خدمات الانترنت

تصميم و بناء مواقع

 

 



 

  دراسات اجتماعية

 

هروب الفتيات

 من يملك الحلول؟

مشاركة : رويده غنّوم- إدلب/ سوريه

كثيرة هي القصص التي نقرؤها أو نسمعها عن حالات هروب الفتيات من أسرهن، والتي قد تترافق بتفاصيل أغلبها تفاصيل مأساوية، قد يكون فيها القتل والانحراف وحالات التشرد، وفي الأقل منها التسول، غير أن هذه الحالة من هروب الفتيات من أسرهن، وإن كانت أكثر أشكال الهروب شيوعاً وفجاجة، وأشدها أثراً على الفتيات وأسرهن، فإن ثَمَّة حالات أخرى من هروب الفتيات من أسرهن، وهي حالات مقنعة، لا تظهر للعيان بشكل واضح، وهي بحاجة إلى التدقيق والملاحظة لرؤية أسبابها ودواعيها وتجسيداتها العملية، و المشكلةعامة في كل العالم الثالث تقريبا .

               الظاهرة وملامحها

والحق أن لظاهرة هروب الفتيات من أسرهن أسبابًا متعددة متنوعة، لكن هذه الأسباب تندرج في مستويين: الأول تمثله الأسباب العامة، وهي أسباب تدفع عامةً إلى هروب روحي أو مادي، أو للحالتين معاً، والمستوى الثاني يتعلق بالحالة المحددة في هروب الفتاة من أسرتها، أو انفصالها عنها.

        إن بين الأسباب العامة لظاهرة هروب الفتيات من أسرهن، الواقع الاجتماعي الذي غالباً ما يرسم ويحدد المستوى الاجتماعي والثقافي للأسر، ونمط ومستوى العلاقة داخلها بين الأهل والأولاد عامة، وفيما يتعلق بمكانة الفتيات في إطار تلك العلاقات خصوصاً، والسبب الثاني، يتصل بواقع الأسرة التي تعيش الفتاة فيها، وفي تفاصيل ذلك عوامل متعددة، ومنها موضوع  تفكك الأسرة الذي قد يكون بسبب الخلافات الدائمة بين الوالدين، أو بسبب انفصال أو طلاق الوالدين، وعيش الفتاة مع زوجة الأب أو مع زوج الأم، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اختلال خطير في العلاقات الأسرية، وغالباً فإن الفتيات يَكُنَّ أكثر تأثراً  في ذلك من الأولاد الذكور.

كما أن بين الأسباب المؤدية إلى هروب الفتيات من أسرهن حالات الفقر الشديد، التي قد تدفع ببعض الفتيات إلى التطلع إلى حياة أخرى بعيداً عن حياة أسرهن، أو إلى انعزالهن عن حياة الأسرة، وخلق صورة أخرى لحياتهن وعلاقاتهن، وتلعب الرفيقات دورا إضافيًّا، يؤدي إلى هروب الفتيات من أسرهن، ويلخص د. عيسى الشماس الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق أسباب الظاهرة بأربعة أسباب: أولها التفسخ العائلي، والثاني سوء التربية، والثالث الحالة الاقتصادية، والرابع رفاق السوء.

نماذج فتيات هاربات

فتاة في الرابعة والعشرين من العمر من أسرة متوسطة، تعيش مع أسرتها في في إحدى المدن العربية ، لكنها تبدو منفصلة كليًّا عنهم من الناحيتين العاطفية والاجتماعية منذ أكثر من عام لاعتقادها بمسؤولية أهلها عن عدم زواجها بشخص تقدم لخطبتها، وهي دائمة الشرود وميالة إلى العزلة، وفشلت جهود الأم والأب في إخراجها من حالتها، ودون أن يلجأ الأهل إلى الطب فهم يراهنون على الوقت في علاج الحالة.

حالة أخرى من هروب الفتيات تمثلها فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من العمر موقوفة في معهد الرعاية الاجتماعية في إحدى العواصم العربية بعد أن غادرت منزل ذويها في مدينة أخرى مع شاب مراهق وعدها بالزواج والعيش في العاصمة، لكنه تخلى عنها بعد أيام، واحتارت إلى أين تذهب، فقبضت عليها الشرطة بتهمة التشرد، وأودعت المعهد بانتظار مجيء أهلها لاستلامها والعودة بها إلى البيت.

نزيلة أخرى في معهد الفتيات، وصلت إليه بطريقة مختلفة، حيث دفعها الأهل تحت وطأة الفقر إلى العمل رغم سنها الذي لا يتجاوز الثانية عشرة، ومدت يدها لتسرق شيئاً من مكان عملها، فتم حجزها في المعهد ومن خلاله تعرفت إلى رفيقات السوء، فمضت في طريق قادها حتى الآن للعودة إلى المعهد ثلاث مرات.

