الأدب

 صفحات خاصة 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 


 

 

 صفحة خاصة  

 

 

 الأديب العراقي

الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

الأعمال الأدبية

ملحمة گلگامش نثرا

 

ترجمة :

 

الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس*

 

مقدمة

     لا يخامرني شك بأن العلاّمة طه باقر (رحمه الله)، وربما قرّاء ترجمته المنقحة لملحمة گلگامش، كان يواكب ما ينشر من نقد وتفسير وتصحيح وسد الثغرات التي رافقت إعادة بناء وترجمة ملحمة  گلگامش. وربما كان قد شاطرني في بعض الرأي حينما يجد بأنني اتفق مع عدد من الباحثين والنقاد في القرن الحادي والعشرين على أن ملحمة گلگامش ليست ملحمة بالمفهوم الدقيق، وإن كانت بنيتها شعرا مرسلا أو منثورا، كالشعر الذي نقرأه في مسرحيات شكسبير، لأنها لا تحكي قصة شعب ورموزه أيام السلم أو الحرب، أو كلاهما، بحيث تـُعد رمزا وطنيا، بل هي قصة بطل نـُظمت شعرا لأن الثقافة التي انجبتها كانت تفتقر إلى مفهوم الملحمة وحتـّمت ترديدها غناء أو ترتيلا في المناسبات، ومنها أعياد أكيتو. وبعيدا عن البنيوية التي يلجأ إليها الاستاذ طه باقر في تقريبه لگلگامش من ملاحم عالمية، أرى بأن ملحمة گلگامش ليست أكثر من قصة بطل خارق يصارع الأقوياء ويتغنى بأمجاده ويسعى إلى الخلود، من جهة، والموت، من جهة ثانية، بينما تخونه الأقدار في نهاية سلسلة بطولاته فيضحى إنسانا في مهب الريح. لست هنا في معرض نقد عمل المترجم، وإنما نقد تسميتها بـ "الملحمة"، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار اقحام قصة الطوفان البابلية فيها ، كما هو واضح في اللوح الحادي عشر، وانتهاء حكاية اللوح الثاني عشر بشكل مفاجىء، مما اخرجها عن السياق القصصي التقليدي، ناهيك عن الملحمي البطولي، إضافة إلى ما ورد في اعلاه.

