أدب2

الأعمال الروائية

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

*****
سيرة ذاتية
نزار ب. الزين

 

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و أربعين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

 

عيلة الأستاذ

رواية

نزار ب. الزين*
 

- 1 -

سميرة

     شَعَرَ سمير بالظلم للمرة الأولى يوم أن حل في الأسرة ضيف جديد . يذكر تماما المناخ الذي ساد يوم الولادة ، يذكر نشاط أبيه المحموم . إندفاعه إلى الخارج لإحضار        ( الداية )* و من ثم استدعاء الأقارب ، و يذكر نشاط أم محمد غير المعتاد ذاهبة آتية بين المطبخ  و  الصوفا*  و غرف المنزل الأخرى . يذكر الضجيج و التوتر السائد ، و استغاثات أمه التي تصاعد تواترها و تسارع ، ذلك الصراخ الذي أفقده اتزانه فوقف في زاوية الغرفة حائرا مرتبكا ، ثم مذهولا فزعا ، ثم ما لبث أن شارك أمه صيحات استغاثتها ، و يذكر كيف أن خالته فخر النساء تنبهت فصحبته إلى ( العلّية )* حيث بقيت إلى جواره تلاطفه و تهدئه إلى أن نام .
في اليوم التالي كان المنزل غاصا بالنساء من جميع الأعمار و أقارب لا يدري تسلسل قرابتهن ، اندمجت بعضهن في ثرثرة لا نهاية لها بينما انشغلت أخريات بشؤون أطفالهن ، هذه ترضع و تلك تنهر و ثالثة تنذر و تتوعد ، ضجيج . ..ضجيج . . .ضجيج. . . في كل ركن ضجيج مربك ، أما أمه التي قدمت كل اؤلئك النسوة لشد أزرها و معاونتها لاجتياز الأزمة ، فقد أُهملت تماما فتركوها مستلقية على فراش في ركن الغرفة .
اقترب منها يخامره شعور مزيج من الفضول و الحب و الوجل ، كانت مغمضة العينين و ثمة قطرات من العرق تلمع فوق جبينها الشاحب كما الندى على وريقة عضها الخريف ؛ و لكنها ما أن أحست به إلى جوارها حتى فتحت عينيها المتعبتين ببطء بينما افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة و قالت له حانية :-
" اقترب مني يا قرة عيني ، اقترب و الق نظرة على أختك التي طالما انتظرناها معا ، اقترب و انظر إلى سميرة الأميرة ، هيا اقترب و قبلها من خدها و لكن برفق" .
يذكر سمير ذلك الوجه الصغير الصغير لدرجة أنه يصغر ثدي أمه الذي تدلى لإرضاعها ، و يذكر ذلك الجسم الضئيل الضئيل ، و الملتف بإحكام بأقمشة بيضاء أسموها تارة ( الإنداقة)* و تارة (الكوفلية) .
و يذكر أنه بينما كان يتأمل ذلك الكائن الذي أطلقوا عليه اسم ( سميرة ) كان والده قد دخل مبتسما يرد على تهاني الزائرات اللواتي هرعت بعضهن إلى إلقاء خمرهن على رؤوسهن لحظة رؤيته ، كان يبدو جذلا و هو يصافح هذه و يقبل تلك ، و مع أن بعضهن استقبلنه دامعات العيون كمن يواسينه لأن المولودة أنثى ؛ إلا أنه لم يأبه بهن و استمر مندفعا نحو زوجته يبارك لها بما أنجبت و يهنئها بالسلامة ، و إذ تقدم ليطبع قبلة على جبينها صدرت عن بعضهن همهمات خافتة بينما نفرت أخريات إلى الغرف المجاورة استحياء أو استهجانا !.
و يذكر سمير بوضوح لا لبس فيه أنه منذ ذلك الحدث لم يعد مركز الاهتمام كما كان من قبل ، بل أن البعض كان يثقل عليه بمزاح كان أقرب إلى التشفي و الشماتة حين كانوا يوجهون إليه عبارة رسخت في ذاكرته و حفرت في مشاعره أولى أخاديد الإحساس بالظلم :
" نزلت (بابوجتك)* عن الرف " . لم يكن يدرك معنى العبارة ذلك الحين إلا أنه كان يشعر بإيحاءاتها المغيظة فيغيظ ، و قد يحتج باكيا أو حردا و نافرا إلى (الروشن)* و قد يندفع هؤلاء الثقلاء وراءه ضاحكين . و إمعانا في تعذيبه كان البعض يتحدث و بحضوره عن مدى غيرته من أخته  حتى جعلوه يغار منها حقيقة ، و من ثم دفعوه دفعا إلى درب طويل من العلاقات غير الودية ربطته بها لسنوات .
أحس بالإهمال حتى من قبل أم محمد المربية التي أخذت تبدي تذمرها من طلباته و هي التي لم تكن ترد له طلبا . و السبب ذلك الشيء الملفوف (بالكوفلية) البيضاء و الذي لا يكف عن الصراخ حتى ينتقل من سريره الهزاز إلى يد أمه و منها إلى يد جدته أو يد أم محمد أو إلى يد خالته ثم يد أمه من جديد ، و كأن لا شاغل للجميع غير ذاك الشيء الذي رغم صراخه المزعج ، تعددت أسماؤه و ألقابه الجميلة ؛ و هي مستمرة تصرخ و تصرخ و هو مستغرب جاهل لسبب صراخها ، كاره لهذا الصوت الذي ظل يرن طويلا في أذنيه .

============

*الروشن : شرفة بارزة من المنزل مغطاة بالنوافذ الزجاجية و اتلستائر

*الإنداقة أو الكوفلية : قطعة من القماش الأبيض يُلف بها قدما الرضيع حتى البطن

*البابوجة : الحذاء الخفيف

*الصوفا : غرفة الجلوس

*الداية : القابلة أو المولِّدة

* العلية : غرفة عالية كطابق ثاني

 

 

2
المدرسة

      كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن المدرسة و لكن ذات يوم وجد نفسه فيها .
في ذلك اليوم بالغت أمه بالعناية بهندامه مبالغتها بتأنقها ، و لكم أدهشه اهتمام المارّة و أصحاب الدكاكين  و صبيانهم ؛ كانوا يتابعون الثلاثة بعيونهم الجاحظة أو تعليقاتهم الجارحة التي سببت توتر أمه فحثت خطاها و تبعتها أم محمد مهرولة و هي تجر سمير ضاغطة على يده التي حاول الإفلات منها مرارا تحت وطأة الألم و لكن دون جدوى . و عندما هتف صَبِيّان :
" أم  البونيه*
 الرقاصة يبعث لها حمّى و رصاصة " نهرتهما أم محمد و شتمتهما ثم تصدى لهما أحد المارة بقوله : " عيب عليك أنت و إياه ، أصبحتم تتطاولون على أسيادكم يا نَوَر ، هذه (عيلة) الأستاذ يا قليلا التربية " فلاذ الصبيان بالفرار .
كان هذا الموقف دافعا لأن تضاعف أمه سرعة خطواتها ، فما كان من أم محمد إلا أن حملت سمير على ظهرها كما اعتادت أن تفعل عندما كان صغيرا و أخذت تهرول وراء أم سمير و هي تلهث ؛ و عندما بلغوا بوابة المدرسة كاد الإعياء يسقطها أرضا أما لسانها فما فتئ يلعن آباء و أجداد هؤلاء السوقيين .
كان كل شيء مدهشا بالنسبة إليه بدءا من بوابة المدرسة الكبيرة بشكل غير معتاد و التي تتضمن باباً أصغر ولجوا منه لتقابلهم حارسة الباب الغاطسة في مقعد متهالك ، منهمكة بنسج خيوط الصوف بصنارتيها بالغتي الطول ، ثم تلك الحديقة الفسيحة بأشجارها الباسقة المتجاوزة ارتفاع مبنى المدرسة ذي الطابقين ، ثم تلك السيدة التي هرعت لاستقبالهم بثوبها الأزرق الزاحفة أطرافه على الأرض و قبعتها البيضاء هائلة الحجم  و التي تكبر مظلة والده و التي عرف فيما بعد أن راهبة و يناديها التلاميذ "الأخت
Ma Soeur" ، ثم ذلك الحديث الدائر بين أمه و بينها و الذي لم يفهم منه حرفا واحدا لأنه كان بالفرنسية .
و أدهشته كذلك تلك السيدة ذات الشارب فلأول مرة يرى امرأة بشارب و قد اكتنز جسمها لحما و طبق شحما ، و التي سحبته من بين يدي أم محمد و قادته إلى غرفة تعج بالأطفال حيث رحبت به (المدموزيل مارتا) و أجلسته في مقعد خال .
(مدموزيل مارتا) هي أول معلمة عرفها سمير ، مرحة ، دائمة الإبتسام ، عندما تتحدث تمثل و تتلاعب بطبقات صوتها بما يناسب المقام ، و حتى عندما كانت تعلمهم الألفباء و الأرقام كانت تنغمها بطريقة يسهل حفظها و كانت تعلمهم أناشيد قصيرة و تحدثهم كثيرا عن يسوع و عن طفولته و معجزاته ، و عن الملائكة و الشياطين ، و عن الجنة و الجحيم  ، و عن المخلِّص و الخلاص ، و عن الصلب و درب الآلام ؛ مستعينة بلوحات إيضاحية مناسبة ؛ كما كانت حريصة أيضا على افتتاح اليوم المدرسي بصلاة قصيرة .
 لوريس التي تكبره سنا و تفوقه قوة ، كانت تشاركه مصروفه رغما عنه ، كانت تنقض عليه انقضاض صقر على عصفور فتشل حركته بيد باحثة عما في جيبه باليد الأخرى فتنتزع معظمه ثم تلوذ بالفرار .
كانت لوريس من ذوي الياقات الصفراء ، و كان هؤلاء محل ازدراء ذوي الياقات البيضاء ، و لم يكن سمير يعلم سبب ذلك إلا بعد سنة أو تزيد حين علم أن ذوي الياقات الصفراء يدرسون بالمجان إما لأن أسرهم فقيرة أو لأنهم يتامى ؛ و كانوا يُسخَِّرون بتنظيف الساحات و يكلفون بأعمال مختلفة كنقل الكتب و الألواح ووسائل الإيضاح و قرع الجرس الكنائسي إيذانا ببدء و انتهاء الحصص ، كما كانوا يتناولون طعامهم المجاني في قاعة مخصصة لذلك في قبو البناء و لكن كان عليهم أن يخدموا أنفسهم بدءا من تحضير الوجبة و انتهاء بتنظيف الأدوات .
كانت لوريس تسبب له دوما آلاما جسدية و نفسية و كثيرا ما كانت تبكيه ، و لكن بعد عدة تجارب مريرة ، بدأ يتعلم كيف يتحاشاها فيفلح حينا و يفشل حينا و لكنه تعود أن يستسلم حين يجد نفسه محاصرا فيخرج ما في جيبه و يقدمه إليها و لسان حاله يقول :-
" خذي ما شئت و لكن كفي عن إيذائي ."
لم تكن لوريس الوحيدة التي آذته فكثير من التلاميذ كانوا يسخرون من طريقة كلامه و لفظه المتميز بإبدال الحروف و خاصة بعد أتساقط عدد من أسنانه ..
و لكن لأمر الوحيد الذي لم تتمكن الصدمات من تعويقه هو قدرته العالية على سرعة التعلم  ، فكان يحظى على رضا معلمته ، و على فيض من رضا والديه ، و خاصة عندما يقرأ دروسه بالفرنسية بطلاقة فيمطرانه بالقبل و عبارات الثناء .

------------------------------------------

*البونيه : حجاب وجه أرق من الحجاب التقليدي يظهر بعض ملامح الوجه
 


3
الروشن


      في منزله و بعد أن يفرغ من مذاكرته كان سمير يلهو بألعابه المختلفة التي أخذ يملها مؤخرا ، فهي لم تعد تلائم سنه و لم يطلها التجديد منذ أن أنزلت سميرة ( بابوجته ) عن الرف ، إلا أن هذه الألعاب السخيفة تصبح مثيرة للاهتمام و مرغوبة للغاية عندما تحاول سميرة التي قارب عمرها الآن العامين لمس إحداها ؛ فيعمد و هو في اشد حالات الغضب إلى انتزاعها منها ، فيتعرض للتوبيخ و ربما ( لفَرْكة* ) أذن إزاء تصرفه الذي كان يتسم أحيانا بالقسوة فينسحب إلى (الروشن) باكيا .
هذا ( الروشن ) الذي عزز ميله إلى العزلة ، كان في الواقع شرفة أطل سمير منها على الحياة حلوها و مرها .
و تطل أطراف ( الروشن ) الثلاثة على الشارع ، و أما الرابع فيطل على باطن المنزل من مرتفع كان سمير يتسلقه بصعوبة ؛ و كانت ثمة ستائر من الكتان الأبيض المطرز تغطي النوافذ ، و أرضية مفروشة بأرائك ومساند رصت إلى جوار النوافذ، تتوسطها سجادة عجمية صغيرة ، مشكلة  جلسة  عربية  مطلة  على  غرفة  الضيوف  ذات  الأثاث  الشامي  المطعم بالصدف .
اعتاد سمير أن يستقر جالسا على ركبتيه فوق إحدى الأرائك مزيحا الستارة المجاورة إلى ما وراء ظهره بينما كان يغيِّر النافذة مع اختلاف المشهد الذي كان يشده .
من النافذة الشمالية و هي النافذة الرئيسية ، كان يطل على بستان الباشا و هو جزء من غوطة دمشق الغناء امتدت إلى جواره و بأعماق متفاوتة يد العمران ، إلا أن مشكلة ميراثية استبقته على حالته الخضراء حتى الآن ، فأصبح بمثابة حديقة شعبية لأهل حي الباشا .
و على الرغم من جميع محاولات البستاني أبو صياح اليائسة و جهوده المضنية لترقيع سوره المصنوع من الطين و القش ، أو تعليته من حين لآخر ، فقد كانت بعض الشقوق و الثغرات تظهر ثم لا تلبث أن تتوسع بتأثير العوامل الجوية ، ثم يعمقها أولاد الحارة أثناء لعبهم ، فتتحول إلى مدارج و ممرات صالحة يتسرب من خلالها الناس أيام الربيع و أوائل الصيف ، و خاصة أيام الجمع و الأعياد ، حيث تتجمع الأسر على حواف جداوله ، و بين الخضرة و الماء و الطقس الحسن ، تتفتح الشهية لأطايب الطعام الشامي حيث تحلو المشاوي ، أو الصفيحة المشبعة بالدهن و دبس الرمان ، أو فطائر البيض بالجبن ، أو كلها معا . و على الجمر الفائض تعمر أنفاس النارجيلة و دلال القهوة و أباريق الشاي ، فتتفرغ النساء من بعد للثرثرة ، و ينصرف الرجال إلى لعب النرد أو الورق ، و بينما تقفز البنات الصغيرات على الحبال يخوض الصبية في السواقي و يصطادون الضفادع أو يفتكون بالسلطعانات أو يتراشقون بمائها حين يشتد الحر ، في حين يمارس الشبان لعبة السيف و الترس ، أما الموسيقا فهي الناشزة بين هذا التناغم الفذ بين الإنسان و الطبيعة ، لأنها كانت تصدر غالبا عن جوقة من الغربان رمادية الصدر التي اتخذت من أعالي أشجار الجوز العملاقة - و التي كانت تلقي بظلالها الوارفة على المتنزهين اتخذت من أعاليها مساكن لها .
و من خلف بستان الباشا و من بين أشجاره الباسقة تظهر بساتين أخرى أخذت امتدادات سرطانية عمرانية  تقتطع منها .
و في أقصى اليسار من بستان الباشا ارتفعت بيوت خشبية جميلة بأسقف قرميدية هرمية ، مشكلة النهاية الشمالية لحي شعبي  مجاور .
و يفصل حي الباشا عن بستان الباشا شارع عريض مستقيم  رصف بمكعبات من الحجر الأسود ، يتوسطه زوجان من السكك الفولاذية تمر عليها حافلات الترام الكهربائية يغذيها بالطاقة سلكان نحاسيان غليظان بارتفاع يوازي ارتفاع (الروشن) معلقان بأذرع ممتدة من أعمدة معدنية  تتوسط  الشارع ، و قد نصبت على قممها أضواء كهربائية تنير الشارع في الليل .
و على طول الرصيف المقابل لبستان الباشا صف من الدكاكين يعمل أكثر أصحابها بتجارة و تخزين أو تعبئة منتجات الغوطة الزراعية من حبوب و جوز ولوز و بزر مشمش و قمردين ، تتخللها دكاكين قليلة لممارسة بعض الحرف اليدوية ، و فوق الدكاكين تلاصقت المنازل الخشبية بطبقة واحدة أو اثنتين و أحيانا ترتفع طبقة ثالثة على شكل غرفة واحدة مسقوفة بهرم قرميدي يطلقون عليها اسم ( العلية أو الطيارة ) ؛ و بين كل بضعة من تلك البيوت مدخل لإحدى الحارات بعضها ذات بوابات خشبية تغلق في الليل ، فبينما عدد بيوت بعضها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة فإن بعضها الآخر يحوي عشرات البيوت و أكبرها حارة الجزيرة التي تنتهي بطاحونة تعمل بقوة الماء الجاري.
كان سمير يلهو بمتابعة حركة المرور التي لا تهدأ ، حركة الفلاحين القادمين من (الغوطة) بأحمالهم من الخضار و الفواكه و التي تبتدئ منذ الفجر باتجاه سوق الهال القريب من مركز المدينة ؛ ثم حركة حافلات الترام أو العربات التي تجرها الخيول أو السيارات التاكسي التي كان يسميها الناس ( فورد أبو دعسة ) .
فإذا هدأت حركة المركبات قبيل الغياب ، التفت سمير إلى متابعة لعب أولاد الحارة ؛ كانت لعبة هؤلاء المفضلة ( عسكر و حرمية ) التي تعتمد على المطاردة و نصب الكمائن و الكر و الفر و اطلاق النار من بنادق خشبية مقلدين الروايات الأمريكية البوليسية أو أفلام رعاة البقر أو حروب البيض و الهنود الحمر ، تلك الأفلام التي اعتادوا مشاهدتها في قاعات السينما الرخيصة مثل قاعات غازي ، راديو ، كوزموغراف و السنترال ؛ و قد يتشاجر بعضهم فيطلقون السباب و الشتائم البذيئة و التي كانت أمه أو محمد تجرانه بعيدا كي لا يستمع إليها ، و قد عوقب ذات مرة عقابا شديدا لأنه تفوه بإحداها مما جعله يخجل فيما بعد من مجرد خطورها في باله .

---------------

*الروشن ، شرفة بارزة مغطاة

 

4
أطفال الحجارة


      ثمة عطلة مدرسية طويلة لا يذكر سمير مناسبتها ؛ و لكن في أحد أيامها تجمع الصبية كالمعتاد و لكن بدلا من مباشرة لعبهم حولوا أنفسهم إلى مظاهرة صغيرة أخذت تجوب الشارع جيئة و ذهابا ، ثم أخذت تتعاظم بينما أخذ أفرادها يعترضون حافلات الترام و يرشقونها بالحجارة و من ثم بدؤوا يطالبون التجار و الحرفيين بإغلاق دكاكينهم .
و ما أن انتصف النهار حتى كان الشارع مقفرا إلا منهم ، عندما تدخل رجال شرطة مخفر الحي المجاور ، و بعد صدام قصير عاد كل شيء إلى طبيعته ؛ و لكن المصادمات بين الجانبين توالت خلال الأيام التالية و أصبح من المألوف أن يتحول الشارع و بستان الباشا  إلى ساحة معارك حقيقية تضطر معها العربات و حافلات الترام إلى النكوص على أعقابها من حيث أتت و يهرع أصحاب الدكاكين إلى إغلاق أبوابها أما المهنيون فيضطرون إلى استمرار أعمالهم من وراء أبواب موصدة من الداخل ذلك أن حالتهم المادية لا تسمح لهم بلحظة بطالة واحدة .
ثم أخذت الأمور تتطور نحو العنف و أخذت بعض الإصابات تظهر هنا و هناك ، سواء بين الصبية المتظاهرين أو بين الأبرياء من المارة أحيانا أخر ، و بدأ تدخل الشرطة يتفاقم و يزداد شراسة مع تفاقم العنف و التخريب .
و في يوم استبدت فيه النشوة بالصبية بعد أن تمكنوا من السيطرة على الحي ثم توجهوا لإشعال الإضراب في الحيين المجاورين ، فتصدى لهم على غير المألوف تجمع معارض كبير أخذ يصدهم و يرشقهم بالحجارة أيضا ، ثم بدت عن بعد عربات كثيرة لرجال الشرطة و الدرك* أخذت تستعد لمهاجمة الحي ؛ هنا تراجع الصبية و أخذوا يقيمون حاجزا من جذوع أشجار كانت معدة في البستان لبيعها حطبا ، ثم بدأ الحاجز ينمو بما أضيف إليه من أنقاض جمعت على عجل من كل صوب .
كان رجال الأمن ينظمون صفوفهم ، عددهم و عددهم تنذر بالشر ؛ كانت خوذهم المعدنية تعكس نور الشمس كعشرات المرايا ، و تروسهم المثبتة على أذرعتهم ، و بنادقهم المعلقة على أكتافهم و صفوفهم المنظمة و هم يتقدمون على إيقاع صفارة كبير ضباطهم ملوحين بعصيّهم الغليظة ، كل ذلك كان يوحي بالرهبة و يدب الرعب في قلوب سمير و أمه و مربيته أم محمد ، و لكن ليس في قلوب صبية الحي الذين ما أن شاهدوا رجال الأمن يباشرون بإزالة الحاجز حتى انهالوا عليهم رشقا بالحجارة و الزجاجات الفارغة و ما طالت أيديهم من أجسام صلبة .
و بأمر من قائدهم تراجعوا قليلا ثم شنوا هجومهم الكاسح ؛ فدب الذعر بالصبية و لاذوا بالفرار على غير هدى فقد كان الضغط أقوى من أن يحتملوه .
تعثر بعضهم فكان هدفا سهلا للضرب بالهراوات و كعوب الأحذية العسكرية  حتى إذا رووا غليلهم ممن وقع بين أيديهم جروه إلى شاحنة الاعتقال .
و بينما انهمك بعض رجال الأمن باستكمال إزالة الحاجز استمر آخرون في ملاحقة الصبية و تحطيم عظام من يطولونه منهم ، و أخذت نسوة الحي اللواتي امتدت رؤوسهن من النوافذ و الشرفات يولولن أو يناشدن الجنود بأن يكونوا أكثر رأفة فالصبية لا يتجاوز أكبرهم الخامسة عشر ؛ أما أم محمد فكانت من فرط انفعالها تلطم خديها في حين كانت أم سمير تضم سميرة إلى صدرها و هي ترتعش و تمسح بطرف خمارها قطرات من الدمع كانت تتسرب من حين لآخر من مقلتيها .
و استمر رجال الشرطة و الدرك بقيادة ضباطهم الفرنسيين يلاحقون أطفال الحجارة و قد أبدى بعضهم وحشية فاقت كل توقع .
كان التجار و المهنيون و عمالهم و بعض شبان الحي حتى اللحظة من المتفرجين و لكن عندما أصيب صبي إصابة بالغة فأغمي عليه هرع شابان لإسعافه فما كان من أحد الضباط إلا أن أمر بضربهما و اعتقالهما فازداد عويل النساء إلا أن الشبان اشتعلوا غضبا فبادر أحدهم بقذف زجاجة فارغة استهدفت ذلك الضابط الأحمق فأصابته إحدى شظاياها و هنا جن جنونه فأخرج مسدسه و أطلقه باتجاه أحد التجمعات و اشتعلت من ثم الحرب .
صمت عويل النسوة و انسحب الصبية إلى مداخل الحارات و صاح صائح :" لا تخافوا يا شباب الموت لا يخيف الرجال " . ثم عزز كلامه بقذف حجر كبير من مقلاعه بعد أن لوحه في الهواء فأصاب صلعة دركي كان قد رفع لتوه خوذته ليمسح عرقه ، و على الفور انبثقت نافورة دماء فغطت وجهه و ثيابه ، فما كان من زملائه إلا أن جهزوا أسلحتهم و أخذوا يطلقون النار في كل اتجاه .
هبت أم سمير إلى ( الروشن ) فانتزعت سمير من مكمنه و اندفعت به إلى الداخل و للتو سمع ثلاثتهم صوت قذيفة أصم آذانهم كانت قد اندفعت إلى إحدى النوافذ فحطمتها ثم أكملت طريقها إلى الثريا المعلقة في وسط الصالة فبعثرتها لتملأ شظاياها الحجرة و أثاثها .
شل الرعب سمير و أمه بينما أصيبت أم محمد بحالة هستيريا أخذت تردد خلالها بلا هوادة : " يا لطيف ، إنه يوم القيامة ، يا لطيف خربت الدنيا فوق رؤوسنا ، يا لطيف ..يا لطيف .. إجعل  للبلا  تصريف ." كررتها عشرات المرات قبل أن يفتح الباب و يدخل الأستاذ فهرعوا جميعا لاستقباله .
قالت له أم سمير :
- لقد أحسست بالضياع ، حسبت لوهلة أني فقدت كل شيء ، كان ابنك جالسا على (الروشن) قبيل دخول الرصاصة ، ربك قدر و لطف فقد جررته من هناك في اللحظة المناسبة كأنما هاتفا هتف لي لأفعل . ثم أردفت متسائلة :
- - و آخرتها يا عبد الباقي ؟
 
- لا أحد يمكنه التكهن بالنهاية ، الإنسان المخدوع يا قمر لا يمكنه العيش بسلام لا مع نفسه و لا مع الآخرين ، هو يصارع نفسه لأن الخديعة انطلت عليه فيعيش تحت سياط الإحساس بالذنب ، و تظل أعصابه مستنفرة متحفزة للثورة و التمرد ، و من ثم يتطلع إلى وسيلة يقارع بها من خدعه .
-  لم أفهم كلمة واحدة ، من الخادع و من المخدوع ؟
 - لقد عاملت فرنسا قادتنا معاملة الأطفال فبعد توقيع المعاهدة التي استغرق التفاوض من أجلها أشهرا ، جمدتها الجمعية الوطنية الفرنسية بحجة أو بأخرى ، و بعد أن تركونا نؤلف الدستور عطلوا المواد المتعلقة بالممارسة الفعلية للاستقلال ، و عندما ظهر التضامن بين مختلف فئات الشعب سنوا قانون الطوائف لإشعال نار الفتنة بإثارة النعرات العقائدية من جديد ؛ و لكن بينما تراخت روح النضال لدى القادة الذين بدؤوا يستسلمون للأمر الواقع ، و خاصة بعدما تبوؤوا المناصب ؛ فإن الروح النضالية لم تخمد لدى عامة الناس ؛ تلك هي المسألة يا قمر .
-  لو رأيت رجال الشرطة و الدرك ، كانوا وحوشا !
 - ملكيون أكثر من الملك !

*****


   و في اليوم التالي أفاق الناس ليروا جنودا أفارقة يملؤون الحي ، تميزهم طرابيشهم  و أحزمتهم الحمراء ؛ كانوا مدججين بالسلاح ، في حين قامت مجموعات من الشرطة منذ الفجر باعتقال زعماء الحي ووجهائه بعد اقتحام بيوتهم .
و عرف حي بستان الباشا الهدوء للمرة الأولى منذ أشهر و لكنه كان هدوءا حذرا تحت ظلال الحراب الفرنسية .
ثم فتحت الدكاكين أبوابها ، فعاد النول اليدوي إلى قرقعته الرتيبة ، كما عادت حافلات الترام الكهربائية إلى رحلاتها المكوكية ، و كذلك عاد سمير إلى مدرسته بعد انقطاع طويل .