حنان لم تهرب طمعًا في المال أو استجابة لغرائزها؛ هربت لأنها لم تَعُد تحتمل تحرشات أخيها المتكررة بها وكان يهددها دائمًا بقتل نفسه إذا أخبرت والدها تشكوه لأختها الكبرى، فالأم توفيت منذ عشر سنوات ، تنبئ الأخت الوالد لكنه يكذب ابنته وعندما يتكرر الاعتداء على حنان تقرر أن تهرب مبتعدة إلى أمكنة اعتقدت أنها أكثر أمانًا إلى بيت خالها، لم يبحث أحد عنها تعلقت بابن الحي وسلمت له نفسها عادت بعد فترة إلى بيتها وعاد تكرار الاعتداء عليها؛ فقررت أن تذهب إلى صديقتها التي تتعاطى المخدرات، فضبطت معها وبعد إجراءات قانونية طويلة أحضرت إلى مديرية التربية الاجتماعية للفتيات، وقررت عندها أن تبقى هناك بأمان، فهي لا تريد العودة إلى أهلها أو الخروج من أسوار المديرية العالية؛ لأن الرجال يتعرضون لها بالسوء

أما رجاء التي كانت تجلس بعيدًا عن بقية الفتيات، فحاولت الاقتراب منها وبادرتها بالابتسامة فارتاحت، سألتها: لِمَ أنتِ هنا؟! فقالت لأن أسرتي لا تريد أن أكون معها كل يهتم بشئونه، لا أحد يفهمني، كنت أشعر أن وجودي غير مرغوب فيه، وبأنني حمل ثقيل على أسرتي؛ فقررت أن أنهي الأمر بالزواج العرفي من شاب أحببته، ولكنه أخل بعهوده وتركني بعد فترة، ولم أجد مكانًا أعود إليه سوى هذا المكان.

 هذا طرف من القصص الواقعية التي سمعتها في مؤسسة الفتيات الجانحات التي ذهبت إليها بهدف البحث عن أسباب هروب الفتاة، سواء النفسي منه كجلوس لساعات طويلة أمام شاشة التليفزيون أو الهروب بأحلام نهارية لا نهاية لها أو لنصل إلى نتائج لا يُحْمَد عقباها كحالة رجاء أو هروبها بمعناه الحرفي للكلمة كما في حالة حنان التي هربت لأسبابها الخاصة من البيت إلى أماكن أخرى انتهت بها إلى معهد الجانحات .

مراكز الرعاية: هل تحل المشاكل؟

 الآنسة رباب الحافي مديرة أحد مراكز الرعاية ، بيَّنت لنا بأن الفتيات الموجودات داخل مؤسسة الرعاية كنّ يقمن بأنواع مختلفة من السلوك المنحرف ومن أهمها الاعتداءات على الأموال كالسرقة والنشل ، أو على حياة الإنسان وسلامته "قتل أو إيذاء"، والانحرافات الجنسية "اغتصاب وخطف ودعارة وفحشاء" والتشرد والتسول.. إلخ، وقالت: "إن الفتاة التي تعيش وسط أسرة تعاني من خلل ما في بنيتها تعاني من فقدان الحب والأمان في داخلها، فتلجأ إلى الشاب الذي يصور لها العالم الخارجي بأنه جنة فتقوم بفرض رأيها على أسرتها، وإن لم تجد القبول تهرب معه، وللأسف أغلب الحالات الموجودة في المعهد التي تتجاوز 60% لا ينوي الشاب الزواج من الفتاة، وإنما يحاول وضعها تحت الأمر الواقع؛ أو يستغلها لتعمل في الدعارة".

وتقول الأخصائية الاجتماعية في معهد الفتيات رحاب السيد: :إن دور المعهد يبدأ مع تسلم الفتاة من جهاز الشرطة لإيداعها في المعهد تمهيداً لإحالتها إلى المحكمة، أو لقضائها فترة حكم بعد قرار قضائي لجرم أو جنحة تورطت فيها، وتكون الخطوة الأولى، توفير الاحتياجات الأساسية للحياة في المعهد من إقامة وطعام وكساء وصحة واحتياجات أخرى، ويعقب ذلك قيام المشرفة الاجتماعية بدراسة حالة الفتاة من الجوانب الاجتماعية والنفسية، و بتزامن مع محاولة إدارة المعهد الاتصال بأهل الفتاة وإصلاح العلاقات المتردية بين الأهل والفتاة، بغية التغلب على الأسباب التي دفعت الفتاة إلى الهرب من أسرتها، وفي الحالات التي تكون الفتاة قد غادرت المنزل لأسباب يمكن تجاوزها، فإن المعهد يلعب دوراً وسيطاً مع القضاء والأهل لإعادة الفتاة إلى أسرتها وبيتها مع تعهد الأهل بسلامة الفتاة ورعايتها بصورة أفضل.