 الملحمة كما ترجمها الاستاذ طه باقر بحرفية عالية إلى العربية عن النصوص المسمارية الأكدية مباشرة بعد أثنتي عشر سنة من ترجمته (الحـَرفية) المشتركة (سنة 1950) مع السيد بشير فرنسيس لترجمتين انكليزيتين صادرتين سنة 1946وسنة 1950 منشورة على موقع ايلاف (الرابط في أدناه)، أي أن عمر النص المترجم شخصيا عن النصوص المسمارية يناهز نصف قرن تقريبا. قرأت هذا النص العربي عدة مرات، ولكن عندما قرأت النصوص الانكليزية المترجمة حديثا، شعرا ونثرا، عن النصوص الأصلية المودعة في المتحف البريطاني، شعرت بأن النثر يتفوق على الشعر في حبكة القصة وخيوطها، وإن كنت قد ترجمت ملحمة عربية إلى الشعر الانكليزي قبل بضع سنوات. ورغم انحيازي إلى الشعر ورواج ملحمة  گلگامش (جلجامش) بهذه التسمية بين قراء العربية، قررت أن اصيغ القصة بأسلوب روائي مبسط على شكل حلقات، حسبما جاء في الالواح الطينية الاثني عشر، دون الدمج بين لوح وآخر، معتمدا على ترجمة الاستاذ طه باقر العربية والتراجم والادبيات الانكليزية الحديثة. وفي سردي القصصي المتسلسل، سأضطر إلى قبول تسميتها بـ "ملحمة" تماشيا مع شهرتها، على غرار الملحمتين اللتين سبقتا گلگامش زمنيا، وهي ملحمة "إيزدوبار"، الرواية الكلدانية في شأن الخلق والطوفان (انظر الرابط في ادناه)، التي تغير اسم بطلها إلى "أتراخاسيس" (بمعنى حكيم الحكماء) سنة  1899(أي بعد ربع قرن من تسميتها بالأسم الاول)، وهي منقوشة باللغة الأكدية على ثلاثة ألواح طينية متضررة ومحفوظة في المتحف البريطاني (حالها حال كل مكتبة آشور بانيبال)، ومن بينها النسختين البابلية والآشورية. وما قصة الطوفان المكتوبة على اللوح الحادي عشر في ملحمة گلگامش، أو في التوراة (العهد القديم) والحضارات المتعاقبة، إلا صورة عن مثيلتها في اللوح الثالث للرواية الكلدانية في الخلق (كما تفيدنا بعض المصادر). أما الثانية، فهي ملحمة "إينوما إيليش" المنقوشة باللغة الأكدية بما يقارب ألف بيت شعري على سبعة ألواح طينية وتحكي لنا ايضا قصة الخلق البابلية التي يعتقد بانها جزء لا يتجزأ من سابقتها، أي أننا في حضرة قصة خلق وفلسفة بابلية واحدة (بضمنها الطوفان). وبسبب غياب حقوق الملكية الفكرية وتفشي ظاهرة النسخ الحر التي ورثناها عن العالم القديم، يتعذر على الباحث نسب أي عمل فكري وتسميته، خاصة إذا تعددت المسميات والنسخ، إلى كاتبه الأصلي أو الأمة والفترة اللتين انجبتاه بدقة، ولكن لا مفر من القبول بما حلّ بين ايدينا من كنوز الماضي، أيا كانت التسميات والأزمان. وقصة گلگامش ليست استثناء، إذ تقدر الفترة الزمنية بين ظهور أول اشعار سومرية قصيرة، المسماة بـ "قصائد بيل كامس (جامس)"، مرورا بملحمة الخلق البابلية بنسختيها، وبين كتابة ملحمة گلگامش، بشكلها المتطور والكامل، التي سنرويها تباعا، قرابة 1300 سنة، أي بين بداية الالف الثاني ق. م. والقرن السابع ق. م.

اللوح الأول

 

     تبتدأ ملحمة گلگامش الشعرية بافتتاحية وملخص لها على لسان راو ٍ مجهول الهوية، يرجح أن يكون ذكرا. يعلن هذا الراوي عن قصة بطل ذاع صيته في جميع أنحاء المعمورة، فهو الذي خبـِر العالم السفلي وكشف لنا اسراره وأتانا بأخبار ما حدث قبل الطوفان. إنه شخص ستتذكر الاجيال حكمته جيلا بعد جيل، ولكن الطرق التي سلكها في تحقيق مجده كانت وعرة وشاقة وطويلة للغاية. ورغم هول هذه الطرق التي لم تطأها الارجل إلا ما ندر، فقد تحدى الصعاب وواصل مشوار رحلته فأضحى اشهر من نار على علم بين الحكماء على الأرض ونقش ما خبر ليكون قبسا مضيئا على مسلة تستنير به الأجيال القادمة. وما سيطلع عليه القارئ هي  الكلمات التي سطـّرها بدمه. هنالك اشارة عمن يكون هذا الشخص، فهو الذي شيّد أسوار أوروك ومعبد الآلهة إيانا المقدس. 

كما يوجه الراوي في هذه الديباجة دعوة مفتوحة إلى كل من له أذن صاغية للتقرب اكثر وإلقاء نظرة فاحصة على هذه الجدران الشامخة التي تسطع شرفاتها النحاسية بريقا. كما ويدعو الناظر إلى التأمل بعتبة البوابة التي تفتح ذراعيها لسالف الأزمان والتقرب من معبد إيانا حيث تقيم عشتار، إذ لن يكون بمقدور الملوك ورجالات المستقبل أن يشيدوا صرحا كهذا الذي يأخذ بالألباب. ويجدد الراوي دعوته المفتوحة فيطلب من مستمعيه التسلق على أسوار أوروك والتجول في فضاءاتها والوقوف على متانة أسسها التي صممها حكماء أوروك السبعة وشيدت من الآجر المفخور. ويمكن للناظر من على هذه الجدران أن يرى بأم عينيه جمال المدينة وضواحيها الموشحة ببساتين النخيل الخضراء والصهريج المبني من الطين المفخور وحرم عشتار ومكان اقامتها. ورغم أن مدينة أوروك غنية بمساحات زراعية واسعة، ألا أن قسما من أراضيها لم يستغل بعد.

وبعد هذا العرض يحث الراوي مستمعيه لزيارة قلب المدينة والتجول فيها والبحث عن صندوق ذي صفائح نحاسية ورفع المشبك البرونزي عنه وفتح بابه الذي يخبأ وراءه سرّا، هذا السرّ الذي يفصح عن لوح منقوش باللازورد. وحالما تقع عينيك على النقش، ستقرأ  بصوت جهوري: هذه هي قصة گلگامش.

وبطل قصتنا گلگامش هو ملك الملوك الذي ذاع صيته بين الأمم. إنه البطل الذي لا يـُقارع ولا يعرف للخوف معنى وتشهد عليه ساحات المنازلة. لا يتردد البتة، فهو فضلا عن كونه ظهيرا يُعتد به في ساحات الوغى، فأنه يتقدم صفوف المقاتلين لينهلوا منه العزم وروح الاقدام. بطلنا هذا موضع ثقة شعبه ورمز شموخهم وإلهامهم، فهو الباني والمحارب المغوار والمنتصر. هو الذي اركع الجبال فجعل من بطونها ممرات سالكة، وحفر الآبار لتروي مياهها البشر والشجر وأعاد اعمار المعابد التي طالها االطوفان. ركب گلگامش البحراللامتناهي وضرب في الأرض مضربا آملا في الوصول إلى عين الشمس وقت شروقها. إنه رحـّالة من نوع فريد، رحـّالة يستكشف العالم كله بحثا عن الحياة وعن الأله يوتا نبشتم في اصقاع الأرض، ولكن البحث أعياه.

ومع أنه كان يدعى بالأبن البار لمدينة أوروك ، فأن بنوّته، كما يبدو، مزيج من الآلوهية والبشرية، إذ كان والده لوگـالبندا أ ُنسا فانيا ً بينما كانت والدته، سيدة البقر البري، آلهة خالدة. ويقال أنه ورث الثلثين عن  أمه وثلثا ًعن أبيه. وكان گلگامش بهي الطلعة، فقد تفرّد بوسامة تناقلتها الاجيال، ويقال أن الآلهة بيليت إيلي هي التي قررت أن تكون هيئته المتفردة مثار اعجاب القاصي والداني، إذ يروى أن طوله بلغ أحد عشر ذراعا وعرض صدره تسعة أشبار.

ورغم كل الوصف الحميد الذي تقدم فأن الملحمة تبدأ فعلا بنقيض لها.  فعوضا عن ترقب القارىء للمثول أمام ملك حكيم يحبه قومه، يفاجئنا الراوي، إلى حد الصدمة، بخبرطاغوت گلگامش وتعسفه وشبقه، إذ يصوره كاتب الملحمة وحشا كاسرا وظالما رعاياه ليل نهار. لا يفصح الكاتب عن طبيعة تحرشاته الجنسية، لكنه يخبرنا بأنه لم يترك عذراء لحبيبها أو خطيبة لخطيبها أو ابنة مقاتل لذويها إلا ودخل بها. وما الشكاوى المريرة التى قدمتها عذارى ونسوة المدينة إلى الآلهة أرورو ضده إلا دليلا كافيا لإدانته بالفجور. لقد ذكـّرتها النساء مرارا وتكرارا بالطاقة الجنسية الهائلة التي وهبته إياها وهو الآن يستغلها لتحقيق مآربه الخسيسة. لذلك رجونها أن تخلق شبيها له، ند ّا يقف له بالمرصاد ويضع حدا لنزواته الجنسية وغطرسته كي تنعم البلاد بالهدوء والسكينة.

امتثلت أرورو لدعائهن فغسلت يديها بالماء وتناولت جبلة من الطين ونحتت منه مخلوقا بدائيا أسمته أنكيدو وجعلت من السهوب عالما يعيش فيه مع الحيوانات التي ألفته. كان أنكيدو أشبه بوحش، قوي البنية ويكسو جسمه شعر كثيف. كانت الغابة موطنه الوحيد ولا يعلم من لغة البشر أو الحياة المدنية شيئا، لكنه مخلوق غير مؤذ بالمرة، بل تجده سعيدا جدا وهو يشارك الغزلان طعامها من الحشيش وجذلا بالحياة التي يحياها مع الحيوانات المفترسة التي تشاطره شرب المياه من منابعها.

شاءت الصدفة أن يلمح صياد هيئة أنكيدو العملاقة في الغابة فراقبه على مدى ثلاثة أيام متتالية. لم يكن يعلم  الصياد بأن ذلك المخلوق الوحشي كان مسالما، ولذلك تملكه خوف طبيعي من التقرب منه بسبب خلقته أولا، وبسبب نزع شباك صيده ثانيا. أجبره الذهول والهلع للعودة بقطعانه إلى دياره. أصابه الخرس لبعض من الوقت، ولكنه تمكن أخيرا من مخارج حروفه العصية ورواية ما جرى له على السهوب لوالده. أخبره بأنه حالما دخل الرعب قلبه توقف عن الصيد وقفل راجعا إلى الدار.

أشاراليه والده بالذهاب إلى أوروك ونقل نبأ بأس ذلك الوحش إلى گلگامش، ثم عليه العودة إلى السهوب بمعية شمهات البغي، التي ينبغي أن يطلب منها خلع  جميع ملابسها على مرأى من الوحش. وعندما يقع بصر الوحش على جسم البغي العاري سيفتن بها وينجذب إليها وتلوذ جميع حيواناته الوحشية بالفرار كرد فعل لتقربه من البشر. فعل الأبن ما نصح به والده وتوجه إلى المدينة ليقص روايته على گلگامش. أثنى الملك على نصيحة الوالد فكانت شمهات البغي هي العلاج المطلوب لترويض أنكيدو.  

مضى الصياد والبغي قدما في مهمتهما وقضيا ثلاثة أيام في رحلتهما نحو الهدف. كما امضيا ثلاثة أيام أخرى في الجلوس عند مورد المياه بانتظار الوحش. وعندما رصده الصياد في نهاية المطاف قادما باتجاه المياه، أوجز شيامات بما ينبغي عليها فعله من تعرّ وهيام واختفى عن مسرح الاحداث تماما. وبكل هدوء ودون خوف، تعرّت شمهات تماما وكشفت عن نهديها وعورتها كما قيل لها. وما أن لمحها أنكيدو، تقرب إليها واستجاب لأيماءاتها الجسدية فاشتهاها ودخل بها لستة أيام وسبعة ليال متواصلة. وبعد ان اشبع غريزته الجنسية، فضل العودة إلى السهوب وقطيعه، ولكن ما أن رأته الحيوانات منهكا شعرت بأن شيئا غريبا طرأ عليه ولاذت بالفرار من قدّامه. كما أن أنكيدو نفسه شعر بالتحول الذي طال جسده، فلم تعد ركبتاه تحمله وشعر بوهن عام حال بينه وبين الركض السريع الذي ألفه ومن ثم اللحاق بحيواناته واللعب معها ومعايشتهم. ولكن، وإن خارت قواه العضلية، فاز باللذات التي قوّت بصيرته وإدراكه مما جعله أن يكون أسيرا لحبائل شيامات كي يتعلم منها المزيد من فنون ممارسة الحب.

