www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

   دراسات إجتماعية


تحليــل نفسـي

 لسلوكيــات "أبــو غـريــب"
لمـاذا الضحـايـا مغطـاة الـرؤوس؟
د .عدنان حب الله رئيس المركز العربي للطب النفسي و التحليل
مشاركة : الأستاذ أحمد الحوطي


عندما وصلت ماري انطوانيت الى المنصة حيث كانت المقصلة تنتظرها، والى جانبها جلادها العملاق، يرتدي قبعة سوداء تخفي معالم وجهه، وبعد ان القت نظرة اخيرة على الجمهور، توجهت بوجهها الجميل الى جلادها، فاستدرك وقال لها: سيدتي، رحمة بي لا تنظري اليّ.
وفي احداث يوغوسلافيا الدموية في التسعينات، كان التعذيب والابادة الجماعية شائعين من دون اسباب سوى توصية الجنرال ميلوسيفيتش الى ميليشياته: اياكم ان تنظروا الى اعين ضحاياكم حتى لا تلتقي نظراتكم بنظراتهم. بل ذهب الى ابعد من ذلك، بأن طلب من الاسرى ان يطأطئوا الرؤوس ولا يرفعوا نظرتهم الى جلاديهم حماية لهم، والا قتلوا في الحال.
فعندما رأينا على الفضائيات وصفحات الجرائد صور العراقيين المعذبين، لفت نظـرنا ان رؤوسهم كلها كانت مخفية بأكياس لا يمكن الضحية او الجلاد ان يتعارفا من خلالها. وذلك وقاية للجنود من ان يصابوا بالصدمة النفسية اذا ما التقت نظراتهم بنظرات المعذبين.
فالانسان خلافا لما يتصور البعض ليس حرا في المطلق بل تتحكم به قوانين ومحرمات تنبع حكما من اسس وجوده. فالحفاظ على الجنس هو غريزة تمتاز بها كل الفصائل الحيوانية. وهي ما تسمى غريزة البقاء التي تمنع، على غير علم من الحيوان، ان يقتل حيوانا آخر من جنسه. فمثلا اذا ما وقع عراك بين ذئب وذئب آخر على تقدم الفريق، ينتهي العراك بمجرد ان يرفع الذئب المهزوم رأسه الى السماء عارضا رقبته للذبح. الذئب المنتصر يكتفي بهذه الاشارة التي تعترف بفوزه فيعرض عنه وينصرف. وعند الكلب بمجرد ان ينزل ذنبه الى الاسفل حتى يعرف الكلب الآخر انه المنتصر. اما عند الانسان، فرغم اعتراف الغريم بالنصر والفوز الا ان المنتصر ينكّل به ويعذبه ويهينه ويتصرف بطريقة همجية وعنف انساني يتعدى حدود العنف الحيواني الذي كما ذكـرنا يـعرف حدوده.
ومع هذه الهمجية وهذا الدافع الى اهانة الآخر واذلاله وتعذيبه في شكل قد يعجز التصور عن استنفاد اشكاله يبقى شيء ما لا يمكن ازالته من الذاكرة لأنه يخرق كل الدوافع والاسباب المبرّرة لهذا التعذيب، وهو النظرة: فهي عمق داخلي يطاول الانسان ليس في مفهومه لنفسه انما للآخر اذا كان يريد الحفاظ على وجوده كانسان. وهنا تدخل المعادلة المستحيلة: كيف يمكنني الغاء الآخر والحفاظ في الوقت نفسه على وجودي، اذا كان هذا الآخر هو انا؟
وليس من الغريب اذا ما اراد شخص التعذيب، ان يلغي السمع والنطق بشتى انواع التعذيب. ولكن تبقى النظرة هي الحقل الانساني اللامتناهي. وهذا ما بقي في ذهني من فيلم آلام المسيح. عندما لم يقدر على الكلام كان يوزع نظراته على الحاضرين كرسالة او خشبة سلام وامان لكي ينقذهم مما وقعوا به بحق انسانيتهم. وهنا لا اقول الانسانية بالمفهوم المطلق الأممي، انما بالمفهوم الوجودي التكويني الذي لا يحصل الا من طريق اللغة. فاذا فقد الانسان علاقته مع الحقل الرمزي يكون قد دخل عالم العدم، ولا غرابة اذا اشرنا الى "الحرف"، الحد الاخير الذي نمسك به بشدة حتى لا نقع في هاوية اللاوجود.
فالنظر يفتح الافق الرمزي على مصراعيه كي يلتقي به مع الآخر على ما هو متعارف عليه لدى كل طرف بوجوده الانساني. فالتعذيب قد يطاول الجسد بكل اعضائه ويلغيه ولكن لا يستطيع الغاء النظرة الاخيرة التي تبقى راسخة في الذاكرة لا تمحى كهاجس يلاحقه في احلامه وفي كل تخيلاته.
واذكر في فترة الاحداث الاهلية في لبنان اذ اتاني شاب في مقتبل العمر، مصفر الوجه، يبدو عليه الشحوب كأنه لم يعرف النوم منذ فترة طويلة. فبادرني بقصته وهي انه كان قابـعا على خطوط التماس، وقد تلقى اوامـر من رؤسائه بأن يطلق النيران على كل من يتحرك. ثم قال: "ظهرت امامي امرأة تمشي ببطء وتجر معها طفلة في العاشرة تقريبا. فتهيأت لاطلاق النار واذا بها تدير فجأة وجـهها فالتقت نظراتها بنظراتي، فتـوقفت عن التفكير وترددت لحظة في ان اقـوم باطـلاق الرصاص. وبدت لي هذه الفترة كأنها زمن من دون ازل. وفجأة تذكرت الاوامر فأطلقت الرصاص، رأيت الام تترنح في الهواء وبغريزة امومية تحمي ابنتها بجسدها، بينـما هي تسـقط في حالة الترنح، كما في فيلم بطيء القت الي بنظرة اخيرة وهي تتخبط بدمائها.
سكت بعدها برهة. شعرت بالقيء ينبع من اعماق نفسي، وكأن هذه البرهة لا تنتهي. ورأيته وهو يتصبب عرقا ثم نطق في النهاية فقال: "جئتك من اجل هذه النظرة. اريدك ان تشفيني منها، فهي نظرة لا اعرف تفسيرها. لا هي نظرة خوف ولا نظرة قلق، ولا نظرة اشمئزاز او قرف، ولا نظرة بغضاء ولا نظرة حقد ولا نظرة الم او شفقة. كل المعاني التي يمكن ان نضعها لا تكفي ان تستغرب مدلولها فهي اكبر من اللغة. الآن بعد ان مضى على الحادث اكثر من ثلاثة اشهر، النظرة تلاحقني باستمرار، ليلا نهارا، تبعد عني النوم وتحرمني كل لذة في الحياة. حاولت السفر في الصحراء، في البراري وما زالت النظرة تلاحقني كما لو كان الجلد ملتصقا بالجسد. كذلك حاولت عبثا محوها بالكحول، بالمخدرات، فأصبحت مدمنا دون ان تغيب عني هذه النظرة التي فتحت امامي سؤالا لا اعرف الجواب عنه: لماذا؟
هذا هو السؤال الذي لو اطرحه على كل مقاتل وكل جلاد لوجد نفسه في حيرة لا يعرف الاجابة عنها.
وبعد هذه المقابلة وصلت الى الاستنتاج الآتي: مهما كانت الاسباب والدوافع فالضحية شخصان: القاتل والمقتول، والمعذَّب والجلاد (انظر فيلم LE PORTIER DE LA NUIT وكما يقول مصطفى صفوان: كيف يمكن ان يبقى انسانا ناطقا ويقتل الآخر المرسل اليه الذي يعرّف عن هويته (انسان متكلم)؟
واذا بقي مريضنا معلقا بالنظرة، تلاحقه اينما كان لأنها تمثل البقية الباقية من الحقل الرمزي الذي لا يعرف وجوده. وعذابه ما هو الا ضريبة الحياة التي قدّر له ان يدفعها.
عندما نرى الجنود الاميركيين والبريطانيين يغطون رؤوس ضحاياهم، فانهم بذلك يحاولون حماية انفسهم من التعابير الانسانية التي ترتسم على الوجه، وبصورة خاصة من لقاء النظرات. والا سقطوا ضحية ضحيتهم. لذلك لا بد من شرطين: ان يجردوا الضحية من انسانيتها وان يتحولوا آلة ميكانيكية اي روبوت Robot يرضخ لأوامر من يحركه.
