّد وفيه أحكام وشروط لأنه حرّم علينا قتل النفس. فعلى سبيل المثال إحدى الحالات وهي فتاة أصيبت بالصرع من جراء ضرب والدها المستمر لها على رأسها. وبالتالي كان من حق هذه الفتاة ان ترفع دعوى على والدها وتطالب بحمايتها منه.