وهكذا أكملت شيامات مهمتها بنجاح فجعلت من وحش رجلا يفكر، رجلا تملي عليه رسالته الحقيقية في الحياة، مفادها أن عليه لقاء گلگامش الملك في أوروك. وكوسيلة لإغراءه في مرافقتها، استرسلت شيامات في حديثها عن ملذات المدينة وصخبها، عن الرقص والسكر والعطر والطيب والغواني الفاتنات. لم يبد انكيدو اعتراضا، بل اعلن عن استعداده للقاء گلگامش المرتقب لأنه بات يدرك بأن خلقه كان ربما من أجل ملاقاته في نزال التحدي ليبرهن له ان رجل السهوب هو الأقوى. ولكن شيامات خالفته بقولها أن گلگامش المزهو برجولته وبأسه وفتنته الساحرة هو محط انظار ورعاية الآلهة آنو وأنليل وإيا  وحبهم له. وأضافت بأنه حالما يغادر السهوب يكون گلگامش قد حلم حلمين غريبين يلجأ إلى والدته لتفسيرهما.

بينما يغمره الفرح بين خلا ّنه في الحلم الأول تظهر فوق گلگامش العديد من نجوم السماء، ولكن يسقط من بينها شيء ما، أشبه بشهاب، ظنا بأن الآلهة آنو قد ارسلته. يحاول رفعه ولفه، لكنه يعجز عن زحزحته لثقله. تجمع حشد من قوم أوروك حوله وبدأ صحبه بتقبيل ذيله، فتعلق به گلگامش وخاله زوجة احبها. داعب گلگامش هذا الكائن الغريب وطلب من صحبه معاونته في رفعه ووضعه عند أقدام أمه الآلهة نينسون التي طلب منها أن يكون هذا الجرم السماوي الغامض مكافئا له.

وببصيرة حادة بدأت نينسون باسترجاع ما نطق به گلگامش من كلمات وتفسير ما ينطوي عليه حلم أبنها. وأوجزت فأفادت بأن ابنها على وشك ان يتخذ له صديقا وفيا يوازيه جبروتا، وسيكون رفيق درب جدير بالثقة يسايره تحت أي ظرف كان، أي صديق عند الضيق. وختمت تفسيرها بقولها أنها ستتخذ من هذا الصديق إبنا نظيرا له دونما أي تمييز بينهما.

أما حلم گلگامش الثاني فله صلة بأمه ايضا. في هذه المرة، يتحدث گلگامش عن فأس يقع في ساحة مدينة أوروك. وكالحلم الأول، فقد تجمع حشد كبير من حوله. تعلق به گلگامش كتعلقه بزوجة. يأخذه ويذهب به إلى أمه ويضعه عند قدميها ليطلب تفسيرا. لم يختلف تفسيرنينسون للحلم الثاني عن الأول كثيرا، ولكنها أضافت بأن الرفيق اذي أشارت إليه في الحلم الأول سيكون عزيزا وقادرا على تقديم الموعظة الحسنة في الوقت المناسب وأنه سيظهر على الملأ قريبا جدا.

اللوح الثاني

      

      تذكرنا الابيات الشعرية التي يفتتح بها اللوح الثاني بايجاز بمشهد ممارسة أنكيدو الحب مع الغانية شمهات لمدة ستة أيام وسبع ليال، التي على ما يبدو أن أنكيدو نسي خلالها أين كان مولده، وبحثّّّّّّّ شمهات له للمضي قدما نحو أوروك وموافقته. تبدأ رحلتهما وهي ممسكة بيده بعد أن مزقت ثوبها إلى نصفين وأكست عريه بالنصف الثاني. تقوده في أول محطة استراحة الى مخيم للرعاة. وما أن لمحوا أنكيدو، اصابهم الذهول بسبب الشبه الكبير بين قوامه وجسم گلگامش الشبيه بالآلهة. وتحولت الضيافة على الفور إلى حفلة اشتد صخبها ليلا بسبب إفراط أنكيدو في اللهو والشرب والرقص والمداعبة.