السؤال كما بدا من اهتمام المسؤولين العسكريين والسياسيين انهم اذا حققوا في الامر وثبت لهم جرم جنودهم، فهل المسؤولية تقع على عاتقهم؟ وهل فكروا لحظة بأن المواقع التي اوجدوهم بها هي نفسها التي تفرض مثل هذه الافعال؟
وهذا المشهد أشبه بالحلبات التي كان يقيمها القياصرة الرومان لإلهاء شعبهم: عندما كانوا يضعون الأسرى وجهاً لوجه، ويدفعونهم الى القتال. أي يختزلون العلاقة في مفهومها البارانوي: اما أنا واما انت. فلا مجال للعيش المشترك. عندئذ تستيقظ كل الغرائز الهمجية والوحشية الكامنة في نفسية المقاتل وتتحول وسائل دفاعية، هدفها الوحيد هو القتل. المسؤولية لا تقع على المصارع Galditeur المقاتل انما على نزوات الجمهور وعلى رأسهم القيصر. وكذلك بالنسبة الى الجنود الذين يقاتلون في العراق، فلو خيّروا، وهذا ما بدا في كل التصريحات الاعلامية، لما أتوا كي يقاتلوا في العراق ولعادوا جميعاً الى بلادهم وعيالهم. فهم قد حُوّلوا الى شبه عناصر آلية تنفذ أوامر قادتها، والا لو فسح لهـــم المجال لــكي يعبّروا عن انسانيتهم لكانت تصرفاتهم رسالة سلام.
وبمجرد أن أصبحوا في وضعية "العنصر" فقدوا هويتهم الذاتية المتميزة بانتمائها الحضاري، فنسي البريطاني انتماءه الى شكسبير، والاميركي الى الرؤساء والآباء المؤسسين لأهم نظام ديموقراطي وإنساني. فالعنصر عدد غير الانسان يتحرك ضمن أوامر ولا يفكّر بمسؤولية عمله، وهو بحاجة ماسّة الى حماية رئيسه باعتبار انه يفهم ما هي مصلحته ومصلحة شعبه.
الغاء فهمه وذكائه والغاء عواطفه الانسانية ضرورة لكي يتمم مواصفات العنصر الفاعل. لكن ما لم يكن في الحسبان وخلافاً للروبوت، انه قد تصبح التغطية العليا مسرحاً لهواماته ونزواته الشاذة وساديته، وتحرره من المكبوت وتحول الضحية الى مسرح لكل الممارسات المتخيلة المرَضية.
ومهما برر القادة العسكريون والسياسيون عدم مسؤوليتهم، فالواقع يقول غير ذلك: هنالك علاقة ثلاثية لا بد ان تتكامل حتى يحصل الفعل الانساني: القائد المسؤول والعنصر المنفذ، والضحية.
يحصل ترابط غير مرئي بين الأطراف الثلاثة. كل واحد يأخذ نصيبه من المتعة الغير معلنة. فلولا استراتيجية القائد لما أخذ العنصر مكانه في موقع التعذيب او القتل. ولولا حماية القائد بقراره لما أطلق العنصر العنان لنزواته ولساديته. واذا كانوا كما يقولون عناصر ناشزة، فلماذا يقتل الجنود الاميركيون والبريطانيون العديد من العراقيين من اطفال ونساء دون أي محاسبة؟
الحالة عامة والمسؤولية تقع على مصدر القرار. وهذا القرار كما نعرف لم يأخذ في الاعتبار الجوانب الانسانية رغم انها معلنة. واذا نظرنا بعمق نرى ان هذه الممارسات اللاإنسانية والمنتهكة لحقوق الانسان هي ترجمة ناضجة لنيات مبيتة كان يحملها المشروع على غير علم منه. فاذا قلنا ان الحرب العراقية تتحكم بها المصالح الاميركية، وان هذه المصالح هي التي تملي القرارات فمنذ متى في التاريخ حافظت المصالح خلال تحقيقها بالقوة على جانب من الانسانية؟
رأس المال الهمجي يتبرأ من كل ما هو ثقافة أو فلسفة أو دين أو انسان. فهو يتميز بالغائه الذات، الرغبة عندما يحوّلها حاجات والانسان عندما يحوله آلة مستهلكة، والدين عندما يجيّره لخدمته. فهو بطبعه لا همّ له سوى تضخيم نفوذه واغداق الفائدة على كل من يحارب من أجل المال.