المنوعات

مشاكل و حلول

أصبحت حياتي جحيما لا يطاق

 بقلم: نزار الزين (نشرت في أنباء العرب في تشرين أول 1994)

السيد محرر باب مشاكل و حلول

أعرض عليك مشكلتي لسببين الأول لأنني أعتقد أن طرحها  قد يفيد الكثيرين من أبناء الجالية العربية  لأنها مشكلتهم بقدر ما هي مشكلتي  ، أما السبب الآخر  فهو أملي في أن أجد لها حلا لديك . فملخص المشكلة هو أنني كنت حتى قبل شهر واحد مضى زوجة سعيدة  فلدى زوجي عمله الخاص الناجح ، و هو مخلص  و محب لأسرته  ، و لديّ منه طفلان أولهما ابنة في التاسعة و الآخر ابن في السابعة  ، و كملاهما متقدم في دراسته ، و لم يعان أي منهما  من أية مشاكل من أي نوع.

و ذات يوم عادت ابنتي و برفقتها طفل يماثلها عمرا ، و بكل براءة عرفتني عليه قائلة أنه صديق و لكن بالتعبير الأمريكي (BOYFRIEND) فضحكن. و في المساء أردت أن يشاركني زوجي  الطرفة و اذا به يستشيط غضبا فينادي الطفلة  ثم يصفعها و هو يصرخ في وجهها قائلا : " أحقا ما سمعته  من أن لك صديقا ذكرا ؟ نحن عرب لا نقبل الا بصداقة  البنت للبنت  و الصبي للصبي ، و اذا  علمت ثانية  أنك صادقت ذكرا  ذبحتك ذبح النعاج.

لقد عقدت المفاجأة لساني  و انصرفت بداية  الى تهدئة الطفلة التي أصابتها نوبة مرضية من الخوف و البكاء الهستيري ؛ و أقول الحق أنني لتوي عرفت جانبا كنت أجهله من شخصية زوجي ، و عندما ولجنا  الى غرفة النوم أثرت الموضوع عاتبة و غاضبة  الا أنه ألقى في وجهي مفاجأته الثانية  فقد قرر  - من جانب واحد تصفية أعماله هنا و العودة الى الوطن.

لم أجد في سلوك ابنتي الا البراءة و التعبير الذي فاهت به لا معنى له  في عمر ابنتي ، كما أقلقني قرار زوجي الذي اذا نفذه  يفقد فرصة جيدة للارتزاق قد لا تعوض في الوطن الأم و هذاا يعني أيضا البداية من الصفر مجددا مما سوف يكون شاقا عليه و علي و على أطفالنا.

فالأطفال سوف يختلف عليهم الجو الدراسي  فمناهجنا في بلادنا معقدة و أساليب الامتحانات لا زالت على حالها منذ أيام العثمانيين، هذا اضافة الى اعتيادنا على حياة اجتماعية مستقلة  مستقلة بعيدة عن مداخلات الآخرين ، أقول لك الحق لقد أصبحت حياتي منذ تلك اللحظة جحيما لا يطاق ، فلا يمر يوم بلا جدال أو شجار حول الموضوع ، أجد دوما في آخرهما اصرارا متضمنا دكتتورية استيقظت من ثباتها في شخصيته لم أعهدها قبلا.

ماذا بامكاني أفعل ؟ هل تستطيع ارشادي

سعاد ش / لوس أنجلس

مشكلتك يا سيدتي هي مشكلة عدد كبير من المغتربين الجدد و تتلخص في عبارة واحدة هي مشكلة الهوة الثقافية أو  الصدمة الثقافية (  CULTURE SHOCK  )

أو صراع الثقافات و هو صراع ذاتي أي يدور بين الانسان و اتجاهاته المتأصلة ، فالمهاجر الجديد  يجد نفسه ضمن ثقافة مختلفة أبرز ما فيها اختلاف السلوك الاجتماعي و على الأخص ما يتعلق بعلاقة الذكورة بالانوثة . فبعض الناس لديهم استعداد للتكيف السريع فيتقبلون القيم الجديدة و يتقمصونها و بعضهم يتقبل بعضها فيتمكن من العيش و لكن بقلق ؛ و البعض الآخر برفضها من البداية فيعيش نكدا أو يلملم حاجاته ثم يمضي . و يبدو أن زوجك من الفئة الثانية  فقد ظل منسجما مع الثقافة الجديدة الى أن برزت مشكلة ربما كانت تؤرق عقله الباطن ، فما أن ظهرت حتى حولته للحال الى الفئة الثالثة.

سيدتي !  لا توجد وصفة سحرية لعلاج المشكلات الاجتماعية

و النفسية ؛ أما الدكتتورية فهي السمة الرئيسة المغلفة لكل حياتنا ؛ دكتتورية أحد الوالدين أو كلاهما ، دكتتورية المعلمين في المدرسة ، دكتتورية رب العمل ، دكتتورية رجل الأمن ، دكتتورية رجل الدين ثم دكتتورية الساسة و الخلاص منها صعب للغاية ؛  و لكن يمكن الانطلاق من ايجابية ألمحها و هي أن تصفية أعماله سيستغرق وقتا طويلا يسمح باعادة النظر بالمواقف ، فقد بنى منشأته ( طوبة طوبة ) فلا يعقل أن يهدم كل شيء في لحظة غضب . و هنا يكمن دورك كامرأة مثقفة ( وهذا ملاحظ من بين سطورك ) فعليك قبل كل شيء أن تمتصي غضبه و تسايريه  مؤكدة أن ما حدث  مؤثر و لا يتمشى مع قيمنا  و لكن ليس خطيرا و أنك ستأخذين الأمر على محمل الجد  ، و عليك كذلك ايقاف مناقشته بمثل تلك الحدة  فالتشنجات تعقد الأمور و لا تحلها ، ثم عليك أن  تقنعيه بالتدريج  أنك و بالتعاون  معه سوف يمكنكما السيطرة على سلوك  ابنتكما ، و لكن بالحسنى   و المتابعة الدائبة و ليس بالتهديد و التخويف و استخدام القوة العضلية ؛ و في الوقت نفسه  عليك أن تجعلي ابنتك أكثر قربا منك  فتهبطين الى مستواها ليكون بوسعك تفهم مشاكلها الصغيرة  فتقدمين لها الحلول البديلة  بشكل مبسط  و عليك أيضا استثمار قصص الأطفال لتعزيز قيمها الأخلاقية و السلوكية ، و عندئذ ستكون الغلبة لقيم الأسرة و ليس لقيم الأصدقاء.

و في الوقت نفسه أنصحك  بالعمل على اكتشاف  مواهب و هوايات الطفلة و تنميتها لشغل أوقات فراغها.

الصعوبة الكبرى هي ما تعانيه و سوف تعانيه الطفلة ذاتها ،  فهي تعيش في خضم صراع ثقافي حقيقي بين قيم أبويها و قيم المجتمع الذي تقضي فيه أكثر من نصف يومها ، و ستظهر آثار هذا الصراع أكثر و أكثر في مرحلة المراهقة ، فساعدوها بالحسنى فالغلظة لا تأتي الا بنتائج عكسية.