ويستمرأنكيدو في التأقلم مع الحياة الجديدة التي تـُعد له الطعام والشراب بعدما كان يسعى إليهما بمفرده. يضعون الخبز والجعة أمامه وهو لا يعرف بالضبط ما ينبغي عليه فعله بهما، فتنقذه شمهات من محنته كعادتها وتطمئنه بقولها أن الملوك والآلهة تقتات على الخبز وتروي غليلها بما طاب ولذ لهم من الجعة. وكما اصبح شبقا بعد الجولة الأولى من تجربته الجنسية، أخذت الشراهة منه مأخذا فكان له مع الخبز سبع جولات ومع الجعة سبع صولات اسكرته تماما فجعلته يطرب غناء بصوت عال.  يغسل الرعاة الشعر الكثيف الذي يغطي جسده بالماء ويمسحونه بالزيت ويلبسوه هنداما يليق به فيتحول إلى مخلوق بشري كامل. وكرد ايجابي على خدماتهم وكرم الضيافة، يتبرع أنكيدو بحراسة الرعاة اثناء نومهم وحماية قطعانهم من الذئاب والأسود.

والآن حان موعد توجه أنكيدو وشمهات الى أوروك. وما أن دخلا المدينة لاحظا جمهرة وصخبا وإثارة. إقتربا من شاب وسألاه عما يجري. أجاب الشاب بأن الناس منهمكون بالاعداد لمراسيم زواج يتقدمهم گلگامش، ملك أوروك. وأضاف بأنه جرت العادة على أن يدخل گلگامش بالعروس قبل أن يدخل زوجها بها.  وما أن سمع أنكيدو هذا الخبر امتعض وثارت ثائرته. وعلى وجه السرعة، توجه بمعية الغانية إلى ساحة الاحتفالات وسط المدينة حيث تجري الطقوس علانية في بيت الاخصاب.

تجمعت الحشود المتجمهرة حول أنكيدو وشرع البعض يتوسل ويقبـّل قدميه كي لا يتدخل بشؤون الملك، ولكن  كان غضب أنكيدو مستعرا إزاء سلوك الملك اللاأخلاقي، فتوجه مسرعا إلى مخدع الزوجية ليمنع گلگامش من الوطوء بالعروس. وبحركة بهلوانية ذكية ثبـّت أنكيدو قدمه عند ناصية باب نزل المجامعة ليرد گلگامش على اعقابه ويقف له بالمرصاد. تناطح الخصمان كالثيران الهائجة وابتدأ القتال الضاري بينهما بحيث باتت الجدران المحيطة بهما تهتز من شدة المنازلة. سقط أنكيدو أرضا فثنى گلگامش ركبته وثبـّت احدى قدميه بالأرض ليرفع أنكيدو. تنفس أنكيدو الصعداء وهدأت سورة غضبه. وعندما استدار ليمضي، اعترف علنا بأن نينسون أمه، آلهة البقرالوحشي، ارضعته القوة وأن الإله أنليل قد جعل من گلگامش أن يكون قدر الشعب ومليكه باستحقاق. وهكذا ينتهي التحدي بين العملاقين ويقبـّلان بعضهما الآخرمعلنين صداقتهما أمام الملأ.