وتستطرد:إن حالات هرب الفتيات غير معروفة العدد، ذلك أن كثيرًا من الحالات لا يكشف عنها؛ حيث لا يتم القبض على كل الفتيات اللواتي يغادرن أسرهن، والبعض يتم القبض عليهن لأسباب أغلبها أخلاقي، يقوم القضاء بإطلاق سراحهن لأسباب يراها القاضي، والقلة من الفتيات يتم تحويلهن إلى معاهد الرعاية الاجتماعية،

وأغلبية حالات مغادرة الفتيات لأسرهن، تفضي إلى الانحراف، فتتورط الفتيات في مشاكل الدعارة والتشرد والسرقة وإدمان المسكرات والمخدرات والقتل أحياناً، ومعظم الحالات تأتي من المناطق الأقل نمواً في محيط المدن، وتجزم الإخصائية الاجتماعية رحاب السيد بأن سلوكيات كثير من الفتيات يتحسن خلال إقامتهن في المعهد، لكنهن سرعان ما يعدن إلى سلوكهن القديم بعد مغادرة المعهد بسبب عودتهن إلى ذات الظروف المحيطة بهن حياتيًّا واجتماعيًّا، والمعهد بهذا المعنى فترة نقاهة أو حماية مؤقتة ليس إلا.

علم النفس والاجتماع والقانون

ويقول الدكتور عبد الجبار الحنيص - أستاذ مقرر قانون الأحداث الجانحين في كلية الحقوق في جامعة دمشق -: "إن هروب الفتاة وانحرافها يشكل مشكلة قانونية وقضائية في المجتمع، ويتمثل ذلك بازدياد عدد القضايا الجزائية الخاصة بالأحداث نتيجة غرقهم في ممارسة مختلف أشكال السلوك المنحرف، الأمر الذي يقتضي اتخاذ المزيد من الإجراءات الشرطية والقضائية لوضع حد لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة، فعلى الرغم من الطبيعة الاجتماعية لظاهرة هروب الفتاة وانحرافها أصبح لها مكانة خاصة في التنظيمات القانونية العربية والأجنبية لمعالجتها والحد ما أمكن من انتشار الجرائم التي يرتكبها الأحداث، والسياسة الجزائية ترى أن الجريمة كظاهرة اجتماعية لا تنفصل عن بقية الظواهر، وبالتالي تسعى للقضاء على الجريمة بمحاولة القضاء على الظروف المُهَيِّئة لها، وانحراف الأحداث لا يخرج عن هذا الإطار؛ لذلك تهدف هذه السياسة إلى القضاء على مسببات ظاهرة الجريمة أولاً كمثل معاقبة الأهل إذا ثبت تقصيرهم، ثم العمل على إزالة الآثار الضارة الناتجة عنها في حال حصولها كأن توضع الفتيات في معهد إصلاحي ليقيم سلوكها وإعادة تأهيلها".

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه بإلحاح: ما الذي يصل بالفتاة إلى هذه التهلكة والمحطة المتأخرة في كل شيء؟

ويصف الدكتور سامر رضوان المتخصص في علم النفس هروب الفتيات بأنه مشكلة تعكس أزمة الثقة بين الوالدين والفتاة، فعندما ينعدم التواصل بين الوالدين والفتاة ليصبح من طرف واحد يتم فيه نقل التوجيهات والأوامر دون نقاش أو جدال ودون أخذ وجهة نظر الأبناء بما يتم التقرير بشأنهم، وعندما تشعر الفتاة أن حاجاتها النفسية للحب والاعتراف والقبول في الأسرة غير محققة، وعندما يتم تبخيس رأيها والتقليل من قيمتها وتقديرها ذاتها، عندها تبدأ فجوة أزمة الثقة بين الأبناء والآباء تزداد اتساعًا، فينفصل عالم الأبناء عن عالم الآباء وعن الواقع الذي يعيشونه، ويغرقون في عالم خاص بهم، قد يصل في نهاية المطاف إلى اللامبالاة ومشاعر الاكتئاب ومحاولات الانتحار، وعندما تقرر الفتاة الهروب من المنزل فإنها تكون قد وصلت في صراعاتها إلى نهاية المطاف؛ حيث لا تجد حلاًّ وفق ما تعتقده إلا من خلال الهروب من المنزل، وهنا تكون معرضة لخطر أن تمشي وراء أول يد تمتد لمساعدتها، وليس من النادر أن تكون هذه الأيدي غير نظيفة تدفعها للانحراف والجنوح.

ونَوَّه الدكتور سامر رضوان إلى أن حاجات المراهقين ليست غير ممكنة التحقيق والإشباع، فهم يحتاجون بالدرجة الأولى للاعتراف والقبول والاحترام من المحيطين، وأن يتم قبولهم كما هم وليس كما يرغب الوالدان، ويحتاجون إلى الإحساس بكيانهم والثقة بقدراتهم، وعندما لا يجد المراهق هذا من والديه يبحث عنه في مكان آخر حتى لو كان الثمن الانحراف.

       إن هروب الفتيات من أسرهن ظاهرة قائمة في المجتمات النامية  لها أسبابها وتجلياتها المتعددة المتنوعة، وكما هو الحال في المجتمعات الأخرى، تحتاج هذه الظاهرة إلى الدراسة والتدقيق للوصول إلى إجراءات وخطوات، بل إلى سياسة تعالجها وتَحُدُّ من تأثيراتها السلبية على المجتمع وعلى الفتيات بصورة خاصة .

 

 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات