English version of FreeArabi

دراسات اجتماعيه

الحضارة الطفيلية

ما عرف التاريخ حضارة طفيلية كالحضارة التي أصطلح على تسميتها بحضارة الغرب ، و هي و ان بهرت الكثيرين بهالتها البراقة  ، فان من يتعمق بدراسة مكوناتها تصفعه الحقيقة الفجة في أنها حضارة  لا أخلاقية بنيت على اللصوصية المنظمة و الجريمة المجازة .

و لولا أدوات التدمير التي تمكنت منها في وقت مبكر و طورتها بسرعة  لانهارت كما انهارت سابقاتها من الحضارات الطفيلية  كحضارة التتار مثلا .

و لا بد هنا من وقفة قصيرة  ألفت فيها النظر الى أن أي مجتمع تتوفر له حدود دنيا من الاستقرار و الكفاية و التنظيم  يعتبر بصورة ما مجتمعا متحضرا  حتى اذا استمرت هذه الشروط فان حضارته لا بد صاعدة قدما على سلم الرقي ، و ليس ضروريا أن تأخذ كافة الحضارات  المعالم نفسها ، و بالتالي فان الحضارة الغربية ليست بحال من الأحوال مقياسا فريدا للتحضر .

و من هنا فان ادعاء الغرب بأن انتشار الحضارة الغربية في العالم كان رسالة انسانية  هدفها السامي نشر الحضارة و العدالة  في المجتمعات البدائية  ، كان ادعاء تبريريا ساذجا غرضه التمويه على التاريخ  تجاه الغاية الحقيقية التي هي نهب  الثروات و السيطرة على خامات العالم و تجارته . ذلك أنه في الوقت الذي بدأت فيه الغزوات الاستعمارية الغربيةتجتاح العالم ، كانت ثمت حضارات متكاملة تزدهر في العالمين قديمه و حديثه و كانت تغذ السير  قدما في تطورها ، و لم توقفها أو تعطلها غير رسالة الغرب الحضارية المزعومة .

ففي شرقي أفريقيا كانت امبراطورية الزولو و في وسطها مملكة أوغندا و كلتاهما كانتا غنيتين بالعاج و الجلود ، و في غربها ممالك داهومي و بنين و بوغندا الغنية بمعادنها النفيسة . و اذا انتقلنا الى شرقي آسيا حيث الامبراطورية الصينية التي كانت في كثير من ملامحها أكثر تقدما من أية أوربية عاصرتها . و في أمريكا الشمالية كان تحالف ( الايروكي ) يشكل رقعة حضارية غنية بزراعتها  المتطورة فوق الأرض التي تضم حاليا شمال الولايات المتحدة و جنوب كندا  ؛ أما في وسط و جنوب  أمريكا فقد كانت حضارات المايا و الأزتك و و الانكا ، كانت في أوج ابداعها ، و ما نقل من كتب المايا الى اسبانيا كتذكار بعد أن أحرق  ( دييفوري لاندا ) معظمها ؛ ما نقل منها أثبت أن شعب المايا كان أكثر تقدما  من أي  شعب  أوربي  و خاصة  في  علوم الفلك  و  الرياضيات .

فالحضارة الغربية اذا حضارة شعوب جشعة آمنت بفلسفة البقاء للأقوى التي عززها    ( دارون و غوتيه ) فسعت لامتلاك القوة ثم أخذت تعيث بالأرض فسادا ، فتنهب كنوز الشعوب يحدوها اعتقادها  بأنها الأجدر بالبقاء ؛ فهي و الحال كذلك اضافة الى أنها حضارة عنصرية فهي حضارة طفيلية فما كان لها أن تتقدم لولا خيرات الآخرين  التي لجأ بناتها الى في سبيل الاستحواذ عليها الى أحط أنواع الأدوات  بدءا من الغزوات الاجرامية و انتهاء بالعبث بالعقول بواسطة المسكرات و المخدرات و وسائل التنشيط أو التبليد .

في داهومي كان أحد قوانين الدولة ينص على أن كل فرد يولد في هذه المملكة هو انسان حر لا يجوز استرقاقه و كانت تلك المملكة مكتفية ذاتيا لغناها بالمحاصيل الزراعية و المعادن الثمينة : هذه المملكة تحولت بعد أن غزاها البرتغاليون في القرن الخامس عشر الى أضخم مركز لتصدير الرقيق في العالم ! شعب داهومي هذا الذي عرف المساواة بين المرأة و الرجل و عرف الفرق النسائية المقاتلة التي أنهكت المستعمرين فيما بعد ؛ و عرف الاحصاء و الدراسات الاحصائية و استخدامها في التخطيط باسلوب فذ لم يعرفه التاريخ من قبل ، هذا الشعب حولته حضارة الغرب الى شعب من صيادي البشر ، نشر كوارثه الانسانية في غرب  و وسط أفريقيا لحساب تجار الرقيق الأوربيين.

ان رعاية الأذكياء ظاهرة حضارية يعول عليها عندما تخطط الدولة لتقدم شعبها ؛ هذه الظاهرة تبنتها الصين قبل أي بلد أوربي بألفي سنة على الأقل ، و قد بلغ مبدأ تكافؤ الفرص مستوى التقديس مما سمح بالحراك الاجتماعي عبر الطبقات ؛ هذا المبدأ الذي لم تتمكن كثير من الشعوب الأوربية من استيعابه الا في وقت متأخر جدا  ، كان من سمات الحضارة الصينية العظيمة حيث كان المثقفون المتفوقون يهيمنون على المؤسسات الادارية تحت حماية جيش قوي عددا و عددا ؛ فكان من المستحيل على الحضارة الغربية ابتلاع هذا الشعب  بالوسائل المألوفة فلجأ الأوربيون انطلاقا من مراكزهم التجارية التي أقاموها على السواحل الصينية ، لجؤوا الى نشر المخدرات  التي انتشرت تجارتها انتشار النار  بالهشيم  ، و اذ صحا الحكام الصينيون  لهذه الآفة و ابتدؤوا في كفاحها أشعل الأوربيون الحرب المعروفة  في التاريخ بحرب الأفيون .

في جنوب أمريكا برر الاسبان غزوهم لامبراطوريتي الأزتك و الأنكا و نهب ثروات شعوبهما بمقولة دينية هي القضاء على أمة وثنية تقدم ضحايا آدمية قرابين لآلهتهم الملعونة ؛ و نسي هؤلاء مظالم و عذابات محاكم التفتيش و احراق الساحرات و الفتك بالمصلحين الدينيين ، هذا مع العلم أن أهل الأنكا مثلا كانوا يقدمون قرابينهم من المجرمين و حسب ، و لم يعرفوا أساليب التعذيب قط .

الا أن السبب الحقيقي لاغتيال حضارات أمريكا الجنوبية كان الذهب و لا شيء غير الذهب و في سبيل الذهب ارتكبوا أبشع الفظائع . فعندما  بلغ ( بيزارو ) أرض الانكا كانت الامبراطورية تعاني من فتنة داخلية و سرعانما انحاز بيزارو الى آخر أباطرة  الانكا ( أنا هواليا ) و اذ استتب الأمر له أصبح بيزارو و جنوده موضع تكريم في العاصمة ( كوزو ) هناك بهرهم الذهب المنتشر في كل مكان ،أفاريز القصور و اطارات نوافذها ،و مقابض الأبواب،  صحاف الموائد و أكوابها ، و أحزمة الفتيات ؛ كلها كانت من الذهب الخالص ، الا أنهم عندما دخلوا حديقة معبد الشمس التي صنعت أشجارها و أطيارها و فراشاتها  من الذهب ، سال لعاب الضيوف موضع التكريم و قرروا أمرا ؛ ففي أعقاب أحد المهرجانات الاحتفالية حيث كان بيزارو و جنوده ضيوف الشرف ، انقضوا على مضيفيهم بما فيهم الامبراطور فأعملوا فيهم قتلا و ذبحا في أبشع مذبحة عرفها التاريخ ، ثم انبروا ينهبون الذهب أينما رأوه و يفتكون بمن يعترضهم ؛ و تجاه الأطنان  المكدسة التي يصعب نقلها اضطروا الى انشاء أفران أخذوا يصهرون فيها أروع الكنوز  الفنية و أقدس المقدسات  ليحولوها الى سبائك عمرت خزائن مملكتهم .

جورج واشنطن مؤسس الولايات المتحدة الأمريكية  أمر باحراق قرى و محاصيل  اتحاد ( الايروكي ) و من بقي من هذا الشعب لا زال حتى اليوم يطلق على أبي الولايات المتحدة  لقب : ( راناد أغريس ) أي مدمر القرى  . و هنود أمريكا الشمالية اليوم يقيمون فيما يشبه المتحاف الحية التي  يؤمها السواح لاشباع فضولهم.

و في سوريا كان من أولى الأوامر التي أصدرها الجنرال غورو الى الشعب السوري في صدر الانتداب  أمر يقضي بتسليم ما يملكه الناس من نقود ذهبية الى بنك ( سوريا و لبنان ) لاستبدالها بالعملة الورقية التي فرضوها ،و ما تمكن الفرنسيون من جمعه من الذهب  بهذه الوسيلة حول فورا الى الخزينة الفرنسية مع زعم أنها لتغطية الليرات التي ابتدعوها .

و اليوم و بعد أن انتهى تقريبا عصر الاستعمار و حيث تعيش الحضارة الغربية فوق قمة العلوم و التكنولوجيا هل تغيرت سمتها الطفيلية رغم كل تقدمها ؟

 نظرة  الى المسافة الشاسعة بين سعر الخامة من مصدرها   و بينها بعد تصنيعها 

نظرة  الى ابتداع الحروب  و الفتن حيثما تتواجد الخامة ، لهدف استمرار السيطرة عليها .

و نظرة  الى العولمة و ما تهدف اليه من اخلاء الساحة الاقتصادية  لصالح  بضع دول صناعية غربية .

تجعلنا ندرك أن الحضارة الغربية لا زالت حضارة طفيلية رغم كل تقنياتها ، لا زالت غير قادرة على الاكتفاء الاقتصادي الذاتي و ستظل بحاجة الى الخامة لاستمرار  صناعتها و هي الخامة الرخيصة بالضرورة ؛ حاجتها الى أسواق متحكم بها .

 فهي لهذا و ذاك ستبقى حضارة طفيلية و سيبقى العالمان الثالث و الرابع أسمن ضحاياها .