يعرّف گلگامش صديقه الجديد إلى والدته نينسون، ولكن ما أن تخبرهما بأن أنكيدو محروم من أب وأم وأنه ولد في السهوب يتكدر مزاج أنكيدو ويصيبه الاكتئاب ويشرع بالبكاء. وللتخفيف عن الآمه، يسارع گلگامش في سؤاله عن سبب قنوطه. يفصح أنكيدو عن سر قوته التي حبته طبيعة الغاب والوهن الذي يعاني منه بسبب مسايرته للحياة المدنية وانغماسه بملذاتها. ولكن گلگامش يجد له حلا، حلا يقضي القيام بمغامرة جديرة بمقامه. يرى گلگامش بأن هذه المغامرة هي مغامرة يتحدى بها الموت والشر لكونها الدواء الوحيد لمعضلته. يقترح گلگامش على أنكيدو الذهاب إلى غابة الأرز وملاقاة الوحش الكاسر همبابا في عقر داره وتحديه والنيل منه. ويضيف گلگامش قائلا بأنه حتى لو افناهما همبابا الوحش من الوجود، فأن الواقعة ستسجل انتصارا لهما لأن اسميهما سيخلدان إلى الأبد. ويتسائل گلگامش: وهل هنالك افضل من هذا المقترح؟

 لم يرق هذا الاقتراح لأنكيدو، فقد أصابه الذعر لأنه كان يعرف همبابا حق المعرفة بينما گلگامش لم يره قط، وإن كان يعرف أسمه ولا يستهين بجبروته. لقد شاهده أنكيدو مرارا وتكرارا عن كثب في تلك الأيام الخوالي التي كان يسرح ويمرح فيها على روابي السهوب مع حيواناته الوحشية. وبناء على خبرته، يحذرگلگامش عدة مرات من منازلة همبابا، هذا الوحش الذي يـُسمع زئيره الهادر من مسافات بعيدة، صوت لا يماثله عنفوانا سوى ذلك العباب الذي رافق الطوفان العظيم. ويسترسل أنكيدو في وصفه لهذا الوحش فيقول بأن إله النار جعل من فمه بركانا ملتهبا وأن أنفاسه هي الموت بعينه. بل والاسوأ من هذا كله، فأن الإله أنليل خصـّه بحماية غابة الأرز من الدخلاء غير المرغوب فيهم.

ولكن گلگامش يسخر من مخاوف أنكيدو ويصف حكايته عن همبابا المارد على أنها هراء في هراء. وعوضا عن ذلك، فأنه يقوي من عزيمة أنكيدو بالاشارة إلى ماضيه التليد، فهو أولا وقبل كل شىء ولد في الغاب ونشأ بين الأسود والوحوش المفترسة وما كان لمخلوق بشري ضل طريقه الجرأة في التقرب منه. وبعد أن اشاد گلگامش ببأس صديقه أنكيدو الذي تأثر بمديحه له، قررا الذهاب فورا إلى المدينة والطلب من حرفييها الاسراع بصناعة اضخم السواطير والسيوف الفتاكة تحت اشرافيهما.  وكان لهما ما أرادا بالضبط.

وقبل أن يغادرا إلى الغاب، ألقى گلگامش خطبة بشعب مدينة أوروك بشيبها وشبابها معلنا أنه على موعد مع المجهول، طريقا وخصما. يلتمس منهم البركة والشد على أزره، ويعدهم بأنه سوف يحتفل وإياهم بالسنة الجديدة مرتين في حالة عودته سالما غانما. هلل الشباب، بطبيعة الحال، لما هو عازم عليه، بينما لم يشاطرهم أنكيدو حماستهم واصرار گلگامش في المضي قدما نحو هدفه، لذلك وجه أنكيدو نداءا إلى شيوخ أوروك يحثهم فيه على مؤازرته في ثني گلگامش عن عزمه بعد أن اعاد إلى اذهانهم هول الملحمة القادمة وبأس همبابا وبطشه. أخذ الشيوخ تحذير أنكيدو على محمل الجد وشرعوا في انتقاد مليكهم  على ما تنطوي عليه خفة دمه وهم يكررون على مسامعه الكلمات التي نطق بها أنكيدو. لم يأبه گلگامش بما قيل فيه وعليه، بل راح يلتفت إلى صاحبه مقهقها ساخرا من تحذير قومه.