=================================

*الدرك : شرطة الأرياف و يستعان بهم عند تأزم الأوضاع


5
الدفاع عن وجهاء الحي

 

  توالت الزيارات بين من بقي من رجال الحي بدون اعتقال ، و كان أكثرهم نشاطا إمام مسجد الحي الذي دعا إلى عقد عدة اجتماعات كان يتخذ المسجد و مواعيد الصلاة ستارا  لها . و قد احتدمت المناقشات حول وسائل تخليص وجهاء حي  الباشا من أهوال سجن (المزة*) العسكري ، أما الأطفال فقد عادوا إلى بيوتهم بأقدام منتفخة أو دامية بعد ( فلقة* أو فلقات ) من قبل المتخصصين من درك القلعة ، كما فقد الحي واحدا من أطفال الحجارة و قد منعت سلطات الانتداب تشييع جثمانه .
لم يجد الرجال بدا من اللجوء إلى الحلول الهادئة فالحي محتل من قبل المرتزقة الأفارقة المدججين بالسلاح و أي احتجاج من أي لون سيعرض القائمين عليه إلى القمع . و في حين أجمعوا على ضرورة تشكيل وفد لمقابلة المندوب السامي الفرنسي ، و فق نصيحة قدمها إليهم وزير الداخلية  الذي اعترف لمن قابله منهم أنه مجرد من كل الصلاحيات تحت ظلال الأحكام العرفية ! فإن كلمتهم كانت تتفرق عندما يصلون إلى لحظة اختيار المرشحين لهذه المهمة المحفوفة بالمخاطر . إلا أن (الحصري)* أبو رياح وضع حدا لتخاذلهم عندما طرح اسم الأستاذ ، فوافقوا بالإجماع فقد كان معروفا لديهم و موضع ثقتهم .
ابتدأ الأستاذ عبد الباقي على الفور عمله ؛ و عندما ترأس وفدا و طلب مقابلة المندوب السامي أو أي من مستشاريه المتنفذين رفضوا استقباله ، فطلب من ذوي المعتقلين وكالات رسمية تمهيدا لتحويل المسألة إلى القضاء العسكري .
تم كل شيء على عجل ، فجمعت الأموال اللازمة لتكاليف القضية و استكملت إجراءات التوكيل و تحرك الأستاذ من ثم للاستفسار عن أماكن اعتقال موكليه للتأكد ثم قام بزيارتهم في سجن( المزة ) العسكري ، فوجدهم على أسوأ حال من الذل و الهوان ، وآلمه أن يرى بأم عينيه مختار ووجهاء حي الباشا يكنسون الشارع المجاور للسجن تحت قرقعة سياط العسكر ، وقد أكد له هؤلاء أنهم خضعوا للتعذيب أيضا .
قدم إحتجاجا بصفته موكلا عنهم إلى إدارة السجن ، ثم توجه إلى مبنى المفوضية الفرنسية التي ارتفع بناؤها  قرب الجسر الأبيض ، فطلب مقابلة المستشار الأول بعد أن قدم بطاقته إلى موظف الاستعلامات بصفته الشخصية كمحامي مشفوعة ببطاقة من شقيق زوجته رياض بك الذي كان قد زوده بها لمعرفته الوثيقة بالمستشار .

كان الأستاذ عبد الباقي يتقن اللغة الفرنسية كأبنائها و يجيد الحديث بالأسلوب الفرنسي المعتمد على الإكثار من عبارات الاحترام و المجاملة ، و قد سبق له الإحتكاك بالسلطات الفرنسية بدءا من دفاعه عن ابن عمته  أحد أبطال ثورة (1925) ثم من خلال قضايا طابعها الغالب خلافات المقاولين مع سلطة و جيش الانتداب مما أكسبه خبرة في التعامل مع الفرنسيين عسكريين و مدنيين .
كان الكولونيل (أوبير) الذي تجاوز الأربعين بقليل ينفث دخان غليونه الذي نهض من وراء مكتبه و استقبل الأستاذ ببشاشة بعد أن قرأ البطاقتين ، و ابتدأ الحديث عن الطقس و تقلباته هذه الأيام من شهر شباط ، و قال الكولونيل أن شهر شباط في سورية يشبه كثيرا أيام الصيف في مسقط رأسه مدينة ( غرونوبل ) على سفوح ( الألب ) ، ثم انتقل الحديث إلى التدخين بعد أن رفض الأستاذ لفافة تبغ ( سيغار ) قدمها إليه الكولونيل مؤكدا له أنه لا يدخن سوى (الأرغيلة)* من حين لآخر ؛ ثم أخذا يقارنان بينهما ، وعندما أبدى الكولونيل رغبته بتجريب (الأرغيلة) و عده الأستاذ ( بنفس عجمي ) فاخر في الوقت الذي يحدده الكولونيل .
ثم انتقل الحديث إلى السياسة و خاصة موضوع الساعة و هو الخطر الألماني الذي برز بوضوح بعد احتلال وادي (الرين) و تهديده لشمال فرنسا ، و أنحى الكولونيل باللائمة على البريطانيين لمواقفهم المتخاذلة تجاه الألمان و مهادنتهم و اعتمادهم الكلي على عصبة الأمم .
و هنا وجد الأستاذ الفرصة مواتية ليحاوره فيما جاء من أجله مختارا أسلوب التسلل  التدريجي و خاصة  بعد  أن شعر  بأن  لدى  محاوره  الوقت  الكافي ....

و انتهت المقابلة بنجاح تم على أثره الإفراج عن زعماء حي  الباشا السبعة
 بعد أن قبلت المفوضية الفرنسية تعهدهم المؤلف من مادتين :
1 تأمين حرية المرور في الشارع للأشخاص و العربات بلا أي استثناء ، و منع التحرش بأي إنسان مارّ بالشارع  مهما كانت مبررات ذلك .
2 تدخل وجهء الحي بشكل إيجابي لمنع المظاهرات و تعطيل الأعمال اليومية .

===========

*الفلقة : ضرب أسفل القدمين بعصا

* الحصري : صانع الحصر ، و هي عبارة عن سجاجيد مصنوعة من القش

* الأرغيلة : النرجيلة أو الشيشة 
 

6
مكتب الأستاذ

     كان سمير يصغي إلى كل شاردة و واردة من أحاديث أبيه الشيقة ، و ما أكثر أحاديث أبي سمير ، مشاكل البلد ، مشاكل الحي ، مشاكل العالم من كوارث و اضطرابات و حروب ، أما أحلاها  فكانت عن  قضايا المحاكم .
كان أسلوبه بالحديث أخّاذا يجعله سيد مجالسه أيا كانت ، و حماسيا حتى لتخاله تجاه مرافعة متواصلة أمام سدة القضاء ؛ و الأهم هو استعداده العجيب لسرد الواقعة بتفصيلاتها مرات و مرات ، فمقابلته للكولونيل (أوبير) حكاها ( للعيلة ) و الأقارب و لوجهاء الحي عندما زاروه لتقديم
 شكرهم ؛ أما  سمير فكان  يصغي إلى والده  بنفس اللهفة و الاهتمام  و الإعجاب
 كل مرة .
و بخلاف ممارسات الأستاذ اليومية في المحاكم فهناك الندوة المسائية ، حيث اعتادت مجموعة من أصدقائه المثقفين بعضهم من زملاء الدراسة أو المهنة و بعضهم الآخر تعرف عليهم في مناسبات شتى ؛ اعتادوا الاجتماع في مكتبه أغلب أمسيات الصيف  و كل  مساء خميس شتاء ، حيث يتحاورون أو يتسامرون حتى ساعة متأخرة ، مما شكل معينا لا ينضب من المعلومات و الطرائف المتبادلة كفل ثراء ثقافيا لا حدود له لأفراد الندوة .
و الآن أتيحت لسمير فرصة الاقتراب من هذا النبع الثقافي الفياض ذلك النبع الذي لعب دورا رئيسا في بلورة شخصيته .
فقد تنبه الوالدان مؤخرا إلى ولع سمير الشديد بالعزلة و مكوثه لفترات طويلة على (الروشن) بعيدا عن أفراد أسرته المتنامية و التي حل فيها ضيف جديد هو شقيقته الثانية سمر التي لم يثر قدومها لديه أي اهتمام ، كما أن سميرة لم تعد تزعجه بعد إنصرافها الكلي إلى لعبتها الحية الجديدة سمر ، و لما كان محظورا عليه تماما اللعب مع أولاد الحي ، و لقاؤه بأقاربه على كثرتهم كان نادرا لأسباب لا يعرفها ، فقد أصبح التأمل و الإصغاء مصدرا تسليته و حسب ؛ كما تعلم أيضا أن يتخيل نفسه في المواقف التي تحلو له فيبدو للآخرين شاردا في عالم آخر، مما جعلهم يظنونه سرحانا مرضيا ؛ فكان انتباه والديه المتأخر مثيرا للقلق ، أنهته فكرة غاية في البساطة ، هي أن يرافق والده إلى مكتبه كلما تسنى له ذلك .
كان سمير يقف على  شرفة المكتب الكائن في  ساحة الشهداء (المرجة)  يسجل  في  ذاكرته  التصويرية ( بانوراما ) مفعمة بالحركة و الحيوية بكل دقائقها اعتبارا من الساحة الكبرى التي توسطها نصب تذكاري قيل أنه بني بمناسبة بناء خط للبرقيات ( التغلراف ) بين دمشق و المدينة المنورة منذ نيف و عشرين سنة ، كما تحيط بالنصب بركة ماء و حديقة متجددة الأزهار اصطفت حول أرصفتها سيارات الأجرة أو العربات (الحناطير) التي التي يجر كل منها زوج من الخيول  ؛ و من خلف النصب تبدو بعض المباني الحكومية كمبنى البريد و مجمع لبعض المحاكم ، و إلى اليمين كان مرآب بيروت حيث يقف المنادي صائحا :" راكب واحد إلى بيروت " دوما راكب واحد و دوما هناك وعد غير منفذ بأن السيارة ستنطلق خلال دقائق ؛ و إلى اليسار انتصب فندق أمية كأجمل مبنى من مباني المدينة الحديثة بطبقاته الست ، و إلى جواره امتدت ضفة بردى بشارعيها المخصص أحدهما لحافلات الترام المتجهة إلى حيي المهاجرين و الصالحية و الآتية منهما ، أما الثاني فلخدمة العربات و خاصة منها المتجهة من و  إلى المباني الحكومية الرئيسية كمبنى البلدية فالسراي فقيادة الشرطة ثم بنك سورية و لبنان ؛ إلا أن أكثر ما كان يشد انتباهه كان دوما تلك الحافلات الكهربائية "الترام" التي لا تفتر ذاهبة آتية من  و إلى مختلف أحياء المدينة الرئيسية فهذه اللتي رقمها(1) فإلى  حي الميدان و اللتي رقمها (3) فإلى الصالحية و الشيخ محيي الدين ، أما اللتي رقمها(4) فإلى حي المهاجرين ، و رقم (5) إلى (باب توما) ، وأما رقم (6) فإلى الغوطة الشرقية انتهاء ببلدة دوما .

فساحة المرجة هي مركز المدينة و هذا ما يتيح لأصدقاء الأستاذ أن يبقوا معه إلى ساعة متأخرة لسهولة المواصلات في كل حين .
كان سمير يتوجه رأسا إلى الشرفة ، أو يعبث قليلا بالآلة الطابعة أو الخرامة التي كان يثقب بها الورق مشكلا زخارف جميلة ، و كان يفرح حين يرسله والده مع ساعي* المكتب لإحضار (دلو عرقسوس) أو (إبريق عيران*) أو قطعة جليد لتبريد ماء الشرب ، و هو يعلم أن وراء المشوار ( كاسة بوظة* ) أو عصير الليمون المجمد .
إلا أنه أخذ مؤخرا ينجذب إلى حوارات الأصدقاء الممتعة ؛ فما أن يسمع صوت أبيه مجلجلا ،  حتى ينبذ صخب الساحة و أضواءها  و يدلف إلى صالة المكتب الفسيحة ، و بهدوء يبحث لنفسه عن مكان لينصرف من ثم إلى الإصغاء .
===============

*العيران : اللبن الرائب مع قليل من الثوم و الملح

*البوظة : منتج مجمد من اللبن الحليب المطبوخ

* ساعي : الآذن أو الحاجب أو الفراش

7
أصدقاء الأستاذ

   بخلاف والده كان سمير ينجذب إلى أحاديث الأستاذ رمزي ، فقد كان حضوره يضفي على الجلسة جوا من الإثارة ، فباعتباره صحافي و أديب ناشئ كان الجميع يتلهفون إلى سماع ما بجعبته من أخبار محلية كانت أم عالمية ، عرفها قبل غيره بحكم مهنته ، كان يلقيها دفعة واحدة ليتجنب فيض الأسئلة التي كانت ترهقه و تشتت تركيزه ، ثم يصمت إلى أن تتاح له فرصة الحديث في مجالي الأدب و الفلسفة فيصول و يجول ، و خاصة حول هذا النوع من الشعر الحديث الذي كثرت التعليقات حوله مؤخرا ، إلا  أنه  اقتنع  به  و تبناه  و كتب  فيه ، و قد  أطلق  عليه  الأستاذ عبد الباقي اسم ( القرّادية ) و هو تعبير سمعه من أحد أساتذته تعقيبا على قصيدة غير موزونة نظمها أحد زملائه ،  فظلت مثار تندر لفترة طويلة ؛ إلا أن الأستاذ  رمزي   أسماها   الشعر  المنثور ، ثم  تم  دمج  الكلمتين  في  تعبير  لغوي  طريف : ( الشعنثة ) ، مما اثار تفكه أفراد الثلة  في الأيام  التالية  فأخذوا  يرددون :      " جاء الشعنوث ، يا مرحبا بالمتشعنث ، إلقِ على مسامعنا شعنوثة يا أستاذ رمزي ؛ أو تشعنث الأستاذ رمزي فقال " ؛ و يضحكون و يضحك و لكن الضحك سرعان ما يبدأ بالتلاشي عندما تفرض شعنوثته احترامها لصدق تعبيرها بصرف النظر عن جنسها الأدبي .

و ألقى الأستاذ رمزي ذات مرة إحدى شعنوثاته بأسلوب عاطفي رقيق هز مشاعر الحضور و ظلت مراميها الفلسفية محور مناقشاتهم في الأيام التالية لما تنطوي عليه من تصوير موفق  لحالة الإنسان  خلال المرحلة التاريخية الحرجة من ثلاثينيات القرن العشرين ، قال :
عالم من الذئاب و الحملان
أين منهما موقع الإنسان ؟
لا هو ذئب و لا حمل
بل تارة من الذئاب و تارة من الحملان
و في الحالين ليس ثمة إنسان
---
قطعان
تهيم بلا بصيرة
بأعين قريرة
تحركها قدرية عمياء
و إرادة بلهاء
و غرائز غريرة
و لكنها ، ليست أكثر من قطعان مغرورة
تظن أنها الأجدى بالبقاء
---
قطعان
تردد أنشودة السلام
حيث لا سلام
فاللحن تعزفه ألسنة النار
و من هنا أزيز رصاصة
ومن هناك قصف أو انفجار
و الرائحة بارود عابق أو غاز خانق
أما الخلفية فخرائب مخضبة بالدماء
و جثث من العروق كلها
صفراء و سمراء و بيضاء
---
قطعان
تحركها قدرية عمياء
تهيم ببلاهة
و تندفع بشراهة
تنشر الخراب في كل مكان
أو تتجرع الكوارث

 و الأحزان
---
قطعان
تتحدث باسم السلام و الحرية
و نشر الحضارة و المدنية
و في جوفها همجية
و عقيدة بلهاء
بأنها الأجدى بالبقاء
---
و بعد أن تطرق الأستاذ رمزي إلى دعاوى أسياد العصر اليوم و تشدقهم الزائف بالسلام ، و كيف أنهم جعلوا من عصبة الأمم أداة لتحقيق أطماعهم ، تطرق إلى أهدافهم الحقيقية و المتمثلة بنهب ثروات العالم لينعشوا بها شعوبهم التي يعتقدون أنها الأجدى بالبقاء .
كان أول المعلقين الشيخ  خالد  و هو قاض في المحكمة الشرعية  ، قال مشيدا بما سمعه :
- لعمري إنه لشعر رائع لولا هذا التصرف بالأوزان و القوافي ، و لو أنك بذلت جهدا يسيرا لكانت شعرا و فق ما نعرفه من أصول الشعر " .
أجابه الأستاذ رمزي :
- لو لم يكن كذلك لما كان لونا جديدا ، لقد حذرتكم منذ البداية بأن ما تسمعونه هو فن قائم بذاته ، يطلق الفعالية التعبيرية على سجيتها لتصور و تبدع بإحساس الشاعر و الفنان ؟
ابتسم الجميع معبيرين عن قناعتهم بوجهة نظر الأستاذ رمزي حول الشعنثة إلا راشد أفندي الذي ظل يقهقه بينما اهتز جسمه المترهل و قد سالت بضع قطرات من دمعه مكملا تأثره بالاختراع الجديد كما أسماه مع أنه سمع التعبير للمرة العاشرة على الأقل .
و راشد أفندي هو سكرتير الأستاذ عبد الباقي ، و فيما عدا ساعي المكتب  حامد ، فهو موظفه الرئيسي ، مدير المكتب للشؤون الإدارية و المالية ، الصالح لجميع المهام بما فيها تسجيل الدعاوى في المحاكم و متابعاتها الإجرائية و تنظيم مقابلات الزبائن و حتى المشاركة في مساومتهم حول الأتعاب ؛ و بينما انصرف لتجفيف دموعه علق الأستاذ حقي و هو محام أيضا ، قائلا :
- أقبح ما في الإنسان تسلطه أينما تتاح له الفرصة بدءا من العلاقة الزوجية و انتهاء بعلاقات الأمم ، و أسوؤها جميعا مسألة العبودية التي أعتبرها وصمة عار في جبين الإنسانية و هي للأسف مستمرة حتى اليوم بشكل أو بآخر .
فرد عليه الأستاذ رمزي مصححا :
- عفوا ، أخي حقي ؛ أود أن أنوه لك بأن شعنوثتي لم تكن تعالج مشكلة العبودية فهي مشكلة ربما تزول يوما  ، إنما قصدت العنصرية و هي أسوأ بكثير و يعاني منها جيلنا ، إنها بالتحديد مشكلة عنصرية الرجل الأبيض الذي ينظر إلى الآخرين نظرة فوقية .
هنا قاطعه راشد أفندي و هو يفجر قهقهة جديدة ، قائلا :
- الحمد لله أنني لست ملونا مثل بعض جماعة !
و وجه نظره نحو رؤوف بك  الذي رد عليه بغضب مصطنع :
- ماذا تقصد يا رذيل ؟
- تأججت نوبة الضحك و انتقلت إلى الآخرين و إذ هدأت بعض الشيء علق  الأستاذ رمزي موجها كلامه إلى راشد أفندي :
- لا تغتر ببشرتك البيضاء و شعرك الأصفر فلو ذهبت لتعيش في ألمانيا أو أية ولاية أمريكية جنوبية ، لاضطهدوك كما يضطهدون الزنوج ، فللرجل الأبيض عندهم مواصفات شكلية و سلوكية إذا انطبقت الأولى عليك فإن الثانية لا تنطبق ؛ نحن من الشرق الأوسط و نعتبر بالنسبة إليهم مهجنون .
فعلق راشد أفندي مستمرا بضحكه :
- يعني بصريح العبارة (بناديق)* !
بعد هدوء عاصفة الضحك الجديدة علق رؤوف  و قد ذوى حاجبيه :
- ألا ما أحقر الإنسان في تسلطه و ما أحقره في خنوعه !
أجابه حقي بك :
- الحقيقة المرة أنهم ملكوا أسباب الحضارة و هذا هو سر تفوقهم .
فابتدره رمزي معترضا :
- بل قل امتلكوا أسباب القوة التي استخدموها في امتصاص خيرات الشعوب فمنذ انهيار الأندلس و هم يملؤون خزائنهم بذهب أمريكا الجنوبية و ماس جنوب أفريقيا و توابل الهند و بترول العراق و السعودية . إنها حضارات طفيلية لا تفقه سوى مقولة المصالح و لا تتعامل إلا بلغة المدفع ؛ و لكن أعود فأقول إنها مشكلة الإنسانية فلو كنا في موقعهم لفعلنا الشيء نفسه ، ألم نستعبد غيرنا ذات يوم ؟ فلولا صراعاتنا القبلية ربما كنا نحن الذين نمثل دور الرجل الأبيض اليوم ؛ إنها مشكلة الإنسان الذي لم يستطع قط التسامي على حيوانيته و غرائزه رغم جميع مظاهر المدنية التي يتبجح بها ، و تبلغ حيوانيته أقصى تجاوزاتها حين تزعم بعض الجماعات أنها أرقى من غيرها ، و أنها أجدى منها بالبقاء ، و يتساوى في ذلك شيوخ القبائل و بعض أساتذة الجامعات ، فنظرية هتلر حول تفوق العنصر الجرمني و أحقيته في قيادة العالم ، ولدت في الجامعات الألمانية على أيدي بعض أساتذتها و هذا ما جعلني أشبه البشر ، كل البشر يا راشد أفندي بالقطعان ؛ ذئاب تتربص بذئاب ، و ذئاب تتربص بحملان ، و حملان تتربص ببعضها بعضا ، و لا تخرج كلها عن كونها قطعان حيوانات ؛ تلك  خلاصة  ما  هدفت  إليه  من شعنوثتي .
و هنا أدلى الأستاذ عبد الباقي، برأيه مؤيدا :
- أنت تقول الحق يا أستاذ رمزي و نحن نشاهد في حقل المحاماة كل يوم أمثلة حية على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، كالأخ الذي يحاول اغتصاب ميراث شقيقاته ، و الزوج الذي يلفظ زوجته لفظه لحذائه القديم ، و الأب الذي يتخلى عن أطفاله كمن يتخلى عن كلابه أو قططه ؛ لقد نطقت بالحق يا أستاذ رمزي و إنك لفيلسوف أكثر منك شاعرا .
و هنا انفجر راشد  ضاحكا من جديد فسأله الأستاذ بشيء من الغضب :
- ما المضحك في كلامي يا راشد أفندي ؟
فأجابه و هو يحاول كبح جماح جلجلته :
- أستغفر الله ، إنما أضحكتني كلمة فيلسوف  .
و هنا  انتقلت عدوى الضحك  إلى  الآخرين  و إذ  هدؤوا  علق  الأستاذ معاتبا :
- الله يسامحك ، الفلسفة يا راشد أفندي هي أرقى العلوم بل يصفها بعضهم بأنها علم العلوم ، و هي غير الفلسفة التي تظنها حضرتك و التي ارتبطت في أذهان البعض بالسفسطة و المناقشات البيزنطية التي لا تبلغ قط أي هدف .
و مع فتور الاعصار الضاحك تنبه الحضور إلى اقتراب الليل من منتصفه فأخذوا ينسحبون الواحد تلو الآخر .

======================

*بناديق : مهجنين بين عرقين مختلفين
 

8
فخر النِسا

    إذا  كان سمير يشعر بالسعادة عند ذهابه إلى مكتب أبيه ، فقد كانت سعادته بالذهاب إلى دار جدته في الريف أعظم و أكثر إثارة ، و حيث كثيرا ما كانت تمتد زيارته دون أخواته لعدة أيام إضافية .
كانت الإثارة تبدأ منذ صعود حافلة الترام المتجهة إلى بلدة دوما ، فتخترق بهم بساتين الغوطة بين أشجار المشمش و الخوخ و اللوز و الجانرك أو حقول القمح و الفول ؛ متعة متواصلة من المناظر الخلابة و خاصة في أيام الربيع حيث تتناثر أزهار المشمش و الدراق و اللوز على الأغصان و كأنها ندف الثلج و التي كثيرا ما كان سمير يتمكن من لمس بعضها من مجلسه بجوار نافذة الترام رغم سرعته ، متعة تستمر قرابة الساعة تعقبها متعة مماثلة على الأقدام لدقائق عشر أخرى ثم يتراءى منزل الجدة التي لقبها أطفال العائلة ( تيتي درا ) لأنهم تمتعوا ذات يوم بالتهام عرانيس الذرة المنتجة من بستانها ؛ جميع الأحفاد و هم كثر صغارهم و كبارهم ظلوا ينادونها ( تيتي درا ) ردحا طويلا من الزمن .
و ما أن يتراءى منزل الجدة ببابه المميز عن بقية أبواب الحارة و المصنوع من الحديد المشغول و المطعم بالزجاج حتى يجري سمير بكل ما يملكه من قوة سابقا أبويه و شقيقاته ، و ما أن يفتح الباب حتى يرتمي بين ذراعي خالته فخر النسا ، ثم يقبل يد جدته و من ثم يندفع إلى البستان و هو جزء من الفناء الداخلي للمنزل فيبدأ بتفقد أشجاره و مزروعاته ثم يتجه إلى الزاوية المجاورة للمطبخ حيث ( قن* ) الدجاج فيصرف وقتا كبيرا بمعابثة ديوكه العصبية و دجاجاته الجبانة أو يلاحق ( صيصانه* ) الوجلة أو يبحث عن البيض في زواياه الخفية ؛ و في طريق العودة يعرج على شجرته المفضلة و هي شجرة مشمش عتيقة يتسلقها بسهولة و يبدأ في جمع الصمغ من زوايا أغصانها ، أما إذا تصادف وجود أحد من أولاد خالاته أو أخواله فإن اللعب في البستان يستغرق اليوم كله .
و قد تطوعت خالته فخر النسا في كل زيارة - لتكون المسؤولة عن العناية به منذ لحظة وصوله ، فقد تعلقت به منذ طفولته المبكرة و تعلق بها منذ وعاها ، فهو لا يحلو له الطعام إلا من يدها و لا يرضى النوم إلا فوق حضنها أو إلى جوارها ، تحكي له الحكايات و تجيبه على أسئلته الكثيرة و تعلمه الأغنيات و تصحبه معها أينما ذهبت ، و قد ذهبت به بعيدا مرات و مرات ، كانت ( الخالة الحنونة .. الجوهرة المكنونة ) كما علمته له أن يناديها ، أمّا ثانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، و هو يذكر يوم أن أصيب بمرض (الزحار) فاضطرب جهازه الهضمي ، كيف كانت تضطر إلى تغيير ملابسه عدة مرات في اليوم الواحد ثم تهرع إلى غسلها احتياطا للمرات القادمة ، و يذكر يوم حملته لمسافة تزيد عن النصف ساعة لزيارة الطبيب ، و كيف كانت تطهو له طعام الحمية الخاص و تقوم بتمريضه كأخبر الممرضات .
و في يوم مل اللعب في البستان فدخل الدار ليجد خالته فخر النسا تتلوى ألما و إذ يرغمها الألم على الصراخ تحاول كتمه بكلتي يديها خشية أن يتسرب الصوت إلى الخارج ، و وقفت الجدة إلى جوارها حائرة دامعة مضطربة ثم هرعت إلى المطبخ لتحضر لها كوبا من اليانسون تأمل أن يخفف أوجاعها ؛ و المسكينة لا تزال تتلوى ؛ و فجأة وجد نفسه و قد التصق بها و تمسك بثوبها ثم بدأ يصرخ بدوره .
و على الفور رفعته بين ذراعيها و أخذت تمطره بقبلاتها ململمة دموعها كاتمة آلامها ، و لقد عرف في وقت متأخر من عمره أنها كانت آلامها الشهرية ؛ إلا أنه لم ينس أبدا مقدار الذعر الذي أصابه و الذي لم يعرفه قبلا ، و لكنه سوف بعاني منه الكثير فيما بعد !

====================

*قن  أو خم  الدجاج : بيت الدجاج

*الصيصان او الفراخ : صغار الدجاج
 

9
رياح التغيير

    لم يقتصر حب الأستاذ على سمير أو شقيقتيه سميرة و سمر اللتين ما أن تسمعا صوت أقدامه صاعدة على الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق العلوي حتى تهرعان لاستقباله و هما تصيحان في جذل احتفالي " إجا بابا ، إجا بابا "* . بل انتشر هذا الحب أيضا في حي الباشا مقرونا بالإعحاب و الاحترام . إلا أن مشاعر أهل الحي هذه لم تتكون مرة واحدة بل بنتها سنوات من التجاور و التفاعل ، مع بداية غير مشجعة .
بدأ الأستاذ حياته بعد التخرج موظفا في إحدى الدوائر الحكومية في إحدى المناطق النائية حيث تمكن من توفير مبلغ من المال مكنّه من افتتاح مكتب مستقل لمزاولة مهنته ،  و ما أن شعر بضمان دخل جيد حتى تقدم إلى الزواج من إحدى قريباته إلا أنه لم يستطع شراء منزل مستقل فاضطر إلى السكن في منزل العائلة الكبير و لكن الخلاف دب بين زوجته و شقيقتيه و كان خلافا حادا،  لم يتمكن هو أو والده من احتوائه ؛ فبادر إلى إغراء مستأجر لبيت آل إليه بالوراثة من والدته بمبلغ من المال فأخلاه له . و هو و إن استطاع إقناع زوجته بالسكن في مثل هذا الحي الفقير ، إلا أنه لم يستطع إقناع والدتها و أشقائها بسهولة لأنهم كانوا متوجسين خيفة من مغبة التناقض الحاد بين المستويين الاجتماعين لكلّ . إلا أن الأستاذ أصرّ على موقفه و رفض الحلول البديلة التي قدمت له.
و كما أنه سكن حي الباشا مرغما فقد عاش فيه بداية كالجسم الغريب ، فهذا الأفندي المرتدي للملابس الأفرنجية و الخانم التي تجرأت فخففت حجابها ، شذّا عن الأعراف السائدة في الحي مما نفّر شيبه و أثار فضول شبّانه ووقاحة صبيانه، و عمّق من ذلك الغموض الذي أحاط بزوارهما الكثيرين  و الذين كانوا بنظرهم زنادقة ، فقط بسبب الملابس الأفرنجية التي يرتديها الأفندية و( البونيه ) الذي ترتديه الخوانم .
إلا أن الأستاذ أخذ يشارك أهل الحي صلاة الجمعة في مسجد الحي  ،  كما لوحظ أنه يستقبل في منزله بخلاف تلك النماذج غير المريحة ضيوفا أكثر التزاما بالتقاليد من أقارب الطرفين ، مما خلط الأمور في أذهان أهل الحي و بدؤوا بالتدريج يحدّون من مواقفهم العدائية ، و هذا بدوره شجع الشيخ عبد الغفور إمام الجامع مع بعض الوجهاء على زيارته و تهنئته بمناسبة أحد الأعياد . أثار الضيوف يومئذ مواضيع شتى ثم تطرقوا إلى موضوع الحجاب و إلحاق الأبناء بالمدارس الأجنبية و كلاهما من الأمور المخالفة للدين كما ادعيا ، فتصدى لهم الأستاذ و أخذ يقارعهم الحجة بالحجة ،  و أكد لهم أن الحجاب الحالي إن هو إلا زي ابتدع في العصر العباسي عندما استشرى الانحلال الأخلاقي ، و ذلك للتمييز بين النساء المحافظات و بين طبقة الجواري و الغانيات التي انتشرت في ذلك العصر ؛ أما بالنسبة للمدارس الأجنبية فهو و إن وافق على خطورتها إلا أنها الأفضل حاليا و أضاف أن العثمانيين تركونا بلا مدارس تقريبا و الحكومات الوطنية المتعاقبة لم تفلح حتى الآن بإنشاء عدد كاف من المدارس ، و الابتدائية منها لا تعلّم اللغات الأجنبية و التي يراها ضرورية لمن يرغب لأبنائه مستقبلا أفضل ؛  و أكد لهم أنه حالما يجد لأولاده المدرسة الوطنية المناسبة فانه لن يتوانَ عن إلحاقهم بها .
و هم و إن خرجوا من منزله دون قناعة تامة بوجهات نظره إلا أنهم أصبحوا يكنون له احتراما أكبر لمنطقه و سعة معارفه و أسلوبه الشيّق في الحديث ، إضافة إلى تواضعه و كرم ضيافته . ثم جاءت حادثة اعتقال وجهاء الحي و جهوده في الإفراج عنهم لتعزز من مكانته .
إلا أن الأستاذ نقل سمير في العام التالي إلى مدرسة إبتدائية حكومية  و نقل شقيقتيه إلى مدرسة دوحة الأدب و هي مدرسة وطنية خاصة ، ثم لم يعد يسمح لأم سمير بالخروج الا إذا كانت برفقته ، و بعد إغلاق آخر دكان في الحي ؛ و أخذ أهل الحي - من ثم -  يوكّلونه في مختلف قضاياهم ، فكان يأبى أن يتقاضى منهم إلا الرسوم الحكومية ، الفقير إشفاقا عليه و الميسور إكراما له كجار ، ، ثم أخذ يؤثر الحلول الصلحية ملفتا نظر قاصديه إلى التكاليف الباهظة و تعليق القضايا أو تأجيلها في المحاكم لمدد طويلة تدعو إلى اليأس ، بسبب نقص القضاة و الكتّاب المختصين ، و قد أخذ في الآونة الأخيرة يستقبل موكليه من سكان الحي  في بيته و في أوقات راحته بما فيها عصارى أيام الجمع .
و لكن بقدر ما زادت شعبية الأستاذ في الحي فقد تضاءلت في محيط أسرته فقد أخذت أم سمير ترفع صوتها إحتجاجا على إقلاق راحتها و راحة أطفالها ، أو على حبسها بين أربعة جدران ، أو رجوعه مساء في ساعة متأخرة ، ثم أخذت الأمور تتحول من مجرد نقاش إلى شجار تعلو فيه الأصوات حتى لتخالها جاوزت عنان السماء.

 

10
الباب يفوت جمل

     شعر سمير بقلق بالغ فكل شيء حوله يتغير إلى الأسوأ فوالدته غارقة بمسؤولياتها ، ثلاثة أطفال في خمس سنوات و الرابع يشق دربه ، صحيح أن لديها أم محمد تشدّ أزرها و تحمل عنها الأعباء الرئيسية إلا أن رعاية أطفالها إضافة إلى حملها الجديد ، كانت ترهقها و بالتالي لم يعد لديها أي وقت لتمنح سمير أي اهتمام أو حنان ، فحتى حين تفرغ من أعمالها المنزلية ، فأنها تستغرق في شرودها مع مسحة من الكآبة تظلل وجهها الجميل ، و كثيرا ما كان يناديها لسبب أو لآخر فلا تجيب ، أما إذا ألح فإنها تجفل و قد تجيبه بعصبية لم يعتدها من قبل . تألم في البداية إلا أنه استطاع تكييف نفسه مع الواقع الجديد . أما أم محمد فإنها لم تستطع التكيف فهي منذ أن شعرت بالتغيير و هي تعيش في قلق و حزن ، فقد كانت تظن نفسها عضواً في الأسرة ، و لكنها الآن تعامل كخادمة فأخذت تتساءل متألمة : " ترى ما الذي اقترفته يداي أو زلّ به لساني ؟ ترى بم قصّرت ؟ " إلا أن تغيرّ معاملة (الست) ذكّرها بابنها و بمأساتها العائلية المفجعة ، فقد كانت لها أسرتها الخاصة التي لم يبق منها غير ابنها محمد الذي انقطعت أخباره منذ عامين و نيّف .
نهرتها أم سمير ذات يوم لائمة :
- تركت الغسيل على النار و جلست تندبين حظك العاثر ؟ الماء جف و الغسيل يكاد يحترق ، هذا إهمال كاد أن يتسبب بكارثة .
- أرجوك لا تؤاخذيني لقد شردت !
- هذا الحال لا يناسبني ، أنت لا تستحين عندما تمدي يدك آخر كل شهر لتقبضي راتبك و لا تسامحينا بقرش واحد و أنا  لن أسامحك  بتقصير واحد ، هيا جففي دموعك و قومي إلى عملك .
أجابتها أم محمد بشيء من التحدي :
- لِمَ تخاطبينني بهذا الأسلوب ، هل قصرت لحظة بخدمتك أو خدمة أطفالك ؟
- شرودك و دموعك زادا عن الحد و أصبحا مصدر شؤم .
- انقطاع أخبار ابني تكاد تذهب بعقلي !
-(ذبحتينا) بابنك و أخبار ابنك ، آن الأوان لأن تفهمي أن ابنك و لد عاق ، و لو أن لديه ذرة كرامة لما تركك خادمة حتى الآن .
 وقفت أم محمد و نظرت مليا إلى قمر خانم نظرة عتاب ، ثم أجابتها و هي تشرق بدموعها :
- كنت أنتظر منك عبارة مؤاساة ، الله يسامحك يا خانم !
هنا  تقدمت منها الخانم  فدفعتها صائحة بها :
- هيا إلى العمل ( بلا كتر حكي ) .
كانت الدفعة قوية بحيث أوقعتها على الأرض . فنهضت أم محمد و التفتت إلى الخانم و هي تقول بتحد و صوت عال :
- أنا هنا عاملة و لست جارية ، و لا أسمح لك أو لغيرك بأن يمد يده علي .
فردت عليها قمر خانم بصوت أعلى :
- هذا الحاضر , إن لم يعجبك فالباب يفوت جمل !
شهد سمير هذه المشادة ، فقد جلس في زاوية الغرفة و هو مندهش تماما لما يجري ، و لكن عندما تأزم النقاش فتحول إلى شجار و خاصة عندما دفعت والدته أم محمد فأوقعتها أرضا ، شعر بخوف جمّده فأخذ يرتعش كمن أصابته حمّى ، ثم شهد - متألما - أم محمد و هي تجمع أغراضها في ( بقجة )* كبيرة ، ثم عندما قامت والدته بتفتيشها ، ثم عندما تقدمت لتقبّل سمير و شقيقتيه فمنعتها ، ثم حين انصرفت المسكينة كسيرة الخاطر و الدموع تبلل وجهها .

عندما عاد والده ابتدر أمه بعصبية :
- طردت أم محمد ؟
- مع ستين ( قرد ) !
-أنت تعلمين أنها مقطوعة !
- لم أعد أطيق  إهمالها  و ندبها أصبح مصدر كآبة ، يكفيني ما أنا فيه !
- ما الذي أنت فيه ، ماذا ينقصك ؟ هل قصرت معك بمأكل أو بملبس ؟ مَن مِن أهلك لديه خادمة ، من مِن أهلك لديه ذهبا أكثر منك ، من مِن شقيقاتك لديه زوجا في مثل ثقافتي و مركزي ؟
أجابته بحدّة :
- أجل يا عبد الباقي يا مثقف ، ينقصني الكثير ، ينقصني الزوج الذي حوّلني من زوجة إلى مجرد مربية أطفال ، تنقصني الحرية بعد أن حوّلني زوجي إلى سجينة بين أربعة جدران ، ينقصني الزوج الذي يدافع عن خادمة تطاولت على أسيادها بدلاً من أن يدافع عني ! هذا ما ينقصني يا أستاذ و غيره كثير كثير !
نظر إليها مليا ثم أجاب بعد فترة صمت طالت :
- قمر ! أنا رجل  هذا البيت ، أم محمد واقفة عند الباب ، ظلت مرمية هناك منذ أن طردتها ككلبة ، أريدها أن تعود و أن تطيّبي خاطرها ، أما الأمور الأخرى فنناقشها فيما بعد !
فأجابته بغضب شديد :
-أنظر إليّ مليا يا عبد الباقي ! ( أم بطيخ ) تمادت عليّ ، إذا  دخلت  هي  من  الباب ، أخرج  منه  أنا ، ( البيت  الذي  رباني  ما  راح  و خلاني ) !
فأجابها بعصبية :
- الباب يفوّت جمل !!!!

================

* البقجة : لفة من القماش

11
مؤتمر عائلي

كان سمير عند بدء النقاش قد اعتراه بعض القلق ما لبث أن تحوّل إلى خوف ثم إلى رعب ثم توارى خلف أحد المقاعد وأخذ يرتعش ، أما شقيقتيه فقد التصقتا بأمهما ، و إذ احتد النقاش رفعت سميرة عقيرتها بالبكاء و تبعتها سمر فصاح بهما الوالد ناهرا و عندما لم تصمتا صفع سميرة و دفع سمر ثم ركل سمير و أمره أن يصحب شقيقتيه إلى غرفة النوم ، و هناك جلسوا جميعا على السرير . و لكن شقيقتيه استمرتا بالبكاء فرفع الغطاء فوق رؤوسهم جميعا كي لا يسمعهم أحد ، إلا أن رعبهم لم ينته إلا عندما تسللت والدتهم إلى جوارهم . ظن في البداية أنها جاءت لتهدئ روعهم و لكنها استلقت صامتة ثم استمرت كذلك طوال الليل ، و قد صحا سمير عدة مرات فأحس أنها أرقة ومستمرة ببكاء صامت .
منذ صبيحة اليوم التالي هيأتهم أمهم للخروج ثم إلى موقف الترام ثم إلى منزل الجدة في الريف .

و ما أن وطئت أم سمير عتبة بيت أهلها حتى انفجرت باكية ثم جرت إلى غرفة الضيوف ، تبعتها والدتها متسائلة بقلق و انفعال : " ما الأمر يا قمر ؟! " إلا أن قمر ظلت مجهشة بالبكاء دون أن تتمكن من الإجابة ، و لما يئست الجدة منها التفتت إلى سمير فأجابها قبل أن تكمل سؤالها :  بابا و ماما  تشاجرا !
بحث عن خالته فخر النسا ، فوجدها في المطبخ ، حضنته و قبلته و ما أن فرغت من الترحيب الحار به حتى ابتدرها مخبراً : (بابا و ماما تشاجرا !) فتركت ما بيدها في الحال و هرعت إلى الداخل .
كان خالاه فخر الدين و وديع في البستان يشرفان على عملية السقي التي يقوم بها عامل مأجور كانوا ينادونه ب"شيخ الشباب" ، وبعد أن تلقى سمير الترحيب الحار من كليهما ابتدرهما قبل أن يسألاه : (بابا و ماما تشاجرا !) ؛ فهرعا إلى الداخل وما لبث سمير أن تسلل خلفهما و كعادته جلس في ركن بعيد و أخذ يصغي لما يدور .
كانت أمه مستمرة في نحيبها مكملة شكواها بصوت متقطع :

- أنا سجينة ، بكل معنى الكلمة سجينة ، أكاد أختنق من الوحدة و القهر ، لقد بدأت تعتريني الوساوس و الأوهام و تنتابني الكوابيس المرعبة ، عبد الباقي منعني من الخروج وحدي و لكن عندما أطالبه بالخروج معا يتهرب ، و هو أيضا يعود إلى المنزل متأخرا و أحيانا يتأخر حتى منتصف الليل و إن سألته لمَ هذا التأخير يجيبني باقتضاب : "إنها متطلبات العمل" ، و أنا أعلم علم اليقين أنه بعد غياب الشمس ليس هناك من عمل ؛ أما إذا عاد مبكرا فانه يلتفت إلى إعداد المرافعات القضائية ، و إن حدثني فمن طرف لسانه ، و حتى في أوقات راحته و أيام الجمع أصبح يستقبل زبائن الحي  في البيت ، و إذا احتججت يحاورني و يناورني ، فإذا أفحمته يجيبني بصلف : (( هذا الحاضر )) . ثم أضافت باكية :

- أنا لم أعتد على الإهمال و الاستبداد ، لقد طفح بي الكيل ، و لم أعد أطق الحياة مع رجل يساويني بخادمتي ؛ " أنا ! يقال لي الباب يفوت جمل ؟! ".
انتبه فخر الدين فجأة إلى سمير الذي كان يرتعش و الدموع تغطي وجهه فهرع نحوه و حمله و خرج به من غرفة الضيوف .
قال له بودّ كبير:

- سمّور ، حبيبي ! حتى (المصارين ببطنك تتخانق )* ، ألم تشعر يوما بألم في بطنك ، انه شجار الأمعاء ، نسقيها بعض اليانسون أو الكمّون فتهدأ ؛ الشجار مثل الفلفل و البهار ، أحيانا يزيد بالطعام قليلا فيحرق اللسان ، نشرب وراءه بعض الماء فتذهب اللسعة في سبيلها ، اليوم بابا و ماما ( تخانقوا ) ، بكرة يتصالحا و يسخرا من  حماقتهما ، فما شأننا نحن بهما  ؟! ، ثم صعد به على سلم يؤدي إلى سقيفة خشبية فوق دكان تابعة للمنزل ، يستخدمونها كمستودع . و أخذ يعرّفه على محتويات السقيفة و كلها تتعلق باللوازم المدرسية فالخال فخر الدين معلم في مدرسة البلدة الابتدائية الوحيدة ، و لعله كان يتاجر بالأدوات المدرسية أيضا .
و بدأ سمير يكتشف على الرفوف أكداسا من الدفاتر و الكراسات و أقلام الرصاص  و الأقلام الملونة  و الطباشير و المساحات و المساطر ، فقضى ردحا من الزمن و هو يقلّبها أو يَعدُّها ، وإذ بدأ يختار منها المجموعة التي سمح بها خاله نودي لتناول الطعام .
و على المائدة كانت الجدة تدلي برأيها النهائي :
" لقد ارتكبت غلطة كبرى بمغادرتك يا قمر ، فالبيت بيتك و بيت أولادك ، عودي إليه على الفور ، و سأتبعك مع فخر الدين و ربما استدعينا بقية أشقائك ، و أنا لازلت عند رأيي بأن وراء ذلك كله ( سِحْر ) ! فالرجل على ما نعلم يحبك و لم يبدر منه ما يسوؤك قبل الآن و يجب ألا تنسي و قفته المشرفة إلى جانبك إبان خلافك مع شقيقاته . فرد فخر الدين معارضا والدته : " أنا لا أؤمن بالسحر ، عبد الباقي علا  شأنه المهني فأصابه الغرور ، هذا كل ما في الأمر ! " و لكن فخر النساء تصدت له معلقة : " لا  تتفلسف ، السحر حقيقة و هو  وارد  في  كتابنا القدسي " .

 

*****

   و انتصر رأي الجدة فعادوا إلى البيت .

 عندما تسلل سمير إلى صالة الضيوف في أمسية ذلك اليوم الحافل ‎، كانت مقاعدها مشغولة كلها تقريبا ، فصعد إلى الروشن و جلس هناك يصغي إلى النقاش الدائر دون أن ينتبه إليه أحد .
أبو سمير : - الظاهر أولاد حمايَ جاؤوا لمحاكمتي !
أحدهم : - أبدا ، و لكن ما حدث ليس بقليل .
أبو سمير : - ما الذي حدث ؟! ، أنا أجيبكم ، ما حدث هو أن زوجة تمردت على طاعة زوجها ، و خرجت من الدار دون إذنه .
أحدهم : - و لكنك طردتها و ساويتها بخادمتها .
أبو سمير : - الخادمة التي تتحدثون عنها هي زوجة أحد رجالات الثورة ، و كانت تعيش بنعمة لولا أن كارثة طبيعية حلت بها و بعائلتها أجبرتها على الخدمة بالبيوت ، والمثل يقول : " ارحموا عزيز قوم ذل " و لكن أم عيالي لم ترحمها و طردتها ككلبة .
كبيرهم :- و لكنك طردت أم عيالك ككلبة يا أستاذ ؛ الغريب أنني حضرت عدة مناقشات بينك و بين أصحابك ، و سمعت بأذني كيف كنت أنت بالذات من أكثر المدافعين عن المرأة و عن الظلم الذي يصيبها ، بمعاملتها كحذاء قديم يمكن رميه في أي وقت ، ألا ترى أن في ذلك تناقض بين ما تقول و ما تفعل يا أستاذ ؟!
أبو سمير : - أنا لا أقبل من جنابك أو من أي كان أن يقيّم سلوكي . انظروا إلي مليا يا أبناء حماي ، إن جئتم للتفاهم فيا مرحبا ، أما إن جئتم للتقريع و (البهدلة) فلا كلام لدي مع أي منكم و أفضل الإنسحاب .
أحدهم : - نحن جئنا للتعمير و ليس للتدمير ، ثم لا تنسَ أن بيننا صلة دم ، يعني نحن لسنا مجرد بيت حماك . و لكي نتفاهم بعقلانية دعنا نضع النقاط على الحروف ، فقد أهنت شقيقتنا و نريد أن نعلم إن كان هناك أية مبررات لذلك ، ثم إن هذا الإنقلاب في علاقتكما أدهشنا تماما ، كنا نظن حتى الأمس أنكما زوجان منسجمان ومتفاهمان و لكن ما حدث صدمنا جميعا .
أبو سمير : - ربما أكون تسرعت بإلقاء عبارة لم أكن أعنيها ، و كل الناس تصدر منهم فلتات لسان لحظة الغضب ، و لكن بكلمتين ( حلوين ) يصبح الأمر و كأنه لم يكن ، هذا عند الناس العاقلين ! و لكن قمر تغيرت في الأشهر القليلة الماضية و ربما منذ حملها الجديد . فقد أصبحت عصبية جدا دون ما سبب واضح و كثيرة الشكوى و التذمر و كثيرا ما تضرب أولادها لأتفه الأسباب ، و النكد كما هو معروف يشل العقل و يقصر العمر. لقد أصبحت ألعن الساعة التي أعود فيها إلى بيتي ، بيتي لم يعد مكانا للراحة يا سادة ، تلك هي صفوة الكلام .
أحدهم : - إنها سجينة بين أربع حيطان و العزلة تجنن أعقل الحكماء .
أبو سمير : - طريقة لبسها وتبرجها تسبب لي إحراجا كبيرا في الحي ، الإنسان الذكي يجب أن يراعي الأعراف السائدة و إلا تعرض للمتاعب ، لا تنسوا أنني محامي و نجاحي مرتبط بثقة الناس بعملي مقرونا بسلوكي الشخصي .
كبيرهم : - لقد رجوناك منذ البداية ألا تقطن هذا الحي المتخلف .
أبو سمير : - المتخلفون الذين تعنيهم حضرتك ، هم ناس طيبون و أطيب بكثير من غيرهم  (!) ، و عيبهم الوحيد أنهم فقراء !
- هذه غمزة سأرد عليها في الوقت المناسب ، و لكن هل أفهم من كلامك أنك تريد من شقيقتنا أن تعود لارتداء (الخيشة) السوداء و تمشي في الشوارع كالأشباح ، ألم تقل ذات يوم أن هذا خنق للمرأة لا سند شرعي له ؟ أليس هذا تناقضا في المواقف ؟!
هبّ أبو سمير واقفا و همّ بالانسحاب فهرع أحدهم نحوه راجيا منه ألا يفعل و التفت إلى شقيقه الكبير معاتبا :
- لم نجئ هنا للمهاترة يا أخي بل للتفاهم ، أكمل - صهري رجاء .
أبو سمير : - كلما تأخرت في المساء تفتح معي محضر تحقيق ، لم تستطع استيعاب أن طبيعة عملي تقتضي تعزيز علاقاتي الاجتماعية ، أنا لا أسهر في كباريه أو خمّارة ، إنما في مكتبي و مع محامين و قضاة  و موظفين ذوي مراكز ، و شقيقكم رياض أفندي الذي ما فتئ يشن عليّ الحملة إثر الحملة ، يشهد على ذلك ، فقد زارني في المكتب عدة مرات و عرف من هم أصحابي .
كبيرهم: - أشهد بذلك ؛ و لكن كل يوم ؟ هذا كثير يا أخي ، مرة ، مرتان في الأسبوع         ( مهضومة ) و لكن يوميا ، هذا كثير يا أستاذ .
أحدهم : - صهري العزيز ، الرسول عليه الصلاة و السلام قال : " إن لبيتك عليك حقا ! "
أبو سمير : - هل أطردهم ؟
أحدهم : - أعوذ بالله ، و لكن بلباقتك يمكنك أن تتصرف يا أخي .
أبو سمير مستاء : - و غير ذلك ِبمَ تأمرونني ؟
أحدهم : - لَهْ  ... يا أبو سمير ، نأمرك ؟! هل كلامنا ثقيل لهذه الدرجة ، نحن نتناقش يا أخي ؛ و( كل كلمة  لها غطاها ).
أبو سمير : - لقد أصبحت شقيقتكم سوداوية المزاج ، كثيرة الاكتئاب و الشرود ، مما حوّل البيت إلى مأتم و هذا لا يناسبني فأنا أكد طوال اليوم من محكمة إلى أخرى ، لأقدم لها و لأولادها لوازمهم . إنني أحتاج بعد التعب و الإرهاق إلى الهدوء و الراحة و ليس للنكد .
أحدهم : - هل تساءلت عن أسباب هذا النكد ؟
أبو سمير : - السبب واضح ، لقد أنجبت جنابها ثلاثة أولاد خلال أربع سنوات و الرابع على الطريق ، كل سنة بولد مثل الأرانب .
و هنا تصدى له كبير الأخوال متسائلا بحدة :
- " هل جاءت بهم من الشارع يا أستاذ ؟ "
استمر النقاش طويلا كان سمير قد غلبه النوم خلال أكثره و كان الحوار يحتد أحيانا و يهدأ أحيانا و لكن عندما صحا آخر مرة كان الجميع قد غادروا .
و لكم شعر سمير بالطمأنينة - ربما لأول مرة منذ عدة أيام - عندما شاهد والدته جالسة إلى جوار والده يتعاتبان بصوت خافت و إذ أحس بالبرد ، تسلل إلى فراشه .

=================

*تخانقوا : تشاجروا

*المصارين : الأمعاء
 

12
هموم وطنية

وطني المسكين
أتوارى منك خَجِلاً
وأرتعش خوفا عليك ووجلا
حماتك أضعفهم التخُلف
و شلهم الضعف
و الخوف
فتركوك يا وطني المسكين
على مائدة الأطماع
تنهشك الضباع
مسكين أنت يا وطني

 مسكين
كان الأستاذ عبد الباقي أول المعلقين على شعنوثة الأستاذ رمزي الجديدة
- إنها قصيرة و لكنها معبرة .
- لم أكملها بعد ، هذه مقدمتها .
- إنها تعبير عما يجري في الشمال أليس كذلك ؟
- الشمال في طريقه إلى الضياع يا صاحبي !
تساءل راشد أفندي :
- كيف حدث أن أصبحت فرنسا و تركيا صديقتين ؟
أجابه الأستاذ رمزي على الفور :
- في عقدين من الزمن يحدث الكثير يا راشد أفندي ، و تركيا الجمهورية غير تركيا العثمانية ، حتى شبكة التحالفات العالمية تغيرت ، فإيطاليا التي كانت حليفة لبريطانيا و فرنسا و الروسيا ، تتحول اليوم نحو التحالف مع ألمانيا ، و تخوضان معا أول اختبار لتقاربهما في إسبانيا حيث تعملان معا ، على إجهاض الحركة الشيوعية فيها ، و هكذا ترى أن أعداء الأمس أصبحوا أصدقاء اليوم !
هنا دخل رياض أفندي كبير أخوال سمير ، و بعد أن حيّى الحضور و التقط أنفاسه ، التفت إلى صهره سائلاً :
- لقد تركت لي رسالة في المحل ، عساه خيرا ؟
- إنشاء الله خير .
كان ذلك إيذانا بانفراط الندوة ، فبدأ الحضور بالانسحاب واحداً وراء الآخر .

 

(13)
هموم عائلية

استهل الاستاذ حديثه شاكيا :
- تصرفات شقيقتك باتت لا تطاق يا رياض أفندي .
- ظننا أن المياه عادت إلى مجاريها!
- حتى ولادتها المولودة الجديدة ظلت كذلك ، ثم عادت تكرر نفس الاسطوانة القديمة ، الشكوى الدائمة و التذمر و الاكتئاب والعصبية ، عصبية غير طبيعية ، فمثلا منذ يومين بكت المولودة و كان بكاؤها غير عادي فربما كان لديها بعض المغص ، و فجأة رمتها فوق السرير بكل قوتها و كأنها ترمي دمية ، فكادت تقضي عليها. و منذ أن طردت أم محمد طردت من بعدها ثلاث خادمات أخريات ، و الأخيرة منهن ضربتها حتى أدمتها قبل أن تلقي بها خارجاً شبه عارية ، و قد عاتبني اثنان من تجار الحي حول ذلك و أخبراني أنهما منحاها بعض الملابس و النقود و أرسلوا من يوصلها إلى كراج ضيعتها ، كان ذلك من أحرج المواقف التي تعرضت لها في حياتي ؛ و ليلة أمس بينما كنت ساهرا أكتب مرافعة هامّة إذا بها تندفع نحوي وتمزق أوراقي و لم تكف إلا عندما اضطررت لدفعها فارتطم رأسها بالجدار ، عندها أخذت تكسر كل ما طالته يداها و لم تسلم منها حتى النوافذ ؛ فاضطررت إلى تهدئتها بالقوة .
اضطرب رياض و هب واقفاً و هو يعلِّق بغضب شديد :
- يعني ضربتها ؟ ضربت شقيقتي ؟ ضربت أم أولادك يا أستاذ ، يا مثقف ؟ هل هذه أخلاق إنسان متمدن ؟
- لا تطل لسانك يا رياض ، آخر شخص يتكلم عن الأخلاق هو حضرتك .
- إلامَ تلمح ؟ ما بها أخلاقي ؟!
- حارتنا ضيقة و نعرف بعضنا ، أقصد عملك مع الجماعة طبعاً !
- هذا ابتزاز ! و لكن ردي عليك جاهز يا جناب الأستاذ ، فرئيس بلدك ووزرائه موظفون عندهم ، هيا اذهب و عيرّهم إن كنت تجرؤ ! ثم أريد أن أذكرك بأفضالي و أفضال علاقتي بهم عليك فمثلا لولا صلتي بهم - يا أستاذ يا محترم - لكان ابن عمتك  في عداد الأموات ، أتذكر ؟ ألست من أخبرك عن وقوعه في الأسر مع مجموعة من الثوار ، ثم ألست من أرشدك إلى مكان سجنه و عن المسؤول الذي كان بإمكانه وحده أن يفك رقبته من حبل المشنقة ، ثم من أكمل المشوار أليس حضرتك ؟ أنت الذي أتممت المهمة بين مكاتب المستشارين الفرنسيين و أروقة المخابرات الفرنسية ، فكيف ارتضيت أن ترجو هذا و ترشو ذاك و تولم لغيرهما ؛ و جميعهم من الفرنسيين ؟ ألا  تسمي ذلك تعاونا  مع  المحتلين ؟ ثم  من  أوصلك  للكولونيل  ( أوبير ) يوم اعتقل الفرنسيون وجهاء حيِّك و أهانوهم ؟ من أكمل المشوار بين مكتبه و مكاتب المستشارين الفرنسيين الآخرين ، أليس حضرتك ؟ أليس هذا تعاونا مع المحتلين ؟ إنني موظف و أجبرتني الظروف أن أكون  عند الفرنسيين ، شأني شأن جميع الجنود و الضباط السوريين في الكتيبة السورية و هي - كما يعلم كل إنسان - كتيبة تابعة للجيش الفرنسي و ضباطها فرنسيون ؛ شأني شأن كل موظف في الحكومة من أصغر حارس إلى رئيس الدولة ؛ هذا هو أنا ، أما أنت يا أستاذ فكتلة من التناقضات ، عاديت أهلك لأنهم حاولوا فرض طريقتهم في الحياة  على زوجتك ، فقلنا نحن أمام رجل صاحب مبدأ ، و إذا بكلمتين من بعض المتخلفين تقلب مواقفك رأسا على عقب ؛ خارج بيتك إنسان راقٍ ، مهذب ، متمدن ، ومهنتك تحقيق العدالة . و في بيتك ظالم ، متسلط ، و مستبد .
استشاط أبو سمير غضبا و هو يرد عليه :
- أخي ! لم يعد بيننا أي كلام آخر ، حال أختك لا يعجبني ، قل للوالدة أن تشرِّف و تسترجع إبنتها فهي ترفض مغادرة البيت .
- معها حق فالبيت بيتها و بيت أولادها ، و إذا كان الحال لا يعجب حضرتك فغادر أنت !.
أجابه الأستاذ مهددا :
- رياض ، أنا لست هيّنا ، سأخرجها بقوة القانون ، سوف أبرهن بأنها مجنونة و أن وجودها خطر على أطفالها !
- ألم أقل لك أنك متناقض و مستبد ؟! و أضيف أنك متوحش ؛ إستخدم القضاء ما طاب لك يا أستاذ ، و  نحن نعرف  كيف  ندافع عن  حقوق  شقيقتنا ، صدقني سوف  تكون  فضيحتك  مجلجلة !

*****

  توالت بعد ذلك المؤتمرات العائلية و تدخل فيها آخرون ، أقرباء و أنسباء ، ثم هدأت الأحوال نسبيا ، إلا أن هموم سمير استمرت بالتفاقم ، فقد دخل المدرسة الإبتدائية الحكومية مؤخرا و منذ اليوم الأول تعرض لسخرية زملائه لأنه كان يطيل شعره كالبنات كما و صموه ، و قد آذاه بعضهم فألقوه أرضا ، إلا أنه لم يجرؤ على مقاومتهم و لم يعرف كيف يشكوهم أو لمن يشكوهم . و إذ طالب والديه بقص شعره لم يعره أيّ منهما التفاتاً ، و عندما شكا الأمر لأصغر أخواله  الذي تصادف أن كان في زيارتهم ، صحبه إلى حلاق الحي بغفلة من أمه ، ثم عاد به ليواجه غضبا عارما اضطره إلى مغادرة المنزل مهانا مقسما أغلظ الأيمان أنه لن يعود إليه ؛ و لم يفلت سمير من العقاب .
في اليوم التالي بينما كان مصطفا مع زملائه لأداء تحية العلم ، تنبه مدير المدرسة إلى ملابسه و هي نفس ملابس مدرسته السابقة ، فناداه . تحرك سمير نحوه ببطء و الرعب يكاد يشله ، و لكن لم يكن في الأمر ما يبرر الخوف ، فقد دعا المدير طلاب المدرسة إلى شراء مريلة و قَبَّة بيضاء مماثلة لملابسه ، و لكن ذلك كان وبالا عليه ؛ ففي  طريق العودة إلى البيت تعرض لملاحقة بعضهم ، فشتموه و ألقوا عليه الحجارة ، ربما لأنه كان السبب في إرغامهم على شراء زي مدرسي جديد ، فأطلق لساقيه العنان و لم يكفوا عن ملاحقته إلا عندما اقتربوا من بيته.

*****

  و ذات يوم لاحظ في ساحة المدرسة تجمعات غير عادية كان الحديث فيها جميعا يدور حول إضراب عام سوف ينظم ذلك اليوم احتجاجا على سلخ اللواء ، كان قد سمع الكثير عن مشكلة لواء (الاسكندرون) و عن نية منحه للأتراك يوم كان يرافق والده إلى مكتبه ، فأدرك الآن أن مخاوف الناس أصبحت واقعا و أن ثمة مسيرات شعبية احتجاجية في طريقها إلى المنطقة ، و لعل عبارة مظاهرات ارتبطت في ذهنه بيوم حي الباشا الدامي ، فأخذ قلبه يضرب حتى ظن أن كل من حوله يسمعه ، و إذ التفت نحو بوابة المدرسة ، لاحظ بعض التلاميذ يتسللون منها ففعل مثلهم و اندفع نحو بيته هاربا ، و بعد ساعة أو أقل مرت في الشارع مظاهرة ضخمة شملت طلابا من ثانوية التجهيز و معهد الحقوق و معهد المعلمين و حشودا كبيرة من وجهاء الأحياء و رجالاتها ، كانوا يحملون اللافتات و يهتفون ضد فرنسا و تركيا ، كانت أطول ما شاهد من مسيرات . اتجهت المسيرة نحو الأحياء الشرقية  و استطاع أن يشهد من موقعه في (الروشن) في الوقت ذاته ، أولها وآخرها ، فكانت مقدمتها فيما وراء بستان الباشا و آخرها تحت نافذته . و استطاع أن يلتقط بعض الهتافات التي كان يرددها المتظاهرون فيرددها معهم هامسا أحيانا و جاهرا أحيانا أخرى ، و خاصة منها تلك التي اعتاد على سماعها من قبل ، كان أحلاها تلك الأهزوجة الحزينة المليئة بالتحدي و الوعيد :
يا ظلام السجن خيم
إننا نهوى الظلاما
ليس بعد الليل إلا
فجر مجد يتسامى
يا فرنسا لا تغالي
و تقولي الفتح طابا
سوف تأتيك الليالي
من يناقشك الحسابا

و في اليوم التالي تبين أن مدير المدرسة كان قد سمح لتلاميذ الصفين الرابع و الخامس فقط بالخروج مع المسيرة و منع الآخرين ، و عندما اصطف تلاميذ المدرسة لتحية العلم ، تلا أحد المعلمين بعض الأسماء و كان اسم سمير من بينهم ، و أعلن المعلم أن هؤلاء و كان عددهم يربو على الأربعين تلميذا قد فروا من المدرسة و خرجوا منها بدون استئذان ، ثم ابتدأت عملية عقابهم العلني فكان نصيب سمير أربع  جلدات  على  راحتي كفيه بعصا كانوا يسمونها ( الطبشة ) جعلته يبكي بحرقة ثم يقضي بقية يومه المدرسي يفرك يديه متألما ، و لما أن عاد إلى المنزل تساءلت أمه عن سبب عقابه فلم ينكر أنه فرّ من المدرسة و لم يشفع له تبريره بأنه كان خائفا ، فتعرض ( لشدة أذن ) قاسية أبكته و أضحكت شقيقاته ، و لكن في المساء عندما علم والده بالأمر صفعه ثم ركله ثم صفعه ثانية ،  ثم قضى سمير ردحا طويلا من تلك الليلة التعيسة تحت لحافه مجهشا بالبكاء ؛ كان يبكي بحرقة و لكن بصمت فتلك كانت المرة الأولى التي يتعرض فيها للعقاب البدني بمثل هذه القسوة ، في المدرسة و البيت معا .
 

14
هموم شخصية

 

    إلا أن هذا اللون من المعاملة القاسية كان مجرد بداية ، و ستكون لياليه الباكية تحت غطاء سريره أكثر من أن تعد !
فأسباب العقاب لا نهاية لها ، ففي المدرسة مثلا ، إن أخطأ واحدهم في إجابة شفوية ثمنها جلدتان ، وخطيئة إملائية ثمنها ثلاث جلدات ، وحوار بينه و بين شريكه في المقعد حتى لو كان حواراً قصيرا وهامسا ثمنه ثلاث جلدات أيضا ، وحتى (الطبشة) ذاتها كانت مرعبة وذات أوصاف وأسماء ، و هي غالبا عصا بطول نصف متر أو يزيد ، مفلطحة و ناعمة من طرفيها العريضين و مدببة من طرفيها الضيقين فإن كان الذنب كبيرا استخدمت الحافة الضيقة المدببة لأنها أشد إيلاما ، أما إذا كان الذنب عاديا فالمعلم يستخدم الجانب المفلطح ؛ و يتفنن المعلمون بتزيين عصيهم أو تلميعها ، و لها
 أيضا  ألقاب  فالمعلم  الرئيسي  للصف  كان  يسمي عصاه ( الدُرَّة ) تيمنا بعصا عمر بن الخطاب ، و معلم الدين كان يسميها ( فردوس ) لأن العصا من الجنة كما يزعم ، أما معلم الرياضة فكان يسميها ( ذو الفقار ) استلهاما  لسيف علي بن أبي طالب ؛ ثم اختلفت أسماء و أشكال عصي المعلمين في السنوات التالية ، فكانت عصا المدير أطولها و أرهبها و أشدها إيلاما ، فقد جربها سمير ذات يوم ظلما و عدوانا .
فقد كثرت الإضرابات و كثر الخروج من المدرسة ، و لم يكن ضروريا أن يكون الإضراب مقرونا بمظاهرة أو مسيرة فهو مجرد توقف احتجاجي عن العمل أو الدراسة، كانت الأسباب كثيرة بعضها لنصرة الثورة الفلسطينية ، و بعضها في ذكرى سلخ لواء الإسكندرون و بعضها احتجاجا على غلاء أسعار الخبز و المواد الغذائية الأخرى ، و في واحدة من تلك المناسبات خرج سمير مع بقية تلاميذ المدرسة و في طريقه إلى البيت تسكع مع بعض زملائه بين حديث و لعب ، وإذ بلغوا الشلال ، و هو عبارة عن مجرى مائي يصب من ساقية في بستان الباشا المرتفع نسبيا عن مستوى الشارع إلى نفق بني تحت عرضه ، من الرصيف إلى الرصيف ، و لا يزيد ارتفاعه على المتر الواحد ؛ كان الشلال و كذلك مجرى الماء جافا ذلك اليوم ، مما أغرى أحدهم بالهبوط ثم أخذ يصدر بعض الأصوات فيسمعه آخر على الرصيف المقابل من الشارع من فتحة المجاري هناك ، ثم أخذا يتبادلان الأصوات و كأنهما أمام كشف مثير ، مما أغرى الآخرين فأخذوا يهبطون واحدا وراء الآخر وكان أن قلدهم سمير ، فكان الجري في النفق ذهابا و إيابا بحد ذاته ممتعا ، أما مع الأصوات التي كان الصدى يضخمها أو يرددها و خاصة عند مرور الترام فكان الأمر أكثر إثارة ، ثم ملّوا و بدؤوا بالانسحاب يعاون أحدهم الآخر على تسلق مهبط الشلال ، و فجأة أدرك أنه كان الأخير فصاح طالبا العون و لكن زملاءه كانوا قد ابتعدوا دون أن ينتبهوا إليه .

 أحس سمير عندئذ بالخطر فأصابه هلع شديد و أخذ يصيح بكل ما يملك من قوة : " يا محمود ، يا سامي ، يا رفيق " و بدأت خيوط من الماء تهبط على مهبط الشلال ، فكان كلما حاول التسلق و يكاد يصل إلى الحافة ينزلق فيعود إلى الصياح ثم إلى المحاولة ؛ و خيوط الشلال تزداد كثافة فتزيده هلعا ؛ و يبدو أن مجموعة من تلاميذ الصف الخامس عادوا متأخرين من مباراة رياضية في ملعب كرة القدم القريب من المدرسة ، سمعوا صوت استغاثته فأخرجوه  و هو بحالة يرثى لها ، و أخذ أحدهم يحاول أن يهدئ روعه و بدأ آخر ينفض عنه التراب عندما انتبه إلى صوت والده يصيح بهم :
- ماذا تفعل بالصبي يا كلب أنت وإياه ؟

وإذ حاول أحدهم أن يشرح الموقف نال صفعة جعلته يدور على عقبيه ثم يقع أرضا ، إلا أنه استطاع النهوض بسرعة و الإفلات ، ثم لاذ هو و صحبه بالفرار و هم يشتمون الأستاذ و ابن الأستاذ و (عيلة الأستاذ) و كل من يمت بصلة إلى الأستاذ .
وأتى الآن دور سمير ، فأخذ والده يكيل له الصفعات و اللكمات و الركلات بكلتي يديه و كلتا قدميه و سمير يصيح و يستغيث :
" و الله ما عملت شي غلط يا بابا " ، و إذ اقترب من باب الدار لم يدخل به إليها بل استمر نحو المخزن ففتحه بإحدى يديه و دفعه بالثانية وأخذ يمطره بالمزيد . و من المخزن سمعت أمه و زائراتها و هنَّ والدتها و شقيقتها و زوجة أحد إخوتها ؛ سمعن صوت الاستغاثة ، فهرعت و هرعن من ورائها لتخليصه من بين براثن أبيه ، و لم تسلم أي منهن من أذاه خلال محاولتهن فقد كان في أوج الغضب و هو يردد بشكل هستيري عبارة :" ابعدوا عني ؛ اتركوني أذبحه و اخلص منه " وإذ  حالت  النسوة  دون إكمال  ذبح  ولده ، ارتدى ثيابه بعصبية و خرج من البيت غاضبا .
صحبته خالته فخر النساء إلى الحمام وغيرت له ملابسه الموحلة بصعوبة بالغة ومع كل حركة كان سمير يصيح متألما فهنا كدمة و هناك خدش أو جرح و في موضع آخر انتفاخ ؛ و بدأت من ثم تنظف جروحه و إذ أحست أنها تزيد من آلامه كفت ؛ و لما تمكن من فتح إحدى عينيه أدرك أنها كانت تبكي كل الوقت إشفاقا عليه .
أما والدته فكانت لاهية بالرضيعة التي أسموها ( سامرين ) فأصبحن بذلك
( سميرة و سمر  و سامرين ) ، تلك (السامرين) التي لم تكف لحظة عن العويل منذ أن قدمت إلى الحياة - كالأخريات عندما شرفن الدنيا  بقدومهن -  فأضافت إلى الجو مزيدا من التوتر؛ أما الجدة فكانت تحكي لسميرة و سمر حكاية اجتذبتهما بالكامل .
و لكن أحدا لم يسأله عن حقيقة ما جرى !

و في اليوم التالي لم يتمكن من الذهاب إلى المدرسة حتى العصر عندما أمر والده بتحضيره للذهاب إليها ، فتساءلت والدته باقتضاب :- " أبهذه الحالة ؟ " و لكنه لم يجبها ، فتدخلت خالته:- " الولد ، يكاد يموت يا صهري " فأجابها و قد ارتسمت على وجهه علامات الغضب من جديد :- " إنشاء الله يموت و يخلصني منه ! " فسألته بدهشة :- " و لكن ، ما الذي فعله ؟ حتى الآن لم أفهم ! " إلا أن الأستاذ انصرف به دون أن يجيب .
و حتى اللحظة لم يسأله أبوه عن حقيقة ما جرى !

و في المدرسة أوقف بجوار باب الإدارة بينما دخل والده إليها ، وخلال دقائق كان عدد من تلاميذ المدرسة يتجمهرون للفرجة عليه بين مشفق و شامت .
و لكن حتى اللحظة لم يسأله أحد عن حقيقة ما جرى !
و من تعليقات التلاميذ أدرك أن شيئا كبيرا يقال أنه حصل (!) و أنه تعرض لاعتداء ما (!) ، إلا أن سمير ظل ( مثل الأطرش بالزفة )
فحتى اللحظة لم يسأله أحد عن حقيقة ما جرى !

الكل يتكلم عنه و يعلق همسا أو جهارا و هو لا يفهم شيئا مما يقولون .
و لكن حتى اللحظة لم يسأله أحد عن حقيقة ما جرى !
و قرع الجرس و اصطف التلاميذ في الساحة استعدادا لدخول الصفوف ، و لكن مدير المدرسة الذي خرج برفقة والده أمره قائلا : - " سأدور بك بين التلاميذ لترشدني عمّن كانوا برفقتك أمس ، عندما شاهدك الوالد. "
تعرف سمير على ثلاثة منهم فأُخرجوا إلى وسط الساحة ، ثم أمروا بالاستلقاء أرضا و بدأ مدير المدرسة شخصيا بمساعدة اثنين من الحجاب ( الفراشين )  بجَلدهم على أسفل  أقدامهم ( فلقة ) ، و مع كل جلدة كانوا يصيحون متألمين ،مستغيثين ، متسائلين :- " ماذا فعلنا ؟ و الله لم نرتكب أي غلط ، و الله سمير كذاب يا أستاذ ! " ؛ إلا أن المدير استمر حتى كلّت يمناه ، و ما أن فرغ من جلدهم حتى أعلن طردهم من المدرسة .
و سمير يرى و يسمع و يرتعش هلعا و هو لازال لا يفهم ما يجري وحتى اللحظة لم يُسأله أحد عن حقيقة ما جرى !

والآن جاء دوره ، أدخلوه إلى غرفة الإدارة و أمام عيني والده جلده المدير عدة مرات لم تفلح توسلاته أو عويله بإيقافها .
و لكن حتى اللحظة لم يسأله أحد عن حقيقة ما جرى !  و لم يخبره أحد ‎لِمَ تعرض  هؤلاء للعقاب !

ظنوا ، ثم صدقوا ظنونهم و بنوا عليها و قاضوا  ثم قضوا ثم نفذوا أحكامهم ، و صاحب الشأن لم يسأله أحد عن حقيقة ما جرى ، أو يمنحه أحد ثانية واحدة ليشرح خلالها حقيقة ما جرى !
ولقد ظل سمير يحمل وزر هؤلاء الثلاثة لسنوات ، مع إيمانه بأنه لا ذنب له و لهم ، وأن ما جرى كله كان تسرعا وتعسفا و افتراء و قسوة لا مبرر لها ، ضاعف من قسوتها ما نجم عنها من آثار سلبية على علاقاته بزملائه ردحا طويلا من الزمن .

 

15
أين العلة ؟

جاء صيف جديد ، وعاد سمير لمرافقة والده إلى مكتبه ، و عادت الندوات المسائية إلى سابق عهدها . و ظل سمير على حاله منطو ، مرتبك ، وخجول ؛ و لكنه رغم كل الظروف السيئة التي مر بها استطاع النجاح إلى صف أعلى و ظل ذلك الطفل المصغي ، المنتبه ، و المتتبع لكل شاردة وواردة تتلقفها عيناه أو تلتقطها أذناه ؛ إلا أن وتيرة الأحداث لم تبق على حالها . ففي إحدى تلك الليالي بينما كان الأستاذ عبد الباقي يشرح لأحد زبائنه ظروف قضيته و ما آلت إليه ، كان ثمة حديث يدور بين  رمزي و حقي  ، استحوذ على انتباه سمير :
- هل سمعت الأخبار الجديدة ؟ لقد انسحبت ألمانيا من عصبة الأمم و أعلنت تصميمها على ضم كل من هو من أصل جرمني إلى ألمانيا الأم بما في ذلك ( الألزاس و اللورين ) ، ضاربة بمعاهدة (فرساي) عرض الحائط .
- الظاهر أنها أصبحت قوية بما فيه الكفاية فهذا التحدي لا يصدر إلا من أحمق أو قوي .
- من المؤكد أنها تجاوزت حدود التسليح التي تسمح بها معاهدة فرساي ، فالتقارير الواردة من (باريز) تشير إلى أن جميع الصناعات الألمانية تحولت إلى صناعات حربية و أن فرنسا تسرع في إنهاء بنائها لخط ( ماجينو ) الدفاعي على طول حدودها مع ألمانيا خوفا منها و تحسبا ، فألمانيا تملك الآن إلى جانب القوة الإرادة الحرة بعد أن حررت نفسها من عصبة الأمم .
 
و بينما كان الأصدقاء يتنقلون  من موضوع إلى آخر  كعادتهم ، إذا بشاب يتقدم نحو الأستاذ عبد الباقي بخطى مترددة ؛ فهب هذا لاستقباله بحرارة لم يبادله الزائر إياها ، و رغم ذلك استمر أبو سمير بالترحيب به ثم أخذ يعرفه إلى الأصدقاء ؛ و كم كان الأمر مفاجئا و مذهلا بالنسبة لسمير حين قال والده :
هذا أخي حسام الدين ! ثم التفت إليه آمرا :

- سمير ، قم سلم على عمك . و هنا انفضت الندوة و بقي سمير و الأَخوان .
قال العم باقتضاب :

- شقيقتك صفاء تريد مقابلتك .

- الآن ، في هذه الساعة المتأخرة ؟
- لو لم يكن الأمر ضروريا لما جئتك الساعة .
 

16
عتاب و
وداع

 

لم يزر سمير بيت جده من قبل و كذلك فإنها المرة الأولى التي يتعرف فيها على عمتيه صفاء و زهره  و كان قد تعرف على عمه حسام الدين قبل قليل ، كان يتساءل دوما في سره عن سبب هذه القطيعة المستمرة كل هذه السنين ؟ و لكن منذ اللحظة ستأتيه المعلومات طواعية .
ما أن أطل عبد الباقي حتى دمعت الأعين و أخذوا جميعا يتبادلون نظرات العتاب الصامت .
و بعد أن عاد شقيقته المصابة في غرفتها و شاهد سوء حالتها ؛ و سمعها تخبره بصوتها الخافت المنهك أنها أرادت رؤيته قبل موتها ، كي لا تحمل جريرة قطع صلة الرحم عندما تواجه ربها ؛ خرج من غرفتها مكتئبا ثم سأل شقيقته زهره عن كيفية وقوع الحادث فأجابته :

- كنا (نشطف) نغسل معا الدرج فانزلقت قدمها ثم فقدت توازنها و تدحرجت حتى الدرجة الأخيرة ، و كان أن أصيبت بعدة كدمات و جروح إلا أن أسوأها ما حل بساقها التي يبدو أنها كسرت كسرا بليغا .
- من هو طبيبها ؟
- طبيب ؟! نحن لا نكشف عوراتنا على أجانب و لا نؤمن إلا بالطب العربي ، لقد أحضرنا لها مجبرّا و هو الذي قام بالتجبير و هو الذي يشرف على علاجها أيضا .
- الله و أكبر ! مجبِّر ؟ أو ليس المجبر أجنبيا ؟ ما هذا التناقض ؟  ما هذا الإهمال ؟ ساقها المتورمة على هذا النحو المرعب يعالجها مجبر ؟! .
فأجابته بجدية و قناعة :
- هو شيخ مبروك و يعمل لله  ، فإن منَّ الله عليها بالشفاء شكرناه و حمدناه وإن لم يشأ فتلك إرادته التي لا نملك حيالها إلا التسليم ، أختك مؤمنة يا عبد الباقي و ليست ( مثل بعض جماعة ) !
- هذا انتحار و ليس إيمانا ! فربنا لم يقل ألقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، ثم التفت نحو شقيقه مستغربا : ألم تستطع إقناع شقيقتك بإحضار طبيب يا حسام الدين ؟ فأجابه هذا بجفاء :
- هذا شأنها .
- و لكننا سنفقدها إن لم نسعفها في الحال . فردت زهرة بهدوء :
- لا تنفعل زيادة عن اللزوم يا عبد الباقي ، قل سلمنا أمرنا  لله الذي لا نملك حيال إرادته إلا الصبر و الترقب !
- إرادة ربنا أم إرادة الكيس المشنوق ؟!
- عبد الباقي إن جئت للمهاترة فعد من حيث أتيت فنحن في غنى عن تلميحاتك ، لقد استدعيناك تحسبا لحدوث مكروه لا قدر الله ، فمهما كان مستوى قسوتك و جحودك بأهلك ، فأنت لازلت أخا شقيقا على الأقل في سجلات النفوس !
- إذا كان غرضك أن (تتغديني قبل ما أتعشاك ) فإن جدلنا سوف يطول ؛ ولكننا الآن  في  صدد الأهم  فحالة  صفاء مرعبة  وسأحضر  لها   طبيبا   منذ  الصباح  الباكر
.
- سوف ترفض بالتأكيد ؛

ثم نظرت إلى أخيها نظرة لوم عميقة و تساءلت :
- أليس حراما أن ينشأ أبنك سمير و يصبح في التاسعة من عمره دون أن يرى أو يعرف أهله الحقيقيين ؟ أليس حراما أن يكون لأخي أربعة أولاد و الخامس على الطريق و نحن لا نعرفهم أو يعرفونا ؟!
- هل سألت نفسك من كان السبب ؟ و لكنني أعود فأقول ليس الآن وقت العتاب أو الحساب ، شقيقتك في حالة خطر حقيقي ، فأنا لم أشاهد في حياتي كلها ساق متورمة على هذا النحو بخلاف الرائحة الكريهة المنبعثة تحت الضماد ، ثم هذه الحرارة المرتفعة ؛ كلها مؤشرات خطرة ، ربنا يستر !


*****


   نام سمير تلك الليلة للمرة الأولى في بيت جده ، كان في غاية السعادة لتعرفه على أهل أبيه و كانوا سعداء به و قد سألته عمته عن أخواته و عما إذا كن يشبهنه و عن أسمائهن ، و عندما عدد لها الأسماء تساءلت ساخرة :
- ما هذه البدع ؟ ، كلها أسماء متشابهة ، كيف تميزون أحدها عن الآخر و كيف تميزون أصحابها ؟ حقا إنها لأحجية ! و علق حسام الدين :
- الظاهر أن أخاك عبد الباقي أراد أن يثبت براعته اللغوية أو قدرة اللغة العربية على الاشتقاق !
و استمرارا لمزاحهم قرر الأخوان تسمية سمير( س1) و سميرة( س2) و سمر (س3) و سامرين ( س4 ) و القادم الجديد مهما سيكون اسمه ( س5 ) ، و ضحكا كثيرا مستظرفين نفسيهما و أضحكا سمير الذي راقته الفكرة ، و كانت المفاجأة عندما تنازل له عمه عن سريره ثم حين غطته عمته زهره  بيديها و طبعت قبلة حانية على جبينه وهي تتمنى له أن يصبح على خير .
و لكن أحدا لم يصبح على خير ؛ فقد صحا سمير في صبيحة اليوم التالي على صوت عويل و بكاء مرير . كانت عمته صفاء قد فارقت الحياة !
ما أن حلت الظهيرة حتى غصت الدار بالمعزين من الأهل و الأقارب و المعارف ، نساءاً  و رجالاً و أطفالاً ، لم يكن سمير يعرف معظمهم ، و ثمة قراء يتبادلون تلاوة القرآن الكريم ، و من حين لآخر يصدر من الطابق الثاني - حيث  تتواجد  النساء  و من بينهن أمه - عويل  أو نواح .
طالب بعض الحاضرين الأستاذ بضرورة التعجيل بدفن المتوفاة فإكرام الميت دفنه ، إلا أن الأستاذ عبد الباقي أجاب معترضا:

- إكرام الميت دفنه و ليس التعجيل بدفنه ، لدينا شقيقة في دير الزور أرسلنا أخي حسام الدين ليخبرها و يحضرها .
و كانت مفاجأة أخرى بالنسبة لسمير أن يعلم أن له عمة أخرى ؛ كما كانت المفاجأة التالية انسحاب  والدته  في  وقت  مبكر و سمعها  سمير تبرر انسحابها  لوالده  بأنها  قوبلت بالتجاهل التام .


*****
 

     و في مساء اليوم التالي حضرت عمته الأخرى مع أفراد أسرتها المؤلفة من زوجها الضابط في سلك الدرك و وولدها شفيق و بناتها شفيقة و رفيقة و وفيقة و بسرعة مدهشة تصادق مع أولاد عمته و خاصة منهم شفيق الذي يقاربه عمرا فكم كانت سعادتهما بالغة عندما دعيا للخروج في الجنازة  ، ثم للوقوف صفاً واحدا إلى جانب الكبار لتقبل العزاء ، ثم للمشاركة في استقبال المعزين ووداعهم خلال الأمسيات الثلاث التالية .

 أما في النهار فكانا يتراكضان و يتعاونان على تسلق شجرة النارنج التي كانت أغصانها تظلل معظم ساحة الدار ، أو يتراشقان بماء البحرة المتدفق ماؤها بدون انقطاع ، أو يحاولان التقاط ثمار التين من شجرة انبثقت من الجدار المجاور للنهر ، و كان سمير ينادي على ابن عمته بلقب (ق1) و ذاك يناديه (س1) و انتشرت من ثم لعبة الألقاب بالأرقام بسرعة بين الأطفال جميعهم ؛ و على الرغم من أنها كانت أيام حزن و أسى بالنسبة للكبار فقد كانت من أحلى أيام الصغار .
و لكن ما أن انتهت أيام العزاء حتى اشتعلت الحرب بين والديه من جديد ، فوالده لم يقر سلوك  أمه و لم يقتنع بمبرراتها ،  و والدته أصابها القلق من عودة الصلة بين زوجها  و إخوته .

 

17
الحرب و الضحايا

 بينما كان سمير يلعب مع صديقه الوحيد في ساحة المدرسة لاحظا تجمعا لبعض المعلمين فدفعهما الفضول  للإقتراب منهم مع آخرين ، و كان الحوار مثيرا للغاية فثمة حدث هام قد وقع .
أحدهم : - أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا ثم تبعتها فرنسا بعد قليل ، سمعت الخبر من إذاعة الشرق الأدنى لتوّي .
أحدهم :- أمر متوقع فبعد أن التهم هتلر النمسا و تشكوسلوفاكيا ثم التفت نحو بولندا ، شعرت فرنسا أنها ستكون الفريسة التالية ، فلم  تجد  بدا  من  التحالف  مع  بريطانيا  لدرء  الخطر الداهم .
أحدهم : - فخار يكسر بعضه !
أحدهم :- لَهْ يا أستاذ ، نحن جزء من اللعبة ، ألسنا من توابع فرنسا ، سوف تصيبنا شظايا الحرب بالتأكيد .
أحدهم مؤيدا : - بالتأكيد و سيبدأ تأثرنا بغلاء الأسعار و الشاطر فينا من يسرع إلى تخزين ما يمكنه من مواد غذائية .

 

*****
 

     و ابتدأت من ثم مظاهر الحرب و أخبارها تتوالى من حول سمير ، فأينما تحرك أو تلفت يجد بعضا منها ، تعطيل الدستور و حل البرلمان و إعلان الأحكام العرفية . وضع جميع مصادر التموين تحت إدارة السلطة العسكرية . موجة التخزين المحمومة و ما تبعها من ارتفاع جنوني للأسعار . صبغ الأنوار باللون الأزرق في الشوارع و العربات و حتى البيوت .
كان حديث الحرب على كل لسان و لكن أهم أخبارها كان سمير يسمعها من جهاز الراديو ، فما أن يعود والده من عمله حتى يبدأ بالعبث بمفاتيحه ليضبط هذه أو تلك من المحطات التي تكاثرت مؤخرا ، فمن راديو برلين كان يستمع إلى أخبار الانتصارات الألمانية و تعليقات المذيع  يونس البحري  ممجدا  الإنجازات  الألمانية ،  و مبشرا العرب بقرب انهيار الاستعمار ( الأنكلوفرنسي ) و ما يترتب على ذلك من استقلال البلاد العربية الواقعة تحت احتلاله ، و من محطة الشرق الأدنى و هي محطة إنكليزية تذيع من حيفا في فلسطين كان يستمع إلى أخبار صمود الحلفاء في وجه الاجتياح الألماني . و كان الفرح يسيطر على الناس كلما سمعوا خبرا جديدا عن انتصارات الألمان إلا أن الفرحة العارمة كانت يوم التفّت الجيوش الألمانية حول خط (ماجينو) باجتياحها بلجيكا ثم حصارها للقوات الإنكليزية في مدينة (كاليه) الفرنسية و التي انسحبت بسرعة عن طريق البحر ، و ما تبع ذلك من انهيار المقاومة الفرنسية و استسلام الجنرال (بتان) ثم دخول الجيوش الألمانية إلى مدينة (باريز) .
و رقص بعض الناس في الشوارع ابتهاجا بدخول (هتلر) الى (باريز) منتصرا ، و سمّى كثيرون من المتحمسين للألمان ممن أنجبوا ذكورا ذلك اليوم ، سموا أبناءهم باسم ( هتلر ) تيمنا بهذا الفاتح الكبير الذي سيعيد لهم كرامتهم و حريتهم ، و انتشرت إشاعة بين الناس أن هتلر قد أسلم سرا و أقسم أن يحرر العالم من الإستعمار و الشيوعية و اليهود ، و قد تحرش بعض الشبان المتحمسين بالجنود و الضباط الفرنسيين فأطلق هؤلاء النار عليهم ثم أعلنوا منع التجول في مركز المدينة .
إلا أن أي شيء على المستوى السياسي المحلي لم يتغير كما كان متصورا ، فالمفوض السامي الفرنسي تم  تغييره  و لكن  بديله ظل  يدير البلاد  بالحديد  و النار و لكن بدعم  من الألمان ، الآن .
و بدأ الناس يشاهدون طائرات ألمانية في سماء دمشق كإحدى علامات هذا التحول .

*****

    في إحدى ليالي الشتاء الباردة ، ابتدأت علامات الولادة على والدته فهرع والده لإحضار (الداية) على عجل و ما أن انتصف النهار حتى غصت الدار بالزوار كالعادة في مثل هذه المناسبات و كالعادة حضرت الجدة و وابنتها فخر النسا  و اثنتان من زوجات أبنائها مع أطفالهما و لكن على خلاف العادة حضرت عمته زهره .
كانت الولادة عسرة و لكن مع فجر اليوم التالي تمت ، وكان المولود ذكرا فصدحت الزغاريد  و ابتسمت الشفاه و وزعت كؤوس ( الماورد ) ، و بينما كان الحضور يتبادلون التهاني ؛ إذا بدوي انفجار بعيد نسبيا أعقبه أزيز طائرة ، ثم دوي ثان أقرب ، ثم دوي ثالث كان أقربها و أعنفها ، هز البيت حتى خالوه سيهبط فوق رؤوسهم ،  ثم تناثرت شظايا الزجاج في كل مكان و تحولت زغاريد النساء إلى صرخات رعب و عويل ، و إذ أفاق الجميع من هول الصدمة ، هرعوا إلى النوافذ فشاهدوا عمودا من الدخان برز من آخر الجهة الغربية لبستان الباشا ، و لكن سمير الذي لحق والده إلى سطح المنزل شاهد من الجهة الجنوبية منطقة سكنية مجاورة لسور دمشق القديم تحولت  إلى كتلة من الأنقاض تحت سحابة من الغبار  و الدخان الأسود تتخللها ألسنة النار ؛ ثم قضى سمير معظم يومه على سطح منزله متتبعا عمليات الإنقاذ و إزالة الأنقاض وكانت أصوات المنقذين و المستغيثين  تصل  إلى  مسامعه  فتزيده  توترا  و إثارة .
و من إذاعة دمشق و هي إذاعة محلية أنشئت حديثا و لا يصل مداها إلى أبعد من قرية (جوبر) ؛ سمع بيانا بلسان السلطة العسكرية الفرنسية أفاد بما يلي : " أن طائرات معادية قادمة من العراق حاولت ضرب مطار (المزة) فتصدت لها دفاعاتنا و أرغمتها على الفرار ، و حين بدأت طائراتنا بمطاردتها ألقت حمولتها عشوائيا فسقطت قنبلة على حي (الكلاسة) المجاور للجامع الأموي وقنبلتان في بستان الباشا لم تنفجر إحداهما ، و رابعة على حي (الدباغين)  و قد لحقت أضرار جسيمة بالحيين و هناك عدد كبير من الإصابات .

*****

  و على حين غرة ، انتبهت الجدة إلى أن أمرا غير عادي حدث لابنتها و رضيعها فالطفل لم يكف عن البكاء لحظة واحدة و وجهه أصبح أزرقاً و قد غشي أكثر من مرة ، أما الوالدة فشاحبة و منهكة ، فاقتربت منها أكثر لتلاحظ أنها غائبة عن الوعي أو تكاد و عندما كشفت عنها الغطاء شاهدت آثار نزف مخيف فصرخت مستغيثة بمن حولها .
- ( أكيد من الرعبة ) قالت إحداهن ، فأجابتها أخرى :
- لقد انقطع حليبها أيضا ، و لهذا السبب فان الرضيع لا يكف عن البكاء ؛ و صاحت فخر النسا :
- صهري ( دخيلك ) احضر لها دكتور ، إنها تموت .

 و لكن العمة زهرة تصدت لها قائلة :
- و لم الطبيب ؟  هذا أمر عادي بالنسبة لأي (نفسا) ، إن تقاليد العيلة لا تسمح بكشف عورات نسائنا على الغرباء .
ثم ابتدأت مشادة بين العمة و الجدة كل تدافع عن وجهة نظرها و اشتركت أخريات بين محرمة أو محللة ، و نصحت إحداهن باللجوء  إلى "طاسة الرعبة*"  و نصحت أخرى بمغطس ماء حار و ملح (!) ، و أم سمير تزداد شحوبا و الرضيع يزداد صراخا .

و الأستاذ يصغي دون أن يتخذ قرارا !
و هنا صاحت به فخر النسا :
- صهري ! إن ماتت أختي قمر أحمّلك و زهره (خانم) مسؤولية موتها .

 هنا تحركت العمة زهره  ، فوقفت في وجه شقيقها مهددة :

-  والله يا عبد الباقي إن أحضرت طبيبا  فلن أدس عتبة  بيتك بعد اليوم  .
ألقى الأستاذ نظرة على ملاءة عرضتها عليه الجدة كانت قد أزاحتها من تحت ابنتها (النفسا) للتو و قد تشبعت كلية بالدم ، جعلته يدرك مدى سوء الحالة و لكنه أصيب بحيرة تجاه إصرار شقيقته التي لم يشأ إغضابها و خاصة بعد قطيعة طالت عشر سنوات ، فالتفت إليها قائلا بلطف و لكن بحزم :
- الحالة سيئة فعلا يا أختي و تحتاج إلى طبيب ، سيلعنني الله و الناس إن لم أحضر طبيبا في الحال و لكي لا أسفه يمينك سأرسل سمير لإحضار الطبيب .

*****

   و أطلق سمير ساقيه يسابق الريح ، و إذ بلغ عيادة الدكتور وجدها مغلقة و على بابها ما يشير إلى أنه مستدعى إلى المستشفى الوطني بسبب الطوارئ ، فعاد جريا كما أتى ليرى أن حالة والدته ازدادت سوءا ، كانوا  قد جربوا  المغطس فتضاعف النزف (!) إلا  أنهم  لم  يجدوا  لسوء  الطالع  من  يملك ( طاسة الرعبة ) في الجوار (!) .
احتدم النقاش مجددا بين العمة و الجدة حول فكرة نقلها إلى المستشفى ، و عادت النسوة إلى المداخلة بين مؤيد لوجهة نظر هذه أو تلك منهما .

و الوالد جالس في حالة شرود . و لكن حتى اللحظة لم يتخذ قرارا !
مرت في الشارع جنازة ، هرع سمير لمشاهدتها من موقعه المفضل على  ( الروشن ) كانت لعائلة كاملة مؤلفة من الأب و الأم و أطفالهما الخمسة من ضحايا حي ( الدباغين ) ، و عن بعد لاحظ أن عشرات العائلات لجأت الى بستان الباشا خوفا من غارة أخرى قد تقوض بيوتهم على رؤوسهم ، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار ، ثم عاد إلى غرفة المعيشة ليرى والدته فاقدة الوعي تماما والجدة لا تزال تناقش العمة و النسوة لا زلن يتجادلن .
و الأستاذ لا زال في حالة شرود و لكنه حتى اللحظة لم يتخذ قرارا !
و فجأة صاحت فخر النساء :
-" لقد قتلتم أختي ، الله لا يسامحكم دنيا  و آخره " .

هنا فقط اتخذ الأستاذ قراره !
عندما بلغ بها المستشفى الفرنسي و تمكن أحد الأطباء من رؤيتها بعد انتظار طويل ، لأن المستشفى كانت ملأى بالمصابين من حي (الدباغين) المنكوب ،  نظر إليه الطبيب بأسى وهز برأسه أسفا و هو يقول :
- لقد جئتم متأخرين !

*****

     جفت الدموع في عيني سمير ، الا أن صورة والدته لم تغرب عن مخيلته لحظة واحدة و كلما خلا الى نفسه تذكر حالتها و هي في التزع الأخير ، كان يجلس على الروشن تتنقل عيناه بين المارة أو الحافلات أو البستان و نشاطات أبو صياح الزراعية فيه الا أن مخيلته كانت تعود الى موضوع أمه و ظروف وفاتها المأسوية .


*****

     و ذات يوم شهد جدالا بين أبي صياح البستاني و بعض العمال الذين أخذوا يحفرون قطعة من الأرض مزروعة بالقمح ، و علا صياحهم ، ثم بدأ أبوصياح و أولاده برشق العمال بالحجارة ، فذهب أحدهم لاستقدام الشرطة ، و سرعانما جاء شرطي على دراجته الهوائية ، و أفهم أبا صياح بأن حفر الخنادق أمر حكومي غرضه حماية الناس عند وقوع غارات جوية و أنه اذا استمر بتعطيل العمال سيعتقله ، فصاح أبو صياح : " يعني ( اجت على راسنا ) ألم يكف مافعله الناس بالبستان حين لجؤوا اليه بعد الغارة حيث عاثوا فيه فسادا ، و الآن جاء دور الحكومة لتخرب بيوتنا ، و الله هذا ظلم ."  ثم أستدار على عقبيه و غادر الموقع مع أبنائه و هو في أشد حالات الغضب . كان خندقا طويلا و متعرجا سرعانما تحول الى مرحاض عمومي !!!

 

======================

* طاسة الرعبة : وعاء نحاسي كتبت عليه من الداخل بعض الآيات القرآنية

 

18
المتزمتون

 

 إستطاع الأستاذ أن يقنع شقيقته زهره  بتحمل مسؤولية و رعاية أطفاله الخمسة و كان إقناعا مقرونا بإغراء مادي فقد سجل باسمها قطعة أرض يملكها في حي مجاور لمركز المدينة ؛ كانت العمة في الأربعينيات من عمرها ، و هي عانس ، و رغم جمالها فقد كانت ترفض الخطاب لسبب لا يعلمه أحد ، و يبدو أنها كانت متفقة على رفض الزواج مع شقيقتها المرحومة صفاء ، كما  كانت  تتهرب  من  موضوع  زواج شقيقها حسام الدين كلما طرح للبحث .
أما حسام الدين نفسه و هو في أواخر العشرينيات من عمره فكان مُسيَّرا بالكامل من قبلها ، إذ أنها بسطت سيطرتها التامة عليه منذ أن فشل في إدارة أعمال أبيه  بعد  وفاته ، و هي تجارة ( مال القبان ) من فواكه مجففة مثل (القمرالدين) و ( النقوع ) و ( القطين )
 
و المكسرات مثل (الجوز) و (اللوز)  ، و لكنه فشل بالاحتفاظ بزبائنه أو مورديه على السواء ، على الأرجح بسبب ميله إلى الكسل و الاسترخاء ، فأخذ يؤجر أجزاء  من  دكان  والده (للمتعيشة و أصحاب البسطات *) مكتفيا بهذا المورد المحدود .ثم أخذ يمضي معظم وقته في البيت يلعب الورق أو النرد مع نفسه أو مع  خاله الشيخ أو أحد زواره القلة .
كانت العمة تكثر من الصلاة و العبادة و التسبيح آناء الليل و أطراف النهار ، و لكنها كانت في الوقت نفسه  صارمة لا تتسامح تجاه أية خطيئة أو هفوة يرتكبها أي من أطفال أخيها ، فشؤون الحياة بالنسبة إليها إما بيضاء أو سوداء أما اللون الرمادي بجميع درجاته فغير مقبول لديها البتة ، و أصبح من المعتاد أن يعاقبوا عقابا بدنيا ، كثيرا ما يكون قاسيا و لأتفه الأسباب ، و قد أضافت إلى وسائل القمع المعتادة ، وسائل لم تكن معروفة من قبل لدى أولاد أخيها كالعقص و العض و الكي بالنار (!) فحتى الصغيرة ( سامرين ) البالغة من العمر ثمانية عشر شهرا كان عليها أن تضبط خروجها في أسرع وقت ، و لكي يتحقق ذلك استخدمت لتعليمها النار فقد أحرقت لها أستها مرارا ، كانت المسكينة تصرخ و تصرخ شقيقتاها معها رعبا و هلعا ، أما سمير فكان يقف حزينا محتارا لا يدري كيف يتصرف ، أما الرضيع الذي أسموه سامر أو (س5) كما كان يناديه العم حسام و هو يضحك ، فقد حلّت العمة زهره مشكلة إطعامه على طريقتها ، فأخذت ترضعه حليب البقر الطازج  ، رافضة استخدام معلبات الرضع الخاصة بهم ، إلا أن مشكلته الصحية الأخرى و هي تعرضه لحالات ضيق التنفس ، من حين لآخر ، كان حلها عند العمة هو ( التكبيس ) حيث تمسك قطعة من الخبز بطرف سكين  و تدور بها حول رأسه بينما لسانها يدمدم ببعض الأدعية و الأوراد ؛ و
لكن فكرة اللجوء إلى الطبيب كانت مرفوضة رفضا قاطعا و باتا .
أما الأستاذ فقد سلم زمام الأمور لشقيقته زهره و استراح !

*****

        تعرض سامر ذات يوم لنوبة ضيق تنفس قاسية إبيضت خلالها شفتاه و ازرقت يداه ووجهه و اسودت أظافره ، فأحس سمير أنه سيفقد أخاه ، كما فقد أمه من قبل ، فاندفع خارجا و أطلق لساقيه العنان باتجاه أقرب عيادة في حي العمارة المجاور وما لبث أن عاد بالطبيب الذي استطاع إنقاذ الرضيع ثم أبلغ عمه حسام الدين بأن الطفل مصاب بربو الأطفال وأن أمعاءه مليئة بالغازات ، مما يضاعف من سوء الحالة و يزيد من عدد نوباتها  ،و أن حليب البقر لا يناسب رضيعا في  الأشهر الأولى من عمره ، و بعد أن وصف له الأدوية و الغذاء الصناعي المناسب انصرف وهو يحذر عمه بأن هذا المرض قد يكون مميتا و أن المريض به بحاجة إلى العناية التامة و الالتزام بالعلاج الموصوف له في أوقاته .
ووقف سمير قبالة عمته وقفة المنتصر و هو يقول :
" أرأيت كيف أنني كنت على صواب ؟! " و لكن صفعة هائلة أشعلت خده و دوت في أذنه و هزت دماغه فدوخته ؛ كانت هذه إيذانا لحسام الدين ليقوم بدوره التربوي (!) ، فانقض على سمير إنقضاض ذئب على حمل ، مستخدما كل عضلة من عضلاته المفتولة لتحطيم عظام ابن أخيه و عضلاته الهزيلة و  شخصيته ! كان يصيح به مع كل ضربة :
" تتمادى على عمتك يا كلب ؟! تضعنا تحت الأمر الواقع يا قليل الأدب و عديم التربية ؟! من أذنك بإحضار الطبيب يا ابن أمك ؟ " و لدهشة سمير الكبرى اندفعت سميرة نحو عمها تعضه من يده ، و سرعانما  تبعتها سمر التي أخذت تضربه بقبضتيها الصغيرتين ، و رغم تصرفهما الطفولي فإنهما لم تسلما من عقاب عمتهما الرادع فبعد أن شدت شعرهما و عقصتهما أو عضتهما ، وضعتهما في المرحاض عند الجرذان كما أوضحت لهما ، ثم أقفلت عليهما الباب ولم تفلح صيحات التوسل والاستغاثة بتليين قلبها .
و عندما عاد الأستاذ و سمع قصة ما جرى فتح باب المرحاض فوجد ابنتيه نائمتين شبه عاريتين فقد نضتا عنهما ثوبيهما و سدتا بهما فوهة المرحاض لمنع الجرذان المزعومة من الخروج ثم نامتا متعانقتين محاولتين أن تدفئ إحداهما الأخرى بجسديهما ، كان المنظر أليما و لكن الأستاذ لم ينبث ببنت شفة ؛ حملهما إلى سريرهما ، ثم التفت نحو سمير هاما بعقابه لأنه كان سبب الأذى الذي تعرضت له شقيقتاه (!) و لكن العمة الحنونة شفعت له بقولها : 
" لا داع لذلك يا عبد الباقي ، لقد نال نصيبه "
إلا أن جميع أوامر الطبيب قد نفذت ربما بضغط من الأستاذ ، مما خفف وطأة الأذى الذي تعرض إليه سمير ، و مما جعله يزداد يقينا بأن ما فعله كان عين الصواب .

*****

    عندما  بلغ  سمير الصف  الخامس  الابتدائي  و كان صفا  رئيسا  ينال  في  نهايته  شهادة ( السرتفيكا ) التي سوف تؤهله لدخول المدرسة الثانوية إذا حصل على مجموع جيد ؛ عندما بلغ ذلك الصف ، بدأ يتعثر ربما بتأثير وفاة والدته أو بسبب أسلوب معاملته و إخوته المتسم بالصرامة و القمع ، أو للسببين معا ، وكان تعثره على وجه الخصوص في مادة الحساب و لذا تم اختيار العم حسام الدين لتقويته في تلك المادة .
كان العم حسام الدين عبقريا في هذه المادة - كما زعموا - إلا أنه كان فاشلا  في تدريسها لابن أخيه فشلا ذريعا .
كانت رحلة تقوية الحساب بالنسبة لسمير رحلة عذاب جديدة رافقها الكثير الكثير من الإهانات و السباب إضافة إلى الصفعات و اللكمات و التي كانت تزيده إرباكا و تعطيلا لتفكيره الحسابي و غير الحسابي ، و مع ذلك استطاع النجاح بمجموع أهله للترفع إلى المرحلة الثانوية ، التي كانت تبتدئ في ذلك الوقت اعتبارا من الصف السادس .

أما الأستاذ الوالد فلا زال مسلما الأمر لشقيقته زهرة و تابِعُها حسام الدين موفرا جهده لمتطلبات العمل !
إلا أن المشكلة الكبرى التي واجهت أطفال الأستاذ كانت يوم قررت العمة أنه آن الأوان لتحجيب سميرة فقد تجاوزت الحادية عشر من عمرها وصارت بنظرها صبية (!)  و لكن سميرة رفضت  تعليمات عمتها رفضا تاما ، و ظلت على إصرارها رغم جميع ما تعرضت له من إهانات و أذى نفسي و جسدي وآزرها سمير في موقفها هذا .
أما الأستاذ الوالد فقد سلم زمام الأمر لشقيقته زهره و تابعها حسام الدين و استراح !

و ذات يوم دفعت العمة شقيقها حسام الدين لتولي واجباته التربوية تجاه ابن أخيه (النمرود) كما وصفته "حسامو شوف شغلك" فقد ألقى سمير بملابس الحجاب التي اشترتها مؤخرا من جيبها الخاص لسميرة ، ألقاها في صفيحة القمامة متحديا كليهما العمة و العم ، إلا أن سمير أبدى بعض المقاومة أثناء تعرضه للعقاب ، فأشعل بذلك غضب عمه الذي أمسك عصا المكنسة الغليظة و أخذ ينهال بها على كل جزء من جسده الصغير ، ثم أمسك رأسه من شعره و أخذ يضرب بها الأرض ، و العمة الحنونة تناشد أخيها ببرود : " حسامو ، طوّل بالك برضايي عليك عليك " أما شقيقاته الثلاث فكن يصحن و يحاولن تخليص أخيهن من بين براثن عم تحول إلى وحش آدمي ، فتقوم عمتهن بإبعادهن بالقوة ، ثم توجه رجاءها إلى أخيها : " حسامو ! أكل نصيبه ، يكفي برضايي عليك "
كانت معركة شرسة انتهت بإصابة سمير بالإغماء و حبس الشقيقات الثلاث في المرحاض و عندما صحا سمير وجد نفسه عاجزا عن الحركة .

اقترب الأستاذ ليتفحص حالة سمير فلاحظ أنه تحول إلى حطام و أخذ خيط رفيع من الدم يتسرب من داخل أذنيه و امتلأ وجهه بالبقع الزرقاء و البنفسجية و الحمراء و انبثق من رأسه عدة نتوءات و ظهرت آثار العصا في عدة مواقع من جسمه ، و أما البنات فما أن أخرجتهن العمة من المرحاض حتى اندفعن نحو والدهن صائحات : " دخيلك يا بابا عمو و عمتو بودهن يموتوا سمير و بودهن يموتونا كلنا " .
هدّأ من روعهن و رافقهن إلى السرير ثم حمل سمير إلى فراشه . و بعد فترة صمت طويلة دمعت خلالها عيناه (!) التفت إلى شقيقته قائلا بأسى :

- قبيل دخولي إلى الدار ناداني نفر من الجيران رجالا و نساء و أخبروني بما يجري كل يوم من مظالم في بيتي ، و أكدوا لي أن أطفالي وقعوا تحت يد زوجة أب ظالمة ، و أخبروني أيضا بما يتعرض له أطفالي من صنوف العذاب كل يوم ، فقد كانت أصوات استغاثاتهم تسمع من خلف الجدران و النوافذ  ؛ و لكن اليوم فاقت معاناتهم كل حد حتى أنهم أي الجيران - فكروا بإخبار الشرطة . الماء يجري من تحتي كل هذه الأيام وأنا غافل عنه ؟‍! فقد سلمت أمري إلى أخويّ و ظننت أني استرحت ؟! و لم يدر بخلدي أنني سلمت أمري إلى جلادَين ! لم أكن أتصور أنكما حقودان لهذه الدرجة و أنكما تنتقمان مني عن طريق أولادي ، ظننت أن وفاة صفاء قد أعادت الصفاء و النقاء إلى قلبيكما و أن الدم لا يمكن أن يتحول الى ماء ، و الظاهر أنني كنت ساذج و حسن النية زيادة عن اللزوم .
و تلا ذلك مشادة تحولت إلى شجار تماسك خلاله الشقيقان و كادا يقتتلان ، أنذرت العمة في أعقابه الأستاذ بأن لديه شهرا واحدا ليتدبر أمره مع أطفاله ثم سوف تعود إلى بيتها مع شقيقها ، و قالت أيضا في معرض تبرير سلوكها بأن  الأولاد  تشربوا  بأخلاق  أمهم  و زندقة  أهلها  حتى  الجذور ، و أنها  و شقيقها  إنما  كانا  يحاولان  إعادتهم  إلى  السراط المستقيم  ليس  إلا !
 

19
أين الحل ؟

 

    بعد أن فرغ الدكتور رشدي من فحص سمير جلس إلى جانب والده و أخذ يناقشه بصوت هامس حول الموقف ، و كان سمير رغم وطأة المرض و خفوت الصوت يصغي إلى كل كلمة مما يدور .
- ولدك مهدد بأحد أمرين الموت أو الإعاقة العقلية أو الجسدية أو كلاهما معا ، لقد أصيب بارتجاج شديد في دماغه و هو بحاجة إلى عناية فائقة للتغلب على آثاره الخطرة ، هناك أدوية وصفتها له و هناك (كمادات)* ماء بارد يجب أن توضع على رأسه بدون توقف إلى أن تهبط حرارته ، فإذا لم تهبط عن الأربعين درجة حتى صباح الغد يجب إدخاله إلى المستشفى ، أما إصاباته الأخرى فهي أقل خطرا  و لكنها بحاجة إلى العناية أيضا ، و صمت قليلا ثم سأله لائما :

- كيف تسمح بهذا يا أستاذ ؟ هذه التصرفات مع عدم المؤاخذة تصرفات جهلة !
- لك الحق أن تقول ما تشاء يا دكتور و لكن قل لي ماذا أفعل ؟ أنت تعلم أن أم الأولاد اختارها الله إلى جواره و تركت لي خمسة أطفال أكبرهم سمير و آخرهم رضيع فلم أجد من ينجدني غير شقيقتي و هي ليست جاهلة بأي حال من الأحوال بل يعتبرها الكثيرون من الأقارب حكيمة (العيلة) ، أما شقيقي فقد حصل على البكالوريا بدرجة شرف و لكن وفاة الوالد أوقفته عن إتمام دراسته كي يتسلم تجارته.

 أجابه الدكتور :
- أنا أقصد الجهل في أصول التربية، إن ما رأيته اليوم مناف لأبسط قواعدها ، أتدري  يا أستاذ ، كان من المفروض برأيي أن تعلقوا لابنك سمير هذا وساما على صدره ، فلولاه لمات أخوه اختناقا . فعندما استدعاني لرؤيته كان الرضيع يصارع الموت و استنتجت في حينه أن استدعائي كان مبادرة شخصية منه . برأيي يا أستاذ أن ابنك هذا لديه إحساس عال بالمسؤولية الذي جعله يقف في وجه ظلم عمته و عمه ، أنظر إلى الأمر من هذه الزاوية يا أستاذ لا من زاوية أنه تمادى عليهما كما قلت لي بداية ، وما استخدام العنف معه لهذه الدرجة الفظيعة إلا من أجل قتل روح المعارضة لديه ، فالمستبدون لا يتقبلون من يخالفهم الرأي .

و صمت قليلا ثم أضاف :
- أستاذ عبد الباقي ، إصغ إليّ جيدا و خذها نصيحة من صديق و أخ ، شقيقاك غير مؤهلين لتربية أطفالك فهما من النوع المتزمت و المتزمتون في الغالب قساة القلوب !
- من يرعاهم إذاً يا دكتور ؟ سمير ذو الثانية عشر أم سميرة ذات الحادية عشر ؟ أم أترك عملي لأقوم برعايتهم ؟ فإن فعلت فكيف أملأ أفواههم ؟ إنهم خمسة يا دكتور !
- معك حق ، الوضع صعب و لكن يجب أن تبحث عن البديل يا أستاذ !.
- وضعي سيئ للغاية ، لقد أصبحت دائم الشرود و التفكير ، أقلب الحلول فلا أجد منفذا واحدا يمكن قبوله .
- تزوج يا أخي !
- من ترضى بأن تكون مسؤولة عن خمسة أطفال يا دكتور ؟ ثم من يضمن أن تكون ( بنت حلال ) قادرة على استيعابهم ؟ إن شقيقتي ابنة أمي و أبي عجزت عن منحهم الحب اللازم لتنشئتهم فهل يمكن للغريبة أن تمنحه لهم ؟
هنا استطاع سمير بعد صراع مع الألم و الدوار أن يتفوه بالكلمات التالية :
- بابا (دخيلك ما بودي موت) خذني إلى المستشفى أو إلى بيت جدتي ، ( ما بودي ارجع إلى بيتنا ) .

- ( إجت و الله جا بها ) قالها الأستاذ و هب واقفا ثم حمل سمير على ظهره على عجل و هبط به درج العيادة ثم أدخله إلى سيارة الأجرة التي كانت بالانتظار ، و أمر السائق : "إلى دوما من فضلك !"
استُقْبِلَ الأستاذ وولده المصاب بالدموع ، فقد اختلطت المشاعر بين إشفاق على سمير و ما تعرض له من أذى جسمي و نفسي و استعادة لذكرى أمه و ظروف وفاتها المؤلمة و استرجاع لمواقف العمة المتسمة بكراهية كل ما يمت بصلة للمرحومة والتي جعلتهم يحسون بأنهم دخلاء كلما حاولوا زيارة الأطفال للاطمئنان عليهم ، مما اضطرهم في نهاية الأمر إلى الكف عن ذلك .
تولت فخر النسا على الفور العناية بسمير، في حين ذهب خاله وديع على دراجته إلى السوق لشراء أدويته و الثلج اللازم لتخفيض حرارته ، أما فخر الدين فلم يكن في الدار ساعتئذ مما أتاح الفرصة لأن يخلو الأستاذ بحماته السابقة .
بعد أن شرح لها وضع الأطفال و ما تعرضوا له من ظلم و أذى نتيجة تطرف شقيقيه و تزمتهما ، عرض عليها فكرة أن تقوم هي برعاية الأطفال بالطريقة التي تعجبها فإما أن تأتي إليهم أو أن يأتوا إليها ؛ و أكد أنه سيؤمن لها خادمة تقوم بجميع الواجبات المنزلية بحيث لا تتعدى مسؤولياتها الإشراف عليهم . و لكنها  اعتذرت  لا لأنها  لا  تحب أن  ترعاهم فهم من ( ريحة المرحومة ) و تتمنى أن تفتح صدرها و تضمهم إلى جوار قلبها ، إنما لأنها متقدمة في السن و تكاد آلام مفاصلها تقعدها عن الحركة ، فهي غير مؤهلة جسديا لتحمل هذه المسؤولية الجسيمة ، أما ابنتها فخر النسا  فأمر زواجها بات قاب قوسين أو أدنى فالخاطبون كثر و آخرهم ابن أحد القضاة المعروفين و الذي على الأرجح سوف تقبل به العائلة.
و تضيف الجدة أن الأستاذ صعقها تماما عندما طلب منها يد فخر النسا ، فهي خالتهم المحبوبة والتي ظلت بالنسبة لسمير أمّا ثانية ، و أنه لا يوجد في الكون من هو أصلح منها لتربيتهم و رعايتهم . ثم أضافت الجدة :
" لقد خجلت من الرد عليه بجفاء ، خجلت أن أقول له أنه أساء لابنتنا المرحومة و ظلمها ، و أننا لا يمكن أن نرمي ابنتنا الثانية بين يديه ، خجلت أن أقول له أن شقيقته تجاهلتنا كلية أيام المأتم و أشعرتنا بأننا غرباء أو أهل من الدرجة الثانية و أن جنابه كان أثناء ذلك كله سلبيا للغاية و كأنه مؤازر لتصرفاتها ضمنا ، خجلت أن أقول له أن شقيقته كانت تحاول أن تبعد الأطفال عنا كلما جئنا لزيارتهم ؛ لقد انعقد لساني تماما ، و وجدتني أجيبه بتلك العبارة التقليدية : سأستشيرها ثم أستشير إخوتها ثم قد وعدته بأن نعطيه الجواب بعد أسبوعين ! "
كان فخر الدين قد عاد لتوه من عمله عندما كانت الجدة تروي لهم بهدوء ما دار خلال مقابلتها لعبد الباقي ، و لكن ما أن وصلت إلى العبارة الخاصة بطلب يد فخر النساء حتى هب فخر الدين واقفا و هو يقول بغضب شديد :
- كان عليك أن تطرديه ، فهذا طلب وقح ، هل نسيت ما فعله بالمرحومة يا أمي ؟
- أنا لم أعتد أن أطرد أحدا من بيتي ، ثم لا تنس أنه والد أحفادي الغوالي ، و لا تنس أنه كان إنسانا جيدا في مطلع حياته الزوجية مع المرحومة و الكل يعلم بـأنها كانت سعيدة معه في البداية و أن التغيير الذي حصل لا زال غير مفهوم بالنسبة لي على الأقل ، و إن كنت لا زلت أعتقد أن المرحومة كانت ضحية (السحر الأسود) و لديَّ إحساس كبير بأن صفاء و زهرة ابنتي حميها كانتا وراءه أو من مدبريه.
- أمي أرجوك ، لو كان هناك سحر أسود أو أبيض لرأيت الناس كلهم بين مريض أو مقعد أو مجنون ، فأسباب غضب الناس من بعضهم بعضا لا نهاية لها ، هناك حقد أسود و هو ما لمسناه من أخوي الأستاذ ، و هو أبعد أثرا من أي سحر ، و أعتقد أن ما فعلاه بسمير هو نتيجة حقدهما على المرحومة و ربما لشبهه بها تأثير مضاعف ، أما موقف الأستاذ السلبي من تصرفاتهما فهو سبب كاف لصده عنا .
- فخر الدين لا تنس أنه لجأ إلينا الآن لإنقاذ ابنه وأطفاله الآخرين ، فوالله لولا هذه الآلام (الرمتزما) التي تكاد تقعدني لما تأخرت لحظة عن رعايتهم هنا  في داري ، إنهم  ( حبايببي و من ريحة المرحومة ) و أجهشت بالبكاء .
و علق وديع و قد دمعت عيناه :
- دعيه يحضرهم إلينا و نحن جميعا نعاونك في رعايتهم .
فأجابته متهكمة :
- هذا كلام من فوق (الأساطيح ) أنت آخر من يمكن أن يتفوه به ، فأنت لا تتنازل أن تنقل الصحن الذي أكلت منه إلى المطبخ .
علق فخر الدين مستهجنا :
- كأني بك مقتنعة بطلبه ؟!
- أنني مشفقة على أحفادي ليس إلا .
- و ترضين أن تكون ابنتك شهيدة أخرى ؟ أنا أقول أنني غير موافق و أعتقد أن أخي رياض لا يمكن أن يوافق أيضا و كذلك جميع إخوتي الآخرين .
كانت فخر النساء قد وضعت كيس ثلج جديد على رأس سمير ثم التفتت نحو المتناقشين متسائلة باستغراب :
- و أنا صاحبة الشأن ، ألن يسألني أحد عن رأيي ؟ إنني في الخامسة و العشرين و من حقي الشرعي أن أكون صاحبة الرأي .
سأقول لكم رأيي بوضوح ؛ إنني من أجل عيون سمير و إخوته أقبل بأن أكون شهيدة ، و لكن قولوا له أن قبولي مرتبط بعدة شروط أولها أن تكون العصمة بيدي أما البقية فسوف أمليها عليه عندما أقابله شخصيا .
كان سمير يصغي إلى حوارهم بكل جوارحه و إذ أبلغتهم خالته فخر النسا بقرارها ضغط على يدها ثم جرها بضعف و لكن بإصرار نحو شفتيه و لثمها.
 

20
عهد جديد

 

     نجا سمير من الموت و كذلك من الإعاقة وكانت نجاته معجزة كما أكد ذلك الدكتور رشدي خلال آخر زيارة لعيادته ، و قد أدرك سمير و كل من يلوذ به أن تلك المعجزة حققتها خالته فخر النساء ، ولكن مشروع زواجها بأبيه لم يكتب له النجاح فقد عارضه أشقاؤها بشدة و خاصة منهم رياض و فخر الدين اللذان استطاعا إقناعها بأن شخصية الإنسان يصعب تغييرها وخاصة كلما تقدمت به السن ، و أن عبد الباقي سيظل ذلك المتناقض ، كثير الحسنات و لكنه كثير السيئات أيضا ، فهو لا يختلف كثيرا عن شقيقيه إلا من حيث الدرجة ، و مثل هذا الإنسان لن تقيده أية شروط .
و إذ نجا سمير من الإعاقة فإنه لم ينج من الرسوب ، إلا أن مرضه الطويل و الذي أقعده قرابة الشهرين عوّده على المطالعة ، فما أن بدأت بعض الأعراض كالحرارة و التقيؤ والدوار تزول عنه بالتدريج  ، حتى ابتدأ بقراءة روايات تملكها خالته ثم التفت إلى كتب خاله فخر الدين  الكثيرة  فتعرف  في تلك  الفترة  على  المنفلوطي و زيدان و طه  حسين و جبران  و غيرهم .
أما معضلة الأطفال فقد تم حلها على حساب الجدة ، فمع تماثل سمير للشفاء تمت خطوبة خالته لابن أحد قضاة محكمة دوما و تلاها عقد قرانهما ثم غادرت إلى عش الزوجية في مصر حيث يعد عريسها لدراسات عليا في جامعة القاهرة ، و بعد يومين اثنين من وداعها صحبت الجدة سمير و عادت به إلى بيته  في الوقت الذي غادرت فيه العمة زهره و تابعها حسام الدين .
كان الأستاذ قد أخلى البيت المجاور الذي يملكه من مستأجريه و أثثه لتقيم فيه الجدة و فتح بابا بين البيتين . فما أن يغادر بيته صباحا حتى تدخل الجدة لتقوم برعاية (الغوالي أولاد الغالية) . و بدأت من ثم الأمور تستقيم بالنسبة لسمير و إخوته . فسمير أصبح يقضي معظم يومه على ( الروشن ) يطالع كل كتاب يقع بين يديه .

    *****

   و في بعض الأمسيات كان يرافق والده إلى المكتب الذي تحولت ندواته المسائية إلى ندوات حربية .
فقد علقت على الجدار خارطة كبيرة لأوربا و حوض المتوسط و الجزء الأكبر من أفريقيا و أخذ الأصدقاء يتابعون عليها سير الحرب مستخدمين دبابيس علقت في أطرافها أعلام صغيرة تمثل الدول المتصارعة . و عندما قام رشيد عالي الكيلاني بانقلابه في العراق و طرد الملك والوصي على العرش ، أحضروا خريطة للعراق و أخذوا يتابعون عليها سير الأحداث فيها .
و كانت قصص بطولات الضباط و الجنود العراقيين تتناقلها الألسن و تحولها إلى أساطير .
دخل  رمزي ذات يوم إلى المكتب و قد بدا عليه التوتر و الغضب فبادره الأستاذ سائلا بشيء من القلق :
- خير ، ما الأمر يا رمزي ؟
- ألم تسمع أخبار الظهيرة ؟ لقد فعلها المجرمون !
- لم أفهم .
- لقد بدأ الهجوم البري على العراق من عدة جهات و بغداد تحت القصف البريطاني هذه اللحظة .
تساءل حقي  :
- و أين الدعم الألماني الموعود ؟
فرد عليه رؤوف  :
- ألم أقل لكم مرارا أن اعتمادنا على  الغير هو  أساس  بلائنا ، هاهم  الألمان  بيننا و معهم  فرنسيو( فيشي ) قولوا لي لمَِ لم يتحركوا حتى الآن لنجدته كما وعدوه ؟
- أعتقد أنهم يدخرون قوتهم لصد هجوم بريطاني فرنسي مرتقب على سورية .أجابه  رمزي فرد عليه راشد أفندي متسائلا ؟‎:
- بريطاني فرنسي ؟ فأجابه :
- فرنسا اليوم ثلاث فرنسات يا راشد أفندي ، فرنسا الفيشية ( أي جماعتنا ) و فرنسا المحايدة  و فرنسا  الأحرار ،  و هذه  الأخيرة  وضعت  نفسها  تحت  تصرف  الإنكليز  و حلفائهم .
- و العراق من ينجده ؟ تساءل حقي مقهورا . فأجابه  رمزي .
- أي عراق ؟ عراق العائلة المالكة أم عراق الثورة ؟
- ماذا تقصد ؟
-أقصد إن كان عراق الانقلاب أو الثورة فله الله ؛ أما إن كان عراق عبد الإله فابن عمه أرسل فيلقه العربي بقيادة ( أبو حنيك أي الميجر كلوب ) ليكون في مقدمة القوات المتحالفة المتجهة إلى بغداد . ألم أقل لكم ذات يوم أن هذا الجيش سوف يكون له دور رئيسي على ساحتنا العربية ؟
علق رؤوف  :
- نفس الغلطة تتكرر ، عرب يستنصرون الغرباء على إخوانهم العرب ، و النتيجة دوما أن الغرباء هم وحدهم المستفيدون !

*****
 

      و تتابعت الأحداث من ثم بسرعة مذهلة فقد تم القضاء على ثورة الكيلاني في العراق و فر هذا عن طريق حلب إلى برلين و عاد فيصل الثاني إلى قصره بحراسة الحراب البريطانية ، و ابتدأ من بعد هجوم الحلفاء المرتقب على سورية و لبنان لتصفية الجيب الفرنسي - الألماني المعادي كما كانت تصفه وسائل إعلامهم ، و اشتعلت (حوران) كلها من سفوح جبل الشيخ إلى سفوح جبل العرب بلهيب معركة ضروس لا ناقة لسورية فيها و لا جمل . و من نافذة غرفة النوم كان سمير يتابع وهج القنابل و كأنها وهج برق متواصل أو حريق غابات هائل يغطي الأفق الجنوبي كله ، ثم ابتدأت أصوات انفجاراتها المفزعة تقترب شيئا فشيئا .
و ذات ليلة صحا سمير على أصوات مجنزرات و عربات كثيرة مر بعضها من تحته و استطاع من موقعه على( الروشن ) أن يميز بأنها عربات عسكرية بينما كان أكثرها يمر في شارعين من وراء بستان الباشا  ، و ما أن بزغ الفجر حتى تأكد أنها عربات فرنسية من جميع الأصناف العسكرية من دبابات و مصفحات و ناقلات جنود و مقطورات مدافع من جميع العيارات و دراجات نارية ، و بغال محملة بالذخائر ، فأسرع  والده إلى المذياع ، و من إذاعة الشرق الأدنى علم أن الحلفاء باتوا على مشارف دمشق و أن ثمة معركة تدور رحاها حاليا في سهل (المزّة) المجاور لمدينة دمشق و أن قوات فيشي تنسحب بسرعة من المدينة باتجاه الشمال !
و عند الظهيرة قامت طائرة إنكليزية بطلعات بلهوانية فوق دمشق ثم اقتربت كثيرا من سطح الأرض و بدأت تلقي منشورات مختلفة بعضها يكيل الوعود باستقلال الجمهورية السورية التام و بدون قيد أو شرط و بعضها الآخر تحذيري ، ينبه الناس و خاصة الأفراد شبه العسكريين كالشرطة و الدرك و الحراس الليليين إلى ضرورة وضع إشارة الاستسلام البيضاء على أذرعهم و امتناعهم عن حمل أي نوع من السلاح و كذلك ضرورة رفع الأعلام البيضاء فوق المباني الحكومية و شبه الحكومية .
وفي اليوم التالي وقف سمير مع والده عند مدخل سوق (الحميدية) يشاهدان معا طلائع قوات الجيش الثامن من جيوش الحلفاء ، كان الأستراليون في المقدمة و تبعهم الفرنسيون الأحرار بأعلامهم ذات الصلبان المزدوجة ( صليب اللورين ) ثم الإنكليز فالهنود السيخ و الهندوس ثم الهنود المسلمون و أ
خيرا كتيبة من فرقة (ها ملباخ) اليهودية ، كان والده يتعرف عليهم من ملابسهم و عَمْراتهم أو خوذهم.
واحتشدت الألوف لمشاهدتهم على طول شارع جمال باشا الذي تغير اسمه إلى شارع النصر تيمنا بهذا الحدث ، ثم أخذ الناس يهتفون لهم فالاستقلال و الحرية باتا وشيكين كما وعدوا !
وذات يوم ارتدى الأستاذ و ابنه سمير أفضل ما لديهما من ثياب و توجها إلى السراي لحضور حفل تنصيب الشيخ تاج الدين الحسيني رئيسا للجمهورية ، و استطاع من موقعه على إحدى شرفات السراي أن يشاهد الرئيس المعين و إلى يمينه (الجنرال دوبرغاد :كوليه ) الذي ألقى خطابه نيابة عن (الجنرال كاترو) المسؤول عن شؤون المشرق معلنا استقلال سورية و مقدما إلى الشعب الرئيس تاج الدين الحسيني الذي اختارته فرنسا الحرة ، فرنسا الحقيقية ووضعت ثقتها فيه بسبب ماضيه النقي و عقليته المتفتحة و مركزه الديني و عائلته الشريفة ، إضافة لتفهمه العميق لأوضاع سورية و إدراكه لما يسود العالم من أحوال مضطربة و ما يتطلبه ذلك من جهود مشتركة صادقة ليعود عالمنا حرا ترفرف عليه حمامة السلام ، و اختتم كلمته بقوله : أيها السادة أقدم إليكم رئيس الجمهورية السورية الحرة المستقلة تاج الدين الحسيني. و انفجرت عاصفة من التصفيق و طلقات الرصاص هدأها الرئيس بصعوبة ليلقي من بعد خطابا طويلا يشرح فيه برنامج عمله المرتكز على تحسين أوضاع الفقراء ؛ و صدحت من ثم حناجر الألوف المحتشدة على جانبي ضفة بردى بالنشيد السوري ( حماة الديار عليكم سلام ) .


21
أم شفيق

  

     عادت العمة ( عيّوش أو أم شفيق ) إلى دمشق مع أفراد أسرتها بعد أن قضت العقدين الماضيين متنقلة بين مدن المحافظات السورية المختلفة ، فقد  رقي  زوجها مؤخرا إلى رتبة ( كابتن ) في سلك الدرك و تسلم مسؤولية رئيسية في مركز القيادة الواقعة في قلعة دمشق . و سكنت الأسرة في أحد فروع ( سوق صاروجة ) المطل من طرفه الآخر على شارع الملك فؤاد الأول . و كان لعودة عمته هذه عدة إيجابيات انعكست آثارها على ( عيلة الأستاذ ) أولها عودة الصلة بين سمير و بين ابنها شفيق و التي تحولت بسرعة إلى صداقة حميمة ، فقد كان سمير محروما من الأصدقاء ، و ثانيها أن عمته هذه كانت سيدة طيبة القلب و مسالمة إلى أبعد حد ، تحب كل الناس و لا ترى أي مبرر للكراهية بينهم ، فمنذ اللحظة الأولى أقامت جسور الود مع إخوتها جميعا ثم استطاعت خلال أقل من شهر واحد أن تصلح ذات البين بين الأستاذ و أخويه زهره و حسام الدين ؛ أما الإيجابية  الثالثة  فهي حلها لمعضلة ( عيلة الأستاذ ) .
فإنه على الرغم من وجود خادمتين إحداهما مقيمة و الأخرى ( لفّاية ) فإن الجدة ظلت تشعر بأن العبء أثقل من إمكانياتها فقد تفاقمت مشكلة مفاصلها و أصبحت تشعر بالألم و الإرهاق لدى أتفه مجهود و حتى عندما كانت تقص حكاياتها للأطفال فإنها سرعان ما كانت تتعب و تلهث و تضطر للتوقف عن السرد مرارا ؛ ثم أخذت تمهد لعودتها إلى بيتها في الريف مؤكدة لوالده بأن سميرة أصبحت صبية و بمقدورها رعاية إخوتها .
و جاء الحل  ببساطة  فقد  تنازلت  أم  شفيق  عن  مربية  أطفالها  أم  حسين  و هي  أرملة ( مقطوعة ) في الخمسينيات من العمر من إحدى قرى الشمال ،وصفتها بأنها إنسانة بسيطة  و لكن  يمكن  الاعتماد عليها   فقد  ظلت  مستمرة  في  خدمة  العائلة  منذ  ولادة بكرها  شفيق .
كان سمير يتردد على بيت عمته (عائشة) الملقبة  بعيوش أو أم شفيق ، كلما سنحت له فرصة عطلة أو عيد ؛ فيقضي مع أولادها سحابة يومه بين حديث و لعب أو جلوس بجوار نافذة الطابق الثاني و تأمل  حركة المرور غير العادية التي يسببها مرور القوافل العسكرية محملة بجنود الحلفاء أو لوازمهم . كانت الدار ملاصقة تماما لخط الترام المتجه إلى (الصالحية) أو (المهاجرين ) و من خلف الشارع بنى الفرنسيون ثكنة عسكرية على أرض مترامية الأطراف شملت عدة مبان تتضمن مكاتب و مستشفى و مهاجع للجنود طليت كلها من الخارج باللون الأصفر و تخللتها شوارع و ممرات فكان ثلاثتهم يلهون بمحاولة تخمين عدد الجنود المرابطين فيها أو عدد العربات التي تدخل إليها أو تخرج منها ، و عندما كان بوق تحية العلم يضرب ، كانوا يهرعون إلى النافذة للفرجة، حيث تقف ثلة من الجنود يحركون بنادقهم وفق إيعازات قائدهم ثم مع عزف خاص تقوم به فرقة موسيقية صغيرة مكونة من بوقين و طبل واحد ثم يبدأ إنزال العلمين علم  فرنسا الحرة مثلث  الشكل  يتوسطه  صليب ( اللورين ) المزدوج و علم فرنسا الأصلي .أما إذا دعي للنوم في بيت عمته فإن متعته الكبرى تصبح مشاهدة جنود الحلفاء السكارى و هم يتصايحون أو يغنون أو يتقاتلون ، و كان أكثرهم شراسة الجنود الأستراليون بقبعاتهم العريضة ، و الذين كانوا يستخدمون قبضاتهم لأتفه الأسباب ؛ ذلك أن ضفة بردى المقابلة للسراي و منطقة جسر (فكتوريا ) المجاورة تحولت إلى بؤرة للخمارات والملاهي يملؤها جنود الحلفاء حتى إذا تعتههم السكر انتشروا في الشوارع  و الحواري يصخبون ؛ و الطامّة الكبرى إذا تصادف مرور امرأة في الشارع  فإنهم  يلاحقونها  و هم يصيحون ( فاتيما فاتيما ) أو ( حريم .. حريم ) بل  أن  بعضهم  أخذوا  يتجرؤون  فيدخلون الحواري المجاورة  في  بحثهم  المتواصل  عن ( فاتيما أو حريم ) مما فجر عدة مصادمات بين المواطنين و هؤلاء السكارى كان بعضها دمويا ؛ مما أخاف الناس و جعلهم يلجؤون إلى بيوتهم قبل غياب الشمس .
أما إذا ما تجاوز الجنود السكارى حدودهم فإن الشرطة العسكرية كانت تتدخل لردعهم فيتحول الشارع إلى ساحة ملاكمة تنتهي غالبا باستخدام الهراوات و باعتقال بعضهم .
و كثيرا ما كانت الفرق الموسيقية العسكرية تمر من الشارع ، فمع تعدد جنسيات العسكر تعددت المناسبات ، إلا أن أفضلها كانت موسيقا القرب التي كانت تهز سمير طربا و خاصة بإيقاعاتها المثيرة ، وكان أكثر ما  يلفت  نظره فيها ملابس أفرادها غريبة الطراز المؤلفة من ( تنانير )   و قمصان   ملونة   و قبعات   مزينة   بالريش   و كان   الناس   يطلقون   عليهم  ( السكوتش ) .

*****

      و من سطح بيت عمته أم شفيق شهد سمير موكب جنازة رئيس الجمهورية الذي شهد حفل تنصيبه قبل سنتين ؛ و قد حشر معه على السطح غير إخوته و أولاد عمته عشرات النسوة و الأطفال من الأقارب و المعارف حتى أنه ناء بحمله فكان يهتز مع كل حركة كبير أو قفزة صغير ، و كذلك حشرت عشرات النساء و الأطفال على الأسطح المجاورة ، و تركزت عيون الجميع نحو بوابة (الصالحية) التي سيأتي منها الموكب .
أنغام حزينة تقترب و تتعالى رويدا رويدا ، فثمة فرقة موسيقية تعزف اللحن الجنائزي المعروف . يتبعها آلاف من أكاليل الزهور يحملها أفراد من الكشافة فتيانا و فتيات أو جنود يمثلون الكلية العسكرية السورية والكتيبة السورية الخاصة و الهجانة و الجركس بملابسهم المميزة ، و قد نكسوا جميعهم بنادقهم و أحنوا رؤوسهم وساروا بخطوات رتيبة و منسجمة و كأنها خطوة رجل واحد ، و تبعهم رجال الدرك و الشرطة و المطافئ ، ثم وحدات رمزية تمثل جيوش الحلفاء ؛ ثم جاء دور رجال الدين من جميع الملل و المذاهب ، كان في مقدمتهم حاخامات اليهود حاملين بساط الرحمة ، ثم القساوسة الأرثودكس فالكاثوليك فاللاتين ، كل ترتل ترتيلاتها الدينية الخاصة بها ، و تبعهم من ثم فرقة المولوية الصوفية تميز دراويشها بطرابيشهم المخروطية الطويلة الصفراء و الذين كانوا يدمدمون ببعض أدعيتهم و بين حين وآخر يتوقفون ملتفتين نحو النعش مرددين بنغمة خاصة ( الله الله الله ) ثم يستأنفون سيرهم ؛ ثم تبعهم مقرئو القرآن الذين أخذوا يتناوبون التلاوة .
و ظهرت عربة المدفع التي سجي عليها النعش ملفوفا بالعلم السوري الذي انبثقت منه شرائط بألوانه الخضراء و الحمراء و السوداء و البيضاء و قد أمسك بطرف كل منها ضابط يمثل واحدة من الفئات العسكرية المختلفة ؛ و ما أن ظهر النعش حتى أخذت النساء يولولن و يصفعن وجوههن أو ينفلن شعورهن  و انتابت بعضهن تشنجات هستيرية اضطرت أخريات لإسعافهن و رش وجوههن بالماء و صرخ الأطفال رعبا مما يشاهدون من حولهم ، ثم خف العويل تدريجيا مع ابتعاد النعش .
و سار وراء النعش من ثم كبار الشخصيات و المسؤولين الوطنيين و الأجانب و في مقدمتهم المفوض السامي الفرنسي و الجنرال (كوليه) قائد قوات فرنسا الحرة في المشرق و الجنرال (سبيرس) القائد البريطاني و ممثل التاج  في سورية ، إضافة إلى الوزراء و المديرين و المحافظين ، ثم زعماء الأحياء و أعضاء النقابات و آلاف غيرهم أتوا من مختلف المحافظات . كانوا يسيرون في مجموعات  يهتف قسم  صغير منهم  بعبارة  ( لا اله إلا الله ) فيرد الآخرون  جميعا ( و الشهيد حبيب الله ) .
و استطاع سمير أن يميز والده و أصدقاءه خالد و حقي و رؤوف من بين وفد نقابة المحامين و كذلك ميزته كل من سميرة و سمر فأخذتا تناديانه : "بابا بابا "و تلوحان بأيديهما ، و لكنه لم ينتبه إليهما فقد كان مستغرقا مع أصدقائه في حديث طويل ربما بطول الجنازة كلها .
كان مأتما مهيبا استمر ساعتين أو نيف ، و ظل موضوع تفكير سمير لبضع سنوات تالية . علام يدل و إلام يشير ؟ ترى إلى استغراق في العواطف بعيدا عن المنطق ، أم إلى نوع من الهستريا الوبائية كما أسماها الأستاذ رمزي فيما بعد ؟! هذا الرجل الذي صنعه الجنرالات الفرنسيون كيف لقي مثل هذا التكريم الرسمي و الشعبي غير العادي و الذي بلغ حد التقديس؟ و بأي منطق ذرفت في وداعه أنهار الدموع ؟ و كيف اعتبروه شهيدا و قد مات على فراش المرض ؟ هل كان رغيفه المسمى خبز الفقير محرك كل هذه العواطف الجياشة ؟ أم زياراته المتكررة  لمخاتير الأحياء  و وجهائها من مختلف العقائد و الانتماءات ، أم  رخص  الاستيراد ( الكوتا ) التي أغنت بضعة عشر تاجرا  و حسنت أوضاع بضع مائة آخرين ؛ هل كان الشيخ تاج الدين الحسيني رجل سلام حقيقي كما وصفته أجهزة إعلام الحلفاء ، أم كان ممثلا بارعا ؟!
 

*****

     و مع تكرار زيارة سمير لبيت عمته بدأت شفيقة تلفت نظره كان محظورا عليها مشاركتهم اللعب و لكن لم يمنعها أحد من مشاركتهم الفرجة أو الحديث و كثيرا ما كانت تضبطه وهو يسترق  إليها  النظر فيحمر  وجهه خجلا أو يضبطها و هي تسترق إليه النظر فترتعش استحياء .
و تصادف ذات يوم أن جلست شفيقة إلى جواره ، و كان ثمة موكب ليلي لإحياء ذكرى سقوط قلعة (الباستيل)  أيام الثورة الفرنسية ؛ كان الموكب طويلا شاركت فيه عدة فرق موسيقية إضافة إلى الخيالة و حملة المشاعل ، و عندما شعر سمير بقشعريرة سمحت له شفيقة بمشاركتها شالها ، و تحت الشال تعرف للمرة الأولى في حياته على الحب .
و اشتعلت بينهما من ثم نار المراهقة ، فكثرت زياراته لبيت عمته ، فكانت شفيقة تتبعه كظله و كان سمير يلاحقها بعينيه أينما اتجهت و لم يعد مهتما باللعب أو الحديث مع ابن عمته بقدر اهتمامه بمتابعة حركات و تحركات شفيقة .
و ذات يوم فاجأته شقيقته سمر بأن دست في جيبه رسالة ، قرأها بسرعة ، و إذا بها من شفيقة ، فهي زميلة لشقيقاته في المدرسة و يبدو أنها على علاقة حميمة بسمر و هكذا أصبحت شقيقته سمر رسولة المحبين .
كانت شفيقة تسكب في رسائلها ما حفظته من أدبيات و أشعار مدرسية دونما تنسيق أو تسلسل منطقي ، و كم ضحك عندما أقحمت ذات مرة قصيدة للخنساء تقول في مطلعها :
قذى في عينيك أم في العين عوار
أم ذرفت من بعد أهلها الدار
و في رسالة أخرى كتبت :
سلامي  المعطر  بياسمين  الشام ، و فل  مصر  و  زنبق  لبنان  و شقائق النعمان  في حقول  الفول في مكان ؟!
وفي رسالة أخرى كتبت :
شوقي إليك الذي ليس له أول و لا آخر يتسلط عليّ تسلط عدو على أرض قلبي (!)
و في رسالة ثالثة كتبت :
عيوني بودها تشوف الحبيب الذي اشتاقت إليه بعد طول الغياب كاشتياق الزهور إلى الندى و العصافير إلى حبات القمح و الحمامة إلى صقر أحلامها (؟!)
و في رسالة أخرى كتبت :
أشتاق إليك اشتياق الأرض اليابسة إلى المطر و البرق الخاطف للأبصار إلى الرعد المرعب ، و الأعاصير إلى أمواج البحر ، و الناموس إلى ضوء الفانوس (؟!) و الهدروجين إلى الأكسيجين !
أما سمير الذي بدأ يبرز في كتابة مواضيع الإنشاء التي قرظها مدرس اللغة العربية أكثر من مرة و طلب منه تلاوتها أمام زملائه في الصف ، فكانت رسائله ذات مسحة أدبية جميلة لم يحاول فيها التكلف أو المبالغة ؛ كتب لها في إحدى رسائله أولى محاولته الشعرية و فق أسلوب (الشعنثة) التي اعترف بها الأستاذ سامي مدرس اللغة العربية كجنس أدبي مقبول و أسماه بالشعر المنثور، هذا الجنس الذي طالما سمع الأستاذ رمزي صديق والده يقرض فيه فتأثر به ، كتب في مطلع الرسالة :

هل تذكرين ؟
يا عقد الفل و طوق الياسمين
حين غطانا شالك الحرير
فانكشف سرنا الأثير
و حبنا الكبير الكبير

    
لم يدم هذا الحب طويلا ، فقد تنبهت ذات يوم سميرة إلى الأسرار التي يتهامس بها سمير و سمر و الرسائل التي يتبادلانها فأجبرت شقيقتها تحت التهديد بإبلاغ الوالد أن تسلمها إحداها فما أن قرأتها حتى أبلغت أم حسين  و هذه  بدورها أبلغت ( ستها أم شفيق ) و سلمتها  إحدى  رسائل ابنتها الغرامية ؛ و لكن رد فعل أم شفيق كان هادئا فابتدأت بالتنقيب بين أغراض ابنتها حتى عثرت على مجموعة رسائل سمير الملتهبة موزعة بإتقان بين أوراق أحد كتبها القديمة و مع كل رسالة وضعت زهرة مجففة لتبقيها معطرة ؛ ثم واجهتها بتلك الرسائل و اكتفت بهذا الإحراج كعقاب ، ثم أنذرتها أنها ستحتفظ بالمجموعة في صندوقها ، و وعدتها بأنها لن تطلع والدها عليها إلا إذا اضطرت ، ثم لقنتها درسا في الأخلاق و ما يترتب على العلاقات غير الناضجة من نتائج ؛ و لم تطرد سمير أو توبخه بل اكتفت بمراقبته عن كثب . و لم تعد سمر ترضى بدور وسيط الغرام خوفا من أن يصل الموضوع إلى والدها ؛ و عندما وجد سمير فرصة ليخاطب شفيقة ، لاحظ أنها كانت متحفظة معه إلى أبعد الحدود . و هكذا تبخر الحب فوق أول شرارة خوف ؛ أو هكذا ظن .
 

22
دورة  ثانية

      تقدم سمير لامتحان شهادة ( البروفيه ) التي سميت فيما بعد شهادة الكفاءة  ، و في انتظار النتيجة أخذ يتردد على المكتبة الظاهرية في حي باب البريد و أخذ يقرأ بشغف الروايات المترجمة من اللغات الفرنسية و الروسية و الإنكليزية إضافة إلى الروايات و القصص العربية ، كما عاد يتردد على مكتب والده من حين لآخر الذي نشطت ندواته المسائية مع حلول الصيف مع بعض التوسع ، فقد انضم إليها ابن عمة أبيه  العائد من فلسطين بعد غياب ما يربو على العشرين حولا و أخذ يتردد عليها أيضا الكابتن أبو شفيق زوج عمته عائشة و كذلك عمه حسام الدين إلا أن الشيخ خالد  كف عن ذلك بسبب  نقله إلى حلب ليتسلم مركزا قضائيا رفيعا هناك .
كان الحديث يدور في الغالب عن الحرب و أحداثها المتسارعة و التخمينات حول نتائجها و أحوال البلد و البلدان المجاورة .
كان  رمزي كعادته يزود الأصدقاء بما لديه من معلومات جديدة ، ثم يبدؤون بمناقشتها، ، و كثيرا ما كانت المناقشة تحتدم فتعلو الأصوات و تحمر الوجوه و ترتعش الشفاه فيتوجس سمير خيفة من أن تتحول إلى شجار فراشد أفندي و عمّو سعيد و الأستاذ رؤوف  و عمّو حسام الدين كانوا في معسكر المحور بينما كان الأستاذ رمزي و الأستاذ حقي  و عمّو أبو شفيق في معسكر الحلفاء ، أما الأستاذ فكان كعادته  طورا مع هؤلاء و حينا مع اؤلئك وفق ما يراه أنه الحق ، و كان السؤال الذي يطرح نفسه دائما : " ماذا يربح العرب إذا انتصر هذا الجانب أو ذاك ؟". أما سمير فكان يشعر في قرارة نفسه أن كل هذه المناقشات سخيفة و لا جدوى منها و أن العرب لن يستفيدوا من انتصار أي من الطرفين طالما ظلوا مجرد توابع ، و لكنه لم يجرؤ يوما على إبداء رأيه بسبب خجله من مواجهة الكبار و لأن الكبار أنفسهم اعتادوا ألا يسمحوا للصغار بإبداء آرائهم .
و كانت أكثر أخبار الحرب إثارة استعداد الألمان بقيادة ( رومل ) لاجتياح مصر بينما بدؤوا فعلا باكتساح الاتحاد السوفييتي ، أما اليابان طرف المحور الآخر فقد اقتربت جيوشها من الوصول إلى حدود الهند مستعمرة التاج البريطاني الرئيسة .
وعلى الصعيد الداخلي فقد اضطر ( الديغوليون ) تحت ضغط الإنكليز للسماح بإجراء انتخابات برلمانية في سورية و لبنان  و ما ترتب عليها من انتخاب رئيس للجمهورية و حكومة وطنية في كل منهما .
و كانت أكثر أحاديث سعيد أفندي تدور عن الأحوال في فلسطين فأكد أن الإنكليز يفعلون ما بوسعهم لتقوية اليهود و إضعاف العرب بسلاحين فعالين سلاح الفرقة و سلاح الضرائب ؛ و ضرب مثلا بمدينتين فلسطينيتين متجاورتين هما يافا و تل أبيب فالثانية عبارة عن مدينة أوربية بكل معنى الكلمة و كل ما فيها يهودي من أصغر تاجر إلى العمدة فكأنها دولة ضمن دولة ، أما يافا فلا زالت مدينة فقيرة مهملة و لا يحكمها عرب فمعظم موظفيها إنكليز أو يهود .

 أما عن الهجرة اليهودية إلى فلسطين فهي مستمرة بشكل مخيف و خاصة بعد المجازر الأخيرة التي تعرضوا لها في أوربا و أنهم- أي الإنكليز - حددوا علنا عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين بسبعمائة و خمسين ألفاً سنويا ، في حين أن أضعاف أضعاف ذلك العدد يتسرب كل يوم عن طريق الساحل الممتد من الإسكندريون شمالا إلى العريش جنوبا و يتم تهريبهم إلى فلسطين بمساعدة جماعات متخصصة و التي تعلم السلطات الفرنسية و الإنكليزية بها و تغض البصر عنها ؛ و أضاف أيضا أنه في كل يوم تبرز في فلسطين مستوطنة جديدة بينما عيون الفلسطينيين بصيرة و أيديهم قصيرة .
و علم سمير في تلك السنة للمرة الأولى أن عمّو سعيد أفندي وعمّو أبو شفيق من الأبطال الوطنيين الحقيقيين ، الأول من أبطال الثورة السورية فهو الذي تحدث عنه خاله رياض في إحدى مشاجراته مع أبيه فقد وقع في الأسر و عذب و أهين و كاد يموت في سجن انفرادي من الصفيح تحت شمس آب (اللهاب) لولا أن تعرف عليه بحكم عمله مع الفرنسيين فأبلغ والده الذي سعى للإفراج عنه و نجح .
أما أبو شفيق فقد كان والده من أبطال و شهداء ميسلون أما هو فكان (دركيا) عاديا و صار بطلا بالصدفة فبينما كان في دورية روتينية شاهد مجموعة من الجنود المرتزقة من توابع  القوات الفرنسية  تقتحم  بيتا بحجة البحث عن الثوار ،  و إذ سمع صيحات النساء دخل المنزل وراءهم فشاهد الجنود و هم يلاحقون نساء البيت في محاولة لاغتصابهن فصوب بندقيته على أحدهم فأ‎رداه ثم لاذ بالفرار ، و بالتعاون مع رئيسه استطاع الخلاص من الموقف ( كخلاص الشعرة من العجين ) .

 

*****

        و في إحدى أمسيات شهر تموز أحضر الأستاذ رمزي نتائج (البروفيه) شهادة الكفاءة المتوسطة ، التي ستنشر في اليوم التالي في جريدته ، و تبين بعد مراجعتها أن لدى سمير دور ثان في مادة الرياضيات .
و هنا التفت الأستاذ إلى أخيه حسام الدين قائلا :
" هذه مهمتك يا أخي مع هذا الحمار ."
صعق سمير لهول المفاجأة و أخذ يتصبب عرقا ثم نهض على حين غرة و لاذ بالفرار أمام ذهول الحاضرين ، و لجأ فورا إلى بيت عمته أم شفيق .
جلس سمير في إحدى زوايا غرفة الضيوف صامتا إلا أن القلق و الخوف كانا باديين عليه ، و بصعوبة و بفم مرتعش قص على شفيق كيف أهانه والده أمام جميع أصدقائه و كيف كلف عمه الذي كاد يودي بحياته ذات يوم ، بتدريسه الرياضيات استعدادا للدور الثاني ، و أضاف مؤكدا :
- لن أدع عمي يدرّسني حتى لو باشر أبي بقطع رأسي ؛  و عندما استدعى شفيق أمه كشف سمير عن خاصرته و أراها واحدة من الآثار التي خلفتها عصا عمه على جسده و التي لا زالت واضحة رغم مرور عدة سنوات ، قامت العمة فقبلته ثم طمأنته بأنها سوف تدافع عنه و تعالج الموضوع .
بعد أقل من ساعة حضر والده برفقة ( عمّو أبو شفيق ) ، و ما أن رأى ابنه في الصالة حتى رفع يده يود صفعه ،  فأمسكها أبو شفيق قبيل وصولها إلى خده ، فاندفع سمير إلى الدخل دامعا و تبعه ابن عمته و جلسا في غرفة مجاورة ثم ما لبثت شفيقة بعد أن قدمت القهوة أن جلست إلى جوارهما دون أن تتمكن من إخفاء قلقها على سمير .
كان الصوت يصل إليهم عبر الصالة ، غالبا بوضوح فاستمعوا إلى حوار الكبار التالي :
أبو شفيق :- ابنك صار شابا يا أستاذ و لا يجوز أن تعامله بهذه الطريقة .
الأستاذ :- صحيح ، يكاد أن يكون طولي و لكن عقله كعقل عصفور .
أبو شفيق :- أنا أعتبره ناجحا و لو كنت مكانك لهنأته بدل إهانته و نعته بالحمار أمام كل أصحابك ، عندما ينجح الطالب بسبعة مواد و يرسب بالثامنة فهو ناجح يا أستاذ ( بسلامة عرفك !) و الضعف بمادة واحدة لا يعيبه و يمكن علاجه ببضعة دروس خصوصية .
الأستاذ :- و هذا ما أردته ، ألم أكلف حسام الدين بذلك أمامك ؟
أبو  شفيق :- علاقة  الولد  بعمه  ليست  جيدة  يا  أستاذ ، بسلامة نظرك ، ألم  تلاحظ  كيف ( انخطف لونه ) ؟
أم شفيق :- اسمع يا عبد الباقي ، أنت تظلم سمير و تعامله كطفل و هذا لا يجوز و يقول المثل ( إن كبر ابنك  خاويه ) .
الأستاذ :-المقصود إن كبر عقله و ليس جسمه ، صار مثل ( ثور ببيلا ) و لا يزال يتصرف كالصغار ، ألم يكن تصرفه هذا المساء طفوليًا يا صهري ؟ كنت في المكتب و شهدت بنفسك سلوكه المخزي .
أبو شفيق :- لا مخزي ( و لا ما يحزنون ) أنت تجسم الأمر فالولد كان محرجا و خائفا ؛ و للحقيقة المجردة أقول بأن ما سمعته عن تجاربه مع عمه لا تسر القلب و لا الخاطر .
أم شفيق :- يا أخي ؛ دخلك و الحمد لله أحسن دخل في (العيلة) و بإمكانك أن تكلف أحسن مدرس في البلد بتدريسه ؛ عبد الباقي ! ، لا تبخل على بكرك فهو ثروتك الحقيقية .
الأستاذ :- أي مدرس لن يكون أمهر من أخيك حسام الدين ، لقد كان ينال الدرجات التامة في الرياضيات طيلة حياته المدرسية و أنت تعلمين ذلك جيدا .
أم شفيق :- أعلم أنه عبقري في الرياضيات  و أعلم أنه لم يستفد من عبقريته هذه و أنا أعتبره إنسان فاشل و مغرور ، ضيع مواهبه بلعب النرد و الورق ، و هو فاشل أيضا في نقل عبقريته لغيره بسبب عصبيته و قلة صبره ، التعليم يحتاج إلى ( طولة بال) ، لقد شاهدت آثار عصي أخيك على جسد ابنك النحيل و هذا حرام .. حرام .. حرام !.
و إذ أفحمته شقيقته قرر الرحيل و طلب استدعاء سمير فأجابته أم شفيق :
- أريد منك قبل أن أناديه أن تقسم على المصحف أمامنا هذه اللحظة ، بأنك لن تمد يدك عليه لا الآن و لا بعد الآن ، و أن تحترم رجولته منذ الآن فصاعداً ، و أن تدبر له مدرسا خاصا ، على ألا  يكون بالتأكيد شقيقك حسام الدين .
فرد عليها ببعض الاستياء :
- أنت (مطمعتيه كتير يا عيّوش ) و هذا ليس من صالحه ؟
- ألأني أقول كلمة الحق تتهمني بتطميعه ؟ نعم  سيدي  ( أنا مطمعته و  بودي أعمله  صهري  إن عجبك ) فأجابها ساخرا :
- (خلّيه) عندك إذاً و تهني به !
سمع العبارة جميع من في الداخل بوضوح فاشتبكت عيون سمير و شفيقة على الفور فاحمر وجهه و أخذ قلبه يضرب بشدة كضربات طبول أفريقية في يوم نفير ، و احمر وجهها فسترته بكلتي يديها ثم فرت إلى المطبخ . و انتبه إليهما شفيق فأخذ يضحك و يضحك حتى دمعت عيناه و( قلب على قفاه ) .

 

23
وداعا أيها الخجل

 

    بقدر ما كان الناس منشغلين في البحث عن لقمة العيش في ظروف الحرب القاسية فإنهم كانوا مهتمين بمتابعة أحداثها و مفاجآتها المتكررة ، كانتحار الأسطول الفرنسي في موانئ المتوسط ، وهزيمة ( رومل ) في العلمين على الحدود المصرية الليبية و التي أثارت الدهشة وخيبة الأمل لدى الكثيرين(؟!) ثم غزو ( صقليا ) ثم معركة إيطاليا و انقلاب الشيوعيين الإيطاليين على (موسليني) و سجنه ، ثم عملية إنقاذه المذهلة ، ثم معارك (ستالينغراد) الأسطورية ؛ وظلت خارطة العالم معلقة على جدار المكتب الذي استمر كمنتدى لمجموعة أصدقاء الأستاذ و الذين استمروا يناقشون قضايا الوطن  و العالم . و يتابعون أنباء الحرب و تراجع أعلام الألمان عليها و التي استمرت تتراجع حتى بقيت علما واحدا فوق مدينة برلين ؛ ثم .. استسلم من تبقى من جنرالات الألمان ؛ عندئذ فقط اقتلعت الخارطة من فوق الجدار و مزقت .

*****
 

     اقترب سمير ذات يوم من الأستاذ رمزي و سأله بصوت خافت بعد تردد :
- إني مهتم بالشعر المنثور الذي تسمونه (شعنثة) و لم أجد أي مصدر في المكتبة الظاهرية تحت هذا العنوان  فهل  لكم أن  تدلوني على بعض المصادر أو إذا  أمكن أن  تعيروني مجموعتكم والتي سأردها في أقصر وقت ممكن .
تلك كانت المرة الأولى التي يتجرأ فيها سمير فيخاطب أحد أصدقاء أبيه ، فابتسم الأستاذ رمزي مشجعا و قال له بود كبير :
- قبل كل شيء أريد أن أنبهك  بأنك  لست في المدرسة فلا  داع  لمخاطبتي بصيغة الجمع ، الأمر الثاني أنني ألاحظ من فترة طويلة خجلك و إحجامك عن المشاركة في أي نقاش و كأنك ( مضبوع أو مأخوذ ) و لا يمكن لك أن تتصور مقدار سروري لكونك تتحدث إليّ الآن ،  فلعلك قد بدأت في محاولة قهره ، أقصد الخجل طبعا ، أما عن موضوع سؤالك فأنا مستعد أن أعيرك مجموعتي و لكن قبل ذلك أريد معرفة سر اهتمامك بهذا الجنس الأدبي الذي لم يتقبله أو يعترف به إلا القلة و منهم إخوان الصفا هؤلاء ، و أشار إلى الحضور .
بعد مجهود شاق و تنحنح و ارتباك لملم سمير شجاعته ثم أجابه بكلمات متلعثمة :
- الناس في العادة ينفرون من أي جديد إلا أن أستاذ اللغة العربية تحدث عنه كجنس أدبي محدث و لم يرفضه ، ثم إنني أحببت الشعنثة منذ سمعتها للمرة الأولى من فمك يا أستاذ رمزي  ، ففيها يسر  و انسياب  لا  أجده  في  الشعر التقليدي ، و إنني  أحاول  أن  أتشعنث مثلك .
ضحك الأستاذ رمزي حتى اللهاة و هو يجيبه :
- هذه التسمية من ابتداع الجماعة هنا ، فلو قلتها أمام غريب لسخر مني و منك ، هذا من جهة و من جهة أخرى فإنه يسرني أن أستمع إلى تقييمك لهذا النوع فهو تقييم يشير إلى ميول أدبية واضحة و سعة اطلاع في هذا المجال ، هل لك أن تريني بعض محاولاتك ، هل لديك الآن شيء منها ؟
فأخرج سمير ورقة مطوية من جيبه و أعطاها للأستاذ رمزي بيد مرتعشة ، و كم كانت مفاجأة سمير كبيرة و سارة حين قال له بعد أن قرأها بإمعان :
" رائع رائع يا سمير "  ثم التفت نحو الأستاذ قائلا كمن يزف بشرى : " ابنك شاعر يا أستاذ و نحن لا ندري ! "  ففغر الأستاذ  فاه  ثم نطق بكلمة واحدة ممزوجة بالدهشة :
" نعم ؟! "
فأجابه  بلهجة  توكيدية 
" نعم ! أنا لا أمزح ، و سوف أنشر قصيدته غدا أو بعد غد  في الجريدة . "
قال الأستاذ بلهفة :
" أرني " و مد يده بطولها ، و لكن الأستاذ رمزي اعترض قائلا :" بل سيلقيها علينا سمير بنفسه "؛ و هنا أرتج على سمير و تصبب عرقا و أحس أن الأرض مادت به ؛ إلا أن الأستاذ رمزي ظل يشجعه ثم شاركه بالتشجيع راشد أفندي ثم والده بذاته ، و هنا أمسك سمير الورقة بيد مرتجفة و أخذ يتلو شعنوثته :
لهب لهب لهب
يسري في عروقي اللهب
ينبثق من جلدي اللهب
يلفحني
يكويني
يؤرقني

---
فالعشق لهب
و البعد لهب
و الشوق لهب
لهب يدوخني
يفقدني اتزاني
يقلب كياني
بيد أنيّ

سأبقى
عاشق اللهب
حتى لو أحرقني
أو حتى 
لو  ذوّبني
أو  أنهاني


و فوجئ سمير بالأكف تلتهب بالتصفيق و بتعليق راشد أفندي :
- ابنك ليس شاعرا و حسب يا أستاذ أبو سمير،  بل هو أيضا عاشق مولَّه ! ثم انفجر ضاحكا فأضحك الحضور ؛ أما سمير فقد انسحب إلى غرفة الانتظار يراجع الحدث بين جزل و وجل ، متوجسا من ردود فعل والده المقبلة تجاه جرأته .
و لكن شعنوثة سمير عبد الباقي الحموي ،  نشرت في جريدة الفجر الجديد  في اليوم التالي فحملها وذهب بها مباشرة إلى بيت عمته عائشة !

أما والده فللغرابة الشديدة أخذ يُطلع متفاخرًا كل من يراه في المكتب أو في المحاكم أو من يصادفه في الطريق من معارفه ، على أول إنتاج أدبي لابنه سمير .
 

24
لقاء الأحباب من خلف الأبواب

   

        قرع باب عمته فلم يرد عليه أحد فدار إلى الباب الثاني من مدخله في حي (سوق صاروجة) ثم قرعه فسمع صوت شفيقة تسأل عن الطارق ، " أنا سمير " فأجابته بعد لحظة انتظار :" آسفة يا سمير لا أستطيع أن أفتح لك ، لا يوجد غيري في البيت ، ماما و شقيقتي عند الجيران ، و بابا في القلعة مستنفر ، أما شفيق فلا أعلم أين هو ".
حاول إقناعها بأن تفتح له فرفضت  و هي تعتذر برقة ، و عندما أعلمها بأنه يريد إطلاعها على أول عمل أدبي ينشر له ، طلبت منه أن يمرر الجريدة تحت الباب ، و بعد أن قرأتها أثنت عليها ولم تخف فرحتها بإنجازه الكبير هذا ، فأكد لها أن القصيدة تخصها أو بالأحرى تخصهما معا ، فأجابته بدون مواربة أنها فهمت ذلك و أنها تعاني من مثل ما يعاني ، ثم قالت له بلهفة :
- هيا يا سمير خذ (البكلوريا) و خلصنا ! فأجابها بأسى :
- يبدو أنه لا توجد (بكلوريا) هذه السنة يا شفيقة ، فالأوضاع كما ترين متوترة ، الفرنسيون تراجعوا  عن  إعلان   الاستقلال  و الشعب  لن  يرضى  بديلا  عن  حريته   و الله   يجعل العواقب  سليمة  !
فردت معبرة عن خيبة أمل لم تستطع كتمانها :
- ويلي على  حظي !
فأجابها متهكما :
- و على حظي (كمان) ، أتدرين يا شفيقة ، قصيدتي التالية ستكون تحت عنوان
" لقاء الأحباب من خلف الأبواب" ناوليني الجريدة فقد طالت وقفتي مثل الشحاذين !
و ظل سمير يسمع رنة ضحكتها حتى خطوته الحزينة الخمسين .
 

25
الهزة الأخيرة

   

     أصبح سمير منذ أن نشرت ( شعنوثته ) في جريدة الفجر الجديد أشد اهتماما باقتناء الجريدة يوميا وقراءة ما فيها و على الأخص ما يكتبه الأستاذ رمزي ، الذي قرأ له مؤخرا باهتمام بالغ مقاله الإفتتاحي التالي فجعله يشعر بأن انتهاء الحرب العالمية الثانية باستسلام الألمان و ما قيل عن انتحار هتلر، أنهت معاناة الأوربيين و لكنها لن تكن خاتمة معاناة العرب و السوريين ؛ كتب الأستاذ رمزي :
بالصدفة وحدها و من خلال حديث عابر بين المغفور له أحمد ماهر باشا قبيل اغتياله و بين هنري فرعون وزير خارجية لبنان ، عرفنا أن دول العالم التي أعلنت الحرب على المحور تداعت إلى مؤتمر دولي في (سان فرنسسكو / كاليفورنيا) في الولايات المتحدة ، و قد أغفلوا دعوة سوريا و لبنان ، إلا أن حكومتنا تداركت الموقف و أجرت اتصالاتها السريعة مع الحكومة الأمريكية التي صححت الوضع ودعتنا في اللحظة الأخيرة رغم اعتراض فرنسا العلني .
و إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على سوء نية الإنكليز و الفرنسيين على السواء !
و بالصدفة أيضا وقعت في يد الجريدة رسالة موجهة من ( المستر ايدن ) وزير الخارجية البريطاني موجهة إلى الجنرال ( سبيرس ) قائد القوات الإنكليزية في سورية و لبنان يقول فيها نصا :
" من الضروري جدا أن تعقد معاهدات بين دولتي الانتداب و بين البلاد الواقعة تحت الانتداب لتحديد العلاقات المستقبلية بينها ، و الأخص فإن فرنسا بعد التحرير أصبحت مؤهلة لعقد المعاهدات ، فالانتداب منح فرنسا حقوقا ممتازة في سورية و لبنان يجب أن تتبلور في صورة معاهدة ، و نحب التنويه بأن الوقت الراهن يساعد حكومة جلالة الملك كي تبذل نفوذها لمساعدة البلدين في تحقيق ذلك ".
و يلاحظ القارئ أن المداولات لم تنقطع من وراء ظهورنا  و أن  شيئا  ما  يحيكه  لنا  الحلفاء المنتصرون ، و إن هذا السلوك ليس مستغربا منهم فمؤامراتهم  علينا  مستمرة  منذ  (سان ريمو  و سايكس بيكو  و تعهدات بلفور ) .
انه إيحاء متواصل بأن لفرنسا حقوقا و امتيازات في سورية من أجل تمرير إدعاءاتهم بوجود حقوق لهم و امتيازات في فلسطين و شرقي الأردن و العراق و مصر !
و ليعلم الإنكليز و الفرنسيون معا أن الشعب السوري لم يعترف و لن يعترف بأية امتيازات لأي كان و نقول لهم ، لقد انتهت الحرب العالمية الثانية و عليكم أن ترحلوا !

*****

   توالت المسيرات الشعبية مطالبة الفرنسيين و الإنكليز بالجلاء و لكن ما أن سمع الناس بنزول قوات فرنسية جديدة على السواحل السورية و اللبنانية حتى تعالت وتيرة مطالبتهم بالتدريب العسكري و تسليح الشعب للدفاع عن الاستقلال ، و استجابت الحكومة التي أعلنت عن إنشاء الحرس الوطني  و كلف ضباط الدرك بمن فيهم ( عمّو أبو شفيق ) بالإشراف على عملتي التطوع و التدريب .
و قُبل شفيق كمتطوع إحتياط و لكن لم يقبل سمير فالتفت إلى معاونة الناس في إقامة المتاريس  و الاستحكامات .
و بلغ التحدي أوجه عندما أصدرت الحكومة نداء إلى ضباط و جنود الكتيبة السورية  الخاصة  بالالتحاق  بالحرس  الوطني  حاملين  معهم  ما  أمكن  من أسلحتهم .

و اشتعلت من ثم حرب الشوارع مع فرار أول مجموعة من الجنود السوريين من إحدى ثكنات شارع النصر باتجاه القلعة ؛ و لكن عندما تفاقم نزوح الجنود بدأت القوات الفرنسية باستخدام الأسلحة الأثقل من رشاشات و مدفعية.
تعطلت الأعمال و هرع الناس لتكديس المؤن في بيوتهم ثم خلت الشوارع مع اشتداد دوي القنابل .
و أمر الأستاذ أفراد (العيلة) بالنزول إلى الطابق الأرضي المهجور فهو رغم ظلمته و رطوبته إلا أنه أكثر أمناً في هذه الظروف ، و بعد أن اطمأن على أولاده بدأ يقلق على إخوته فما أن هدأ القصف المدفعي قليلا حتى أعلن أنه سيستدعيهم فوافقه سمير و أبدى استعداده للقيام بالمهمة نيابة عنه عندما قرع الباب .
كان القارع شفيق الذي أخبر خاله أن بيتهم يحترق و أنه سبق أفراد عائلته لتدبير مكان لأغراضهم التي استطاعوا إنقاذها من الحريق ؛ ثم  تعاون الجميع في نقل الأغراض إلى المخزن قبل أن يحل الظلام فقد قطعت الطاقة الكهربائية عن المدينة .
و على ضوء الفانوس الضعيف بدت أم شفيق منهكة و حزينة و هي تشكو بلاءها لأخيها :
- ضاع البيت يا أخي و أخشى ما أخشاه أن يضيع صاحبه !
- سلامتكم بالدنيا كلها ، المال يمكن تعويضه يا عيوش  و بيتي هو بيتك ؛ أما زوجك فسوف يعود بإذن الله فالقلعة قدت من الصخر و قنابل فرنسا كلها لن تهدمها ، فاطمئني يا أختي . ثم أضاف بمزيج من السخرية و الأسى :
" لقد نجونا من الحرب العالمية فلم تصبنا غير آثارها ، و لكن القدر أبى إلا أن يذيقنا أهوال الحرب بطريقة أخرى !"
و عندما أبلغها  أنه سيذهب  حالا لاستدعاء  أخويهما مستغلا هدوء القصف أجابته بأنهما في ( عين الفيجة ) في زيارة ابن عمتنا سعيد  و عائلته منذ أكثر من أسبوع و أضافت
:- " لا تحمل همهما فهما حريصان على روحيهما أكثر مما تتصور ! ".

*****

    في صباح اليوم التالي كان سمير و ابن عمته على السطح يشاهدان آثار القصف المدفعي عندما سمعا أزيز طائرات يقترب ؛ كان سربا من الطائرات العملاقة المسماة بالقلاع الطائرة ذات المحركات الأربعة ، أمريكية الصنع فرنسية العلامات ؛ ما أن بلغت مستوى القلعة حتى لفظت عشرات القنابل التي أخذت تولول قبل أن ترتطم بالأرض محدثة دويا متتابعا هائلا هز البيت و كاد يتداعى بمن فيه و عندما اقتربت الطائرات فوق رأسيهما كانت لا تزال تطلق رشاشاتها فانبطحا أرضا ووضعا أيديهم فوق رأسيهما ، ثم انزلقا  قفزا إلى حيث لجأ أفراد العائلة .
و بينما كانت أم شفيق و أم حسين تبسملان و تحوقلان و تقرءان الأدعية و الأوراد ، كانت سميرة تضم أخاها الصغير سامر الذي لم يكف لحظة عن الارتعاش أو البكاء ، بينما جلست شقيقتاها و بنات عمتهن مكومات على أنفسهن حيث كن يتصايحن هلعا مع كل موجة قصف جديدة أو زقزقة جرذ  في المرحاض المجاور ، و أما شفيقة فقد التصقت بأمها و هي ترتعش ؛ أما الأستاذ فكان غير مستقر فتارة يجلس قرب أخته و تارة يصعد إلى الطابق العلوي متنقلا من نافذة إلى أخرى ، و بين موجتي قصف كان يخرج إلى الشارع ليتسقط الأخبار ، إلا  أن (الشباب)  كما  كانت  تسميهما  شفيقة أصرا على البقاء في الطابق العلوي  و قضاء الوقت  بلعب الورق .

في مساء اليوم الثالث تجرأت البنات فصعدن إلى الطابق العلوي ، فقد اعتادت آذانهن على أصوات القنابل و تيقّن بأن القصف لن يطال المناطق الشرقية من المدينة كما أكد الوالد ، ثم ما لبثن أن بدأن يشاركن في لعب الورق ( كالباصرة و أبو الفول ) و عندما ملوا جميعا لعب الورق ، اقترح عليهم سمير لعبة أطلق عليها (س - ج) فوافقوا جميعا ؛ و تقتضي اللعبة أن يطرح أحدهم - ممثلا دور الصحافي - ثلاثة أسئلة يختارها على أي منهم ، و بعد أن يجيب هذا الأخير على أسئلته كافة ينقلب دوره إلى صحافي ، ثم تم ترتيبهم بحيث يقوم سمير بسؤال شفيق و شفيق بسؤال سميرة  و هكذا...
أحضر سمير قلما و دفترا و جلس إلى جوار شفيق و ابتدأ - متصنعا الجدية التامة - بطرح أسئلته عليه :
- شفيق بك ، علمنا أنكم التحقتم بالحرس الوطني فهل لكم أن تحدثونا عن تجربتكم النضالية هذه ؟
لف شفيق ساقه اليمنى حول ساقه اليسرى و نفخ صدره و أجاب بصوت حاول أن يكون أجشّا  ما استطاع ، ثم قال بلهجة تهكمية :
- كانت تجربة مثيرة فقد قضيت فترة التدريب كله في تعلم النظام المنضم :
( استرح ، استعد ، أمامًا سر ، مكانك قف ، مكانك راوح ) .
ثم علق ساخرا :
- و استمريت ( مكانك راوح ) طيلة فترة التدريب (!). و لكن و الحق يقال تعرفت على أنواع الأسلحة و إن  لم أتمكن حتى من لمسها (!)"
و طرح سمير سؤاله الثاني :
- سعادتكم وصفتم لنا التجربة و لكنكم لم تصفوا انطباعاتكم فهلا فعلتم رجاء ؟
- ألا ما أشبه اليوم بالأمس - ذلك هو انطباعي - فقد راح جدي في ميسلون (ببلاش) و يبدو أن أبي سيذهب (ببلاش) فكل شيء كان و لا زال محض ارتجال .
وهنا نهرته شفيقة دامعة :
- لا ( تفاول على أبوك ) يا شفيق فيكفينا ما نحن فيه .
و لكن سمير رجاها عدم المقاطعة ،
ثم طلب من شفيق أن يتابع و يشرح ما قصده ، فأكمل هذا قائلا :
- الإنسان منا رخيص ، فقد أعلنوا عن تشكيل الحرس الوطني و هم لا يملكون تسليحه و تحدوا الفرنسيين  و هم لا  يملكون سوى بنادق الدرك في مواجهة جيش محترف خارج لتوه من حرب عالمية ، فعلامَ  كانوا  يعتمدون ؟
هنا عارضته سميرة متسائلة :
- ماذا  كنت  تنتظر  من  الحكومة ، أن  تستسلم  و تقول  للفرنسيين
" تفضلوا  و ارجعوا احكمونا ؟!!! "
فأجابها :
- أنا لم أقل ذلك بل أشعر أن هناك تقصيراً بالاستعداد  و التنظيم ، ثم أضاف ساخرا :
- عندما حاولت الالتحاق بوحدتي في القلعة طلبوا مني العودة من حيث أتيت بحجة أن لديهم ما يكفيهم من الرجال و لم يسمحوا لي حتى بالوصول إلى أبي بحجة أنه مشغول ، فاضطررت للعودة إلى البيت خائبا ؛ تلك هي قصتي مع الحرس الوطني الذي شاركت فيه ببذلتي العسكرية فقط (!)
 - ما هو أصعب موقف واجهتموه في حياتكم ؟

 سأله سمير ، فأجابه شفيق بعد لحظة تفكير :
- في طريق عودتي إلى البيت كان كل شيء يشتعل ابتداء من (زقاق رامي) ووصولا إلى مدخل (سوق صاروجة) ‎؛ كان شارع فؤاد الأول و منطقة (بوابة الصالحية) و البرلمان و مدخل شارع بغداد حتى السبع بحرات ، عبارة عن ساحة حرب حقيقية ، فاضطررت إلى الالتفاف بصعوبة من( البحصة البرانية ) إلى (جوزة الحدبا) للوصول إلى البيت الذي ما أن وطئت عتبته حتى شاهدت أرض الديار كلها شظايا قنابل و حطام نوافذ ، فتوجست خيفة أن يكون أهلي قد أصابهم مكروه ، لولا أن برزت لي أمي و أخواتي يهنئونني بالسلامة . ثم أضاف بنفس أسلوبه التهكمي :
- أما الموقف الأصعب فكان عندما قررت التوجه لمساعدة الناس في إخماد الحرائق المشتعلة في الجوار انقضضن عليَّ - أقصد أمي و إخواتي -  مثل الذئاب وحاولن  منعي ؛ و لكن عندما لمسوا إصراري ، نزعن  عني ثياب التطوع بالقوة ، خشية أن يلمحني الفرنسيون فيقنصونني كما زعمن ! و لكن بربكم كيف للفرنسيين أن يعرفوا أني حفيد شهيد (ميسلون) من بين كل تلك الجموع ؟
فعلقت شفيقة ساخرة :
" القرعا  تتباهى بشعر بنت أختها " ؛ فأضحكت الجميع .
نظر إليها سمير نظرة عتاب و رجاها للمرة الثانية عدم المقاطعة كيف لا تفسد شروط اللعبة ، و التفت إلى شفيق يطرح عليه سؤاله الأخير :
- شفيق بك ، مشهور عنكم أنكم ترددون كثيرا عبارة :
" أنا حفيد شهيد ميسلون " فكيف نشأت هذه العبارة و كيف أصبحت جزءا من شخصيتكم ؟
نفخ شفيق أوداجه و أجابه بزهو :
- نشأت العبارة أول مرة عندما قص عليّ أبي ملحمة ميسلون و كيف كان جدي من شهدائها ، فشعرت بالفخر و اعتبرت جدي منذ تلك اللحظة قدوتي ، و أصبح هدفي الوحيد أن أكون ضابطا في الجيش عندئذ لن أكون  كمثل
( القرعا التي تتباهي بشعر بنت اختها ) يا  شفيقة خانم .
ثم قام شفيق باستجواب سميرة التي أفاضت حول تجربتها التراجيدية مع عمتها زهرة و كيف استطاعت بمؤازرة إخوتها أن تتحداها وترفض الرضوخ لعقلها المتخلف  ، و أضافت : "مسكين سمير كان دائما ( ببوز المدفع ) فما أن يبتدئ بالدفاع عن أحدنا حتى تنهال عليه سياط القمع  و الغضب ؛ أما عن المستقبل فإنها تطمح بأن تكون مديرة مدرسة .
ثم قامت سميرة باستجواب شفيقة التي تحدثت عن مشكلتها مع كثرة الترحال من بلد إلى بلد تبعاً لظروف والدها الوظيفية ، فكانت ما أن توطد صداقتها بإحدى زميلاتها حتى يقطع انتقال جديد إلى مكان جديد صلتها بها ، فنشأت مثل المقطوعين من غير أهل أو أصدقاء فكانت أمها و شقيقتاها و أ م حسين هن كل ما تملك من أصدقاء إلى أن جمعها الله بأولاد خالها .
فعلق شفيق ضاحكا :
- من أجل هذا نراك ( مدهرنة ) وتصرفاتك مثل ( العجايز ) !
بعد أن هدأت موجة الضحك نهره سمير بسبب المقاطعة و رجا سميرة أن تستمر فسألت شفيقة عن مخططها بالنسبة للمستقبل فردت هذه باختصار بأن لا رغبة لها سوى أن تكون ربة بيت ناجحة كوالدتها .
في تلك اللحظة تبادل سمير وشفيقة نظرة خاطفة أشعلت وجنتيهما ؛ بينما بدأت شفيقة باستجواب سمر ، فتحدثت هذه عن تجربتها مع عمتها زهرة أيضا، و أضافت بأنها لم تكن تخاف من شيء بقدر خوفها من الحبس في المرحاض ، فقد كانت تتخيل أن الجرذان سوف تظهر في أية لحظة و تباشر بالتهامها ، أما عن المستقبل فقالت أنها لم تفكر به كثيرا و إن كانت تميل إلى رأي شفيقة بأن تكون ربة بيت حانية و متحاشية أخطاء أهلها .
هنا تساءل سمير :
- على ذكر الأهل ، من يعلم منكم أسباب العداء بين أبي  و إخوته ، و دواعي القطيعة التي استمرت أكثر من عشر سنوات ؟
فأجاب شفيق :
- أنا أعلم القليل ، فبعد وفاة جدنا استولوا على كل أمواله ، كان تاجرا ميسورا و صندوقه الحديدي مليئا بالذهب كما أكدت والدتي ، فكان أن أفرغوه في جيوبهم قبل إبلاغ أمي و خالي بوفاته ، و أعلم أيضا أن خالي أبو سمير رفع عليهم قضية سوء ائتمان و حجز على موجودات المنزل ، و أن أبي رفض أن تشارك أمي بالقضية لاعتقاده بأن المشاكل العائلية يجب ألا تفصل فيها المحاكم .
و علق سمير :
- لا بد أن هناك أسباب أعمق ، فإن حقدهم على أبي و ذريته رهيب و ما اختلاس أموال جدي إلا إحدى مضاعفات ذلك الحقد الذي انعكس علينا و آذانا فيما بعد .
ثم قام شفيق باستجواب سمير الذي تحدث عن تجربته الناجحة في ميدان الكتابة و كيف أن جريدة الفجر الجديد نشرت له عدة مواضيع  و قصائد . ثم انتقل بحديثه عن المدرسة و المظالم التي تعرض لها فيها ، وخلص إلى القول بأن أكثر المعلمين كانوا و لا زالوا يلجؤون إلى العصا و بعضهم يتطرف في ذلك و كثيرا ما يشجعهم الآباء بقولهم :
" لكم اللحم و لنا العظم ." ؛  و أضاف  أن  العقاب البدني ليس من التربية في شيء و أنه عدوان حتى لو كان من أقرب الناس أو حتى لو كان هدفه الإصلاح - كما يقول الأستاذ رمزي صديق والدي - فالعقاب المتطرف باستخدام القمع الجسدي أو النفسي يعطل طاقات الإنسان و يحطم بناء شخصيته ، و أكد أنه قرأ عدة كتب تؤكد وجهة نظره هذه ، و عندما سأله شفيق عن المستقبل أكد سمير بأنه سيدخل الجامعة ويتخصص في التربية ثم سوف ينشئ جريدة تربوية و يكرس مستقبله لإرشاد المعلمين و الآباء على صفحاتها حول كيفية معاملة أبنائهم و طلابهم .

 

*****

و استمروا- من ثم - على ضوء شمعة واحدة يتسامرون حتى ساعة متأخرة عندما غلبهم النوم على مقاعدهم .
أحست شفيقة بقشعريرة فنهضت لتجلب لنفسها و للآخرين أغطية ، و عندما توجهت إلى (الروشن) لتغطي سمير جذبها إليه راجيا :
- امكثي إلى جانبي فقد عصاني النوم . ثم قال لها شاكيا :
- لقد أيقظ الحديث ذكرياتي الحزينة يا شفيقة ، فلطالما قضيت الليل باكيا تحت غطاء سريري ، اجتر ما كنت أعانيه من آلام نفسية أو جسدية . كل شيء حولنا كان مشوشا ، علاقة أبي بأمي ، علاقة أمي بنا ، تصرفاتها التي كانت تفتقر إلى المنطق ، ردود فعل أبي التي تجاوزت كل منطق ، تزمت عمتي  و تحجر دماغها و تطرف عمي و قسوته و عنفه ، و إهمال أبي و اتكاله الكامل على الآخرين في رعايتنا ، لولا أباك و أمك يا شفيقة لظل أبي حتى اليوم يتجاهل مشاعري و رجولتي .
ثم حكى لها طويلا عن خالته فخر النسا  و كيف كانت أمّا ثانية له و عن رعايتها له و حنانها الذي عوض بعضا مما افتقده لدى والديه ، و كيف ظلت كذلك إلى أن تزوجت و سافرت مع زوجها إلى مصر في بعثة للدراسات العليا و لكنهما لم يعودا ، و اعترف لها أنه يلتهب شوقا إليها ، ثم حدثها عن الجدة و ما بذلته من أجله و أجل إخوته إلى أن أعجزها المرض و كيف لحقت بابنتها فخر النساء إلى مصر حيث توفيت هناك ، ثم حدثها عن ظروف وفاة والدته المأسوية ، و حكى لها كيف كادت عمته زهره  تقتل أخاه سامر تحت وطأة بخلها و عقيدتها السخيفة بعدم جدوى الأطباء أو الدواء . ثم حكى لها عن مكتب أبيه و كيف كان أبوه يقضي الساعات مع أصحابه في مناقشة شؤون الساعة فكان المكتب بذلك مصدر اضطراب علاقة أبيه بأمه ، إلا أنه كان أيضا مدرسته الحياتية الحقيقية و منبع ثقافته العامة الرئيسي ؛  و أضاف أن  لوالده حسنات كثيرة و لكنه كثير السيئات أيضا ،  فهو دكتاتور مستبد  لا يقبل أي اعتراض و إن هو لم يكن يلجأ إلى العنف إلا قليلا إلا أنه حين يلجأ إليه فإنه لا يرحم ، و يذكر أنه أستثير ذات يوم من قبل أحدهم فضربه و ضربنا جميعا في معيّته ؛ و ختم حديثه بقوله أنه مدين و إخوته ببقائهم سليمي الجسم و العقل رغم كل تلك الظروف إلى معجزة ما !

*****

    و عند تمايز الخيط الأبيض عن الخيط الأسود ، غلبهما النوم ثم سقط رأس شفيقة على كتف سمير ، في تلك اللحظة صعدت أم حسين إلى الطابق العلوي كي تتوضأ و لكنها أحبت قبل ذلك أن تطل على الأولاد فلفت العاشقان نظرها ،  و بمزيج من الفرح و القلق عادت أدراجها إلى الطابق الأرضي فأيقظت ( ستها ) أم شفيق التي صعدت الدرج قفزا فما أن رأتهما حتى نكصت على عقبيها فأيقظت أخاها والذي ما أن رآهما حتى فغر فاه  ثم علق  و على فمه ابتسامة ساخرة :
- عملوها أولاد ( الذين ) و ( حطونا ) تحت الأمر الواقع !
ثم التفت إلى شقيقته مطمئنا :
- لا تقلقي يا عيشة سأحضر شيخا وشاهدين و نعقد قرانهما اليوم عرفيا ، و نترك الرسميات إلى ما بعد هدوء الحالة !
فردت عليه أم شفيق و هي تشعر بإحراج كبير :
- و والدها بأي وجه نقابله ؟
فردّ عليها لائما :
- هذا  شأنك و شأنها ، أنت التي طمعتيه و أفهمتيه بشكل مباشر أو غير مباشر بأنه خطيب ابنتك و أنت المسؤولة عن العواقب ، ابني لم يحصل بعد على (البكلوريا) و ليس مؤهلا للزواج ، و أنا إنما أردت أن أستر على ابنتك !
كان الجميع قد صحوا من النوم على صوت الجدال الدائر و لكن شفيقة ما أن سمعت العبارة الأخيرة حتى اندفعت نحو أمها باكية و متسائلة و هي  في أقصى حالات الانفعال :
- ما الذي (انفضح) حتى تستروه ؟ و اللهَ‎ِ يا ماما ما ارتكبنا أي غلط ، هات المصحف لأحلف لك عليه  .
 و لكن شفيق الذي سمع عبارة خاله فأخذته النخوة ، هاجمها  و بدأ يكيل لها الضربات و هو يصيح بها :
- و الله لأذبحك يا كلبة و اشرب من دمك .

فانقض عليه سمير و دفعه عنها بعيدا ثم وقف إلى جانبها في موضع دفاعي و صاح في وجوه الجميع منذرا :
- أنا قتيل شفيقة ! من يحاول التعرض لها عليه أن يجتاز جثتي قبل ذلك ؛ أنا و شفيقة متحابان أقولها بملء الفم و لا أخشى أحدا ، و لكنها أشرف من الشرف ، و لن أسمح لأحد بأن يمس شعرة منها بأذى !
و قالت سمر مدافعة عنهما :
- لقد استيقظت خلال الليل عدة مرات و سمعتهما يتحدثان ؛ ثم التفتت إلى شفيق معلقة بشيء من السخرية :
- ترانا أمام حسام الدين الجديد ؟  أم ترى أن حفيد شهيد ميسلون قد بدأ نضاله بمحاولة ذبح شقيقته ؟ الظاهر أن سفاحي العيلة زاد عددهم على ما أرى !
فنهرها الوالد قائلا بغضب :
- اخرسي ( ولي ) لا (تحكي) كلام أكبر منك !
و هنا تدخلت أم حسين قائلة بهدوء و حكمة :
- أنا ربيت شفيقة و أعلم أنها صادقة بكل ما قالته ، شفيقة لا تعرف الكذب منذ صغرها ، و أنا متأكدة أن سمير صادق أيضا ؛ فاخزوا الشيطان و دعونا نفرح  بهما .
فأجابتها أم شفيق لائمة و عاتبة :
- ألست أنت السبب يا أم حسين ؟
فأجابتها هذه ببراءة :
- لقد أردت أن أفرحك ولم أكن أتصور أن الظنون ستذهب بك و بأخيك  بعيدا ؛ ثم أضافت متحمسة :
- دعونا نفرح بهما (يا) ! ثم أطلقت زغرودة ما لبثت البنات أن شاركنها بها ، فنهرهن الأستاذ جميعا و أمرهن بالصمت فورا .
فنظرن إليه وجلات خشية أن يكون قد تراجع عن وعده و لكنه استأنف كلامه بحدة أقل ، قائلا :
-هذا عيب ، الناس يموتون تحت القصف و أنتن تزغردن ؟
ثم أضاف بلهجة حانية :
- اطمئنوا جميعا سنفرح بهما حالما تهدأ الأحوال
.
 

26
نهاية العدوان

 

      ما أن كتم الأستاذ زغاريد البنات حتى تنامى إلى سمعه ما يشبه الزغاريد في الشارع فأطل من نافذة الروشن ليرى جموعا من شبان الحي بين مهلل و مكبر و قد تكأكأ بعضهم حول صبي يبيع صحفا  و هو ينادي : " نهاية العدوان ، العدوان الفرنسي انتهى ، تفصيلات عن المذابح و الحرائق ، الفجر الجديد بفرنك واحد "
و هرع  سمير إلى الشارع  و عاد  بواحدة  فطلب  منه والده أن يقرأ أخبارها  بصوت عال  ليسمعه الجميع .
و ابتدأ بقراءة موضوع تحت عنوان "ملحمة المجلس النيابي " فقد أمرت القوات المرابطة مقابل البرلمان في أحد الأبنية التابعة لقيادة القوات الفرنسية ، أمرت قائد سرية الدرك المكلفة بحماية البرلمان أن يؤدي التحية للعلم الفرنسي مع أفراد سريته فأبى القائد تنفيذ أوامرهم فما كان منهم إلا أن أمطروا مبنى البرلمان بجميع أنواع القذائف ثم هاجمته كتيبة من الجنود الأفارقة و ذبحت رجال الدرك المدافعين عنه ذبح النعاج .
و في مقال آخر ، كان ثمة وصف مستفيض للمقاومة التي أبداها سكان مدينة ( حماة ) و تصديهم لقوات مدعومة بالدبابات و الطائرات عند منطقة المقابر في مدخل المدينة الجنوبي ، حيث تمكنوا من صد القوات الفرنسية و من إسقاط طائرتين برصاص بنادقهم .
و تحدث مقال ثالث عن صمود رجال الدرك و الحرس الوطني و من استطاع الفرار من الثكنات الفرنسية من أفراد القوات الخاصة ، صمودهم في وجه الهجمات الفرنسية المتتابعة الهادفة إلى الاستيلاء على القلعة و التي باءت كلها بالفشل مما اضطرهم إلى استخدام أحدث أنواع الطائرات المسلمة لهم بموجب قانون الإعارة و التأجير الأمريكي .
و تحدث مقال رابع عن لون آخر من الكفاح في أروقة الأمم المتحدة حيث استطاع المندوب السوري انتزاع قرار من مجلس الأمن يلزم فرنسا بوقف إطلاق النار حالا و بدون قيد أو شرط و تكليف القوات البريطانية المتواجدة في سورية بتنفيذ ذلك .
و في مقال صغير تحدث رئيس التحرير الأستاذ رمزي صديق والده عن ظروف طباعة هذا العدد  و كيف أنه - أي الأستاذ رمزي - كتب جميع مقالاته و صف حروفه و نضدها و حبَّرها و طبعها كلها بنفسه حيث لم يجد من يعاونه بسبب ظروف العدوان ، و كيف قام بتوزيع الجريدة على أحياء المدينة بمجهوده الشخصي أيضا مستخدما عربة تجرها الخيول ، و ذلك خدمة للمواطنين المتشوقين إلى أخبار العدوان و نهايته .
أما أهمها جميعا فكان حول مباشرة القوات البريطانية بنزع أسلحة الفرنسيين و إعدادهم للترحيل إلى ثكنات خارج المدينة اعتبارا من بعد ظهر اليوم ؟
و بينما كان سمير يقرأ كل التفصيلات قرع الباب و كان القادم ، أبو شفيق .
زغردت أم حسين و تعالت هتافات الترحيب من أولاده و أولاد الأستاذ على السواء ، و لكنهم صدموا حين لاحظوا إصابته .
كان قد أصيب بشظية في ساقه عندما كان يشرف على انسحاب آخر دفعة من جنوده من خلال ممر سري يؤدي إلى نهر عقربا . كان أحد الرجال قريبا منه عندما أصيب ، فساعده على اجتياز النهر بعد أن ربط له الجرح ، و أراد أن ينقله إلى المستشفى الوطني إلا أن موجة من القصف منعته فتوجه معه مشيا على الأقدام إلى أن أوصله إلى بيته حيث فوجئ بالنار و قد التهمت أكثر من نصفه و هناك أخبره الجيران بما حل بالحي و أن عائلته رحلت إلى دار أخيها الأستاذ ، و استطاع أحدهم أن يؤمن له عربة توصله إلى عائلته .

*****

     كان مبنى ثانوية التجهيز الأولى المقام فوق بساتين النيربين على مرتفع يطل على كلية الحقوق  و التكية السليمانية قد تحول إلى مستشفى بإدارة جمعية الهلال الأحمر الملكي المصري .
و في إحدى غرفها استلقى أبو شفيق و إلى جواره أفراد عائلته بينما أخذ زواره من الأقارب و زملاء العمل و مسؤولين حكوميين بين آت و ذاهب و قد امتلأت غرفته بباقات الزهور التي طغت رائحتها الفواحة على رائحة الأدوية و المطهرات ، و لفتت أنظار الجميع باقة كبيرة أرسلها له فخامة رئيس الجمهورية .
و في مساء اليوم التالي لعملية جراحية ناجحة أجريت له تم خلالها استئصال
الشظية من ساقه ، تقدم الأستاذ من أذنه و همس بها طالبا يد شفيقة لسمير .

--------------------------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com

قصص قصيرة ذات صلة

برواية : عيلة الأستاذ

 نزار ب. الزين

-1-

  الكنز

-2-
 المشعوذ

 -3-
مأساة فلاحة
- 4 -

عبد الله

- 5 -

نقول و يفعلون
-6-

 الحمام العسكري 

-7-

مفاوضة شاقة مع مستشار المفوضية الفرنسية

-8-

هموم وطنية نقاش سياسي في مكتب الأستاذ

-9-

أين العلة ؟ نقاش سياسي في مكتب الأستاذ