المنبر الحر

*  محتويات ( المنبر الحر ) يعبر عن آراء  أصحابها

*  للرد على آراء  كٌتّاب  المنبر الحر ،  يرجى التكرم  باستخدام الرابط  التالي :

www.FreeArabi.com/FeedBack.htm

 

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

الإعجاز العلمي في القران الكريم  

" هوس زغلول النجار"

                                                                                           مقال :

  

صالح خريسات*

     لا نعرف كنه هذه المهمة, التي يتصدى لها زغلول النجار، ولا مراميها. فقد نال الرجل حظوة ، وذاع صيته عند البسطاء , الذين دائما ينجذبون إلى ما لا يعلمون ، ويصدقون كل ما يقال لهم , دون بحث أو تعليل .

      فالرجل يأخذهم بالحيلة , فيما يدعيه ويسميه " الإعجاز العلمي في القران". هذا الإعجاز الذي لم يقصده القران ، ولم يهدف إليه . فليس في القران العظيم إعجازا علميا بالطريقة التي يسوقها زغلول النجار وأتباعه, إلا أنه كثيرا ما يدعو للنظر والتدبر, ليكون حافزا للمزيد من الدراسة, والاكتشاف, والتطور, والابتكار, والتجديد.

      فالقران قيمة تعليمية, وتثقيفية, كبيرة, تعطي المسلم والإنسان, بشكل عام, إحساسا بالعمق الفكري, ويساهم في تعزيز, فكرة رفض الخمول, والتقليد, والإتباع. فهو ثورة في سبيل التحرر الفكري, يستفز طاقات الإنسان في التطور. فكان العلماء, أكثر خشية لله لمعرفتهم قوته, وبديع صنعه, إلا انه بالطريقة التي يفهمها زغلول النجار وأتباعه, يصبح التغني بالقران, وتمجيده, والادعاء بإعجازه العلمي, تعبيرا عن العجز, والجفوة. فلا يعود حافزا أو قوة مبدعة في حاضرنا , دافعة بهذا الحاضر, إلى آفاق المستقبل , لنكون امة تتفوق على الأمم الأخرى , بما أفادته من القران العظيم .

     إن اليونان لم يكن لديهم  قران , أو إعجاز علمي , ولم يكن لدى الفرس , وأهل الصين , كل هذه المفاهيم , التي يبثها فريق الإعجاز العلمي , لكن هذا الصنف من البشر, كانوا قد فتحوا نفوسهم , قبل أن يفتحوا العالم , وجددوا حياتهم الداخلية , قبل أن يجددوا العالم الخارجي , وعاشوا في المستقبل , قبل أن يعيشوا في الماضي  و الحاضر. فالنجار يريدنا أن نفهم القران , على انه  أطلال , تزار وترثى , ويتغزل المرء بتا , أو يريدها كوارث وحقائق , ينتظر أن يكتشفها البوذي , أو الهندي , أو الأمريكي, أو الشيوعي الملحد , ليقول له النجار , خسئت أيها المخترع  ! إن اختراعك , موجود لدنيا في القران . ثم يأخذ الإحصاءات, و الأرقام , والزوايا , من المعاهد و المراكز المنتشرة في العالم , ليطابقها قسرا, مع الظاهرة القرآنية !

     إن زغلول النجار و أتباعه , بهذه الطريقة الكسلى , من التفكير الزائف , إنما  يعبرون عن العجز الصامت , المتعجرف , الذي لا يفيد في تحقيق فكرة علمية , ولا يساهم في تطوير المعرفة الإنسانية . وهو يستلزم جملة أمور, تعالج  النظرة , و الموقف , و تحرير الذات ,والارتقاء بعقل المسلم . فكل إشكال العبودية وصيغها ، والإتباع و الارتقاء ، تلغي فكرة التفتح الإنساني ، وتحول بينه وبين وعي  التجربة في  الحاضر، وفهم  قوانين وشروط  وفتوحات حركة المستقبل.

      إن القران العظيم, ومجمل الثقافة الإسلامية, من المفروض إن تساعدنا في اكتشاف الحقائق و التوصل إليها, من منظور عصرنا, وفي ضوء رؤى المستقبل, وعليها أن تحررنا من الأوهام, وهو ما لم يتحقق بعد. وهذا الذي يفعله زغلول النجار وأتباعه, هو دعوة إلى تكرار واجترار, تقتل فهم جوهر الدين, ووظيفة الإنسان أو مهمته. إن الرجل المتخلف فقط ,هو الذي ينتظر من الآخرين , أن يقولوا له ما عنده , وأن يقرروا مكانه " إبقاء الواقع على حاله "

دون أن نعير كثير التفات إلى ما يدور حولنا , ونسقط المستقبل من حسابنا . ولا نجانب الصواب إذا قلنا, بأن زغلول النجار, يريدنا أن ننام على هذه الوسادة, الخالية حتى من الأحلام القابلة للتحقق. فلكي يكون لنا في يوم ما، دوراً في الحضارة والتقدم , والاكتشاف العلمي، لا بد أن نكون أحرارًا من وهم الاقتباس , واستعارة الأمجاد , وأن يكون دورنا قياديًا في الحياة , أي في صلة الإنسان بالمادة , والأمن , والروح ، ضد حالة الخضوع والاستسلام التي ما زالت ترافقنا في ديننا و دنيانا . فأينما يكون مثل هذا الفكر الجامد, يكون الجوع, و المرض, و الفقر, و التخلف, و الحرب, وتمجيد الموت, وهو ما أثبتته التجربة, وأكده الواقع المعاصر.

     إننا ضد الدعوة التي تحاول أن تضلل عقولنا , لنتبنى موقفًا انهزاميًا استسلاميا , ونسميه تعبديًا، من خلال أن العالم الغربي بهيئاته العلمية والفكرية، يرحب بمثل هذا الرجل وأشكاله , و يشجع هذه الظاهرة ، لأنه يريدنا فقط , في دائرة مغلقة , نحوم فيها حول أنفسنا , ونترك للعالم فرصة التقدم , والتطور, والابتكار, والإبداع .

     ويشبه هذا الرجل عمرو خالد، الذي يروج للحكايات والحوادث القديمة، وللسلف الصالح . ومن قال أن السلف الصالح كله, كان صالحًا ؟ إننا بحاجة إلى منهج يساعدنا في تلمس طريقنا نحو المستقبل , وهذا المطلب , يستدعي منا التخلص من الجمود العقدي , ورفض الكسل العقلي , والنوم على وسادة الإعجاز والمعجزات .

      إن هذا المنهج , لا بد أن يحارب , سواء عن وعي , أو بدون وعي . فلا بد أن ننقذ الإنسان المسلم, وغير المسلم, من خطأ وسوء تقدير فئة الذين استخرجوا قوانين, تفرض حالة الجمود على العقلية المسلمة. ولذلك نحن نريد أن نخرج بمنطلقات تحرك الدور الإبداعي للإنسان, ولا نريد إن نخرج بقوانين مقيدة. إن قوانيننا في أصلها, قبل إن تعبث بها, عقول أصحاب الدكاكين, هي ذات نظرة قائمة على الإيمان بحقيقة كون الإنسان في حركة مستمرة, وان هذه الحركة, تعني التجاوز الدائم, لما أنجزه الإنسان بالأمس. أي اكتساب اللهب أو الشرارة من الأمس , لإبقاء شعلة الحاضر, التي نضيء بتا شعلة المستقبل. إنها نظرة تليق بأمة ذات رسالة كونية, ترفض الانغلاق، كما يرفض أتباعها إن يكونوا عبئًا على مستقبل الحضارة. إنها امة ترفض النظرية التي تحجب الواقع , وترفض الذكرى التي تجمد الحياة، وترفض الخيال الذي يبقيها في الحلم . فالحاضر هو مركز اهتمامها, والصلة الجدلية بين أطراف المعادلة الزمنية, هي الأساس.

     إن النقل يقتل روحنا , والرفض يقتل وسائلنا في الاقتران ، و المطلوب ,هو الفهم , والتفاعل , والتكييف , ومن ثم الإبداع . كحالات ليست تمامًا كحالات و وسائل الآخرين، وإنما كحالات و وسائل مرتبطة بواقعنا .

     إن منطلقات زغلول النجار وأتباعه, ومفاهيمه الدينية العلمية الضيقة, تكاد تكون معوقة لمسيرة امتنا العلمية، وحاجزًا بيننا وبين تحقيق أهدافنا. فالأمة ما تزال تعيش حالة من الركود والانسحاب  إلى الماضي , ضمن جو يسوده التغني بالإعجاز العلمي في القران , وهي حالة انهزامية , ترسخ قناعات واهية , بأننا الأفضل , والأكثر تقدما , و بأننا نستطيع إن نستغني عن العالم ,و نحاربه بإعجازنا  العلمي الذي ندعيه في القران العظيم , و وتنتصر عليه .

     إن دور الأمة من المساهمة  في الحضارة الإنسانية , معطل , ولا تزول هذه المعوقات , إلا بتحرير النفس , من العقد والأوهام , التي تؤطر تاريخنا الإسلامي . إننا لا نؤيد إن تقف حركة التطور في العالم , على ضوء ما يفهمه , بعض المسلمين من القران . ولا نريد بأي شكل من الأشكال , إن يكون نشاطنا في العصر الراهن , عبئا على الآخرين . فالسير باتجاه الإعجاز العلمي , تجربة معرضة للخطأ , ويمكننا إن نقلص هذا الخطأ , إذا ما استلهمنا الجوهر الايجابي , لدور القران في حياتنا . إن كثيرا من العناصر الأساسية, المكونة لجوهر الفكر الإسلامي, تضطرب في نفوسنا, وفي بؤر تفكيرنا, بعد إن ثبت فشلها, وعدم صلاحيتها للحياة. إن قراءة لهذا الفكر على نحو جديد , تعني فيما تعني , جمع الشتيت وعرضه في نسق جديد. وأمام أضواء جديدة , ليبلغ طاقته الموحدة , في اندفاعة جديدة , تكون هي الفعل المحرك لعناصر الحاضر. بمعنى أخر, إظهار تلك الأفكار المبدعة, ضمن اطر حياتنا الجديدة, بكل ما تحتويه من قوى مساعدة, على استمرار فكر الإنسان المسلم, في قوته الإبداعية. إن الصلة بين المسلم ودينه, هي صلة توازن فكري عملي, وليس علمي. وليست صلة إنشائية نظرية , محورها الهوس الديني . إن القران هو الأساس الروحي للمسلم , والكيان المعنوي للأمة وللبشرية جمعاء . فهو في جوهره, كلام الله, انزله على النبي العربي الأمين, ليبلغه للناس. ومن هنا, فهو يدخل في حقل الهداية, الذي يمكن إن نزيد منها وعيا, ونأخذ قبسا, في إضاءة الطريق أمامنا, ومعرفة الحق من الباطل, وهذا فرق جد كبير, بين ما يقصده القران ويهدف إلية, وبين ما يروج له زغلول النجار وأتباعه.

      فالقران استفاد من العلم الطبيعي , في مجموعة آيات , لإقناع العرب . وهي لم تكن في ظاهرها , بعيدة عن مستوى العربي , في ذلك الوقت , لأنها لو كانت بعيدة عن مستواه , لانغلقت عليه , ونفر منها . ويكفي القران فخرا, انه لا يوجد فيه ما يتعارض مع حقيقة علمية , وهذا هو إعجازه الحقيقي , وإذا وجدنا شيئا في ظاهره يتعارض , فإننا لو اولناه التأويل الصحيح والممكن , لوجدناه لا يتعارض معها على الإطلاق , لأنه كتاب الله, وهو خالق كل شيء .

      ===============

 *صالح خريسات - الأردن