اللوح الثالث

 

       ملاحظة: مما يؤسف له، عثرالآثاريون على اللوح الثالث في حالة يرثى لها، ولكن رغم الكسورالعديدة التي طالته عبرالدهور، تمكن المترجمون من اعادة بناء السرد، ولو بصور مختلفة، لكنها تنسجم والاحداث السابقة واللاحقة في غياب التفاصيل، ونوجزها للقارىء تواصلا مع نهاية احداث اللوح الثاني كالتالي:

وكان لقهقهات گلگامش وقعها على شيوخ المدينة الذين ادركوا بأنهم غير قادرين على ثني مليكهم الشاب عن عزمه في المضي قدما نحو الهدف. ولذلك ما كان عليهم سوى توديعه ومناشدته بألا يتكل على قوته وحسب، وإنما عليه الوثوق بصاحبه أنكيدو واعتباره ساعده الأيمن. كما طلبوا من أنكيدو أن يكون عيون گلگامش الساهرة وأن يسهر على سلامته، وتمنوا لهما عودا حميدا وآمنا.  

وقبيل انطلاقهما، يطلب گلگامش من أنكيدو مرافقته إلى هيكل والدته نينسون. وفي الهيكل، يعيد إلى اسماعها عزمه على الترحال في غياهب المجهول وتصميمه على خوض نزال حاسم لا يمكن التكهن بعواقبه. ولذلك يتذرع إليها لتمنحه بركاتها كي يعود إليها غانما معافى ويشاركها احتفالات رأس السنة.

وتلبية لنداء گلگامش تشرع نينسون في اداء طقوس السفر البعيد. تغسل جسمها وتمسحه بالزيت المقدس وتتزين بلباسها وحليها وتضع تاجا على رأسها، ثم تتسلق الهيكل صعودا إلى سطحه وتقدم النذور والقرابين إلى الإله شمش وتحرق البخور شفاعة لتحل بركاته. ومع ذلك، فأنها تلقي باللوم عليه لأنه وهب ابنها گلگامش قلبا لا يهدأ ولا يستكين، القلب الذي طاوعه أن يركب المخاطر، وهو يعلم تمام المعرفة بأن رحلة گلگامش وأنكيدو محفوفة بالمخاطر ومجهولة النتائج. وتذكـّر نينسون الإله شمش ايضا بأن همبابا هو الشر بعينه، الشر الذي يمقته، وبأن الشابين قررا محوه من على وجه الارض تماما. تتضرع نينسون إلى الإله شمش وعروسته آيا أن يمنحا المقاتلين بأسا وإلى ثلاثة عشر ريح هوجاء كي تعمي بصيرة همبابا لتفتك به اسلحة گلگامش فتكا وتحيله أثرا بعد عين.

وبعد أن تنهي نينسون طقوسها وتطفأ مبخرتها تنزل من السطح وتستدعي أنكيدو للمثول امامها في حضرة كاهنات وبغايا وعذارى معبدها وتقول له أنه على الرغم من أنها لم تنجبه، فقد اصبح الآن ولدا لها بعد أن قدمت نذورا وقرابينا لإبنها گلگامش. ثم قلدت عنقه بقلادة من الجواهرتعميدا لبنوته وليكون بمثابة رمز يعتد به. وتختتم نينسون مراسيمها بعد أن تأتمن أنكيدو على سلامة گلگامش بالرجوع إليها. وقبل أن ينطلقا إلى المجهول، يؤدي المقاتلان طقوسا ختامية ويذكرالشيوخ أنكيدو ثانية بنخوته وأن يكون خير رفيق لمليكهم.

اللوح الرابع

 

     يحدثنا اللوح الرابع عن رحلة مضنية صوب غابات الإرز، رحلة يقوم بها گلگامش وأنكيدو على خمس مراحل متطابقة في احداثها ونهجها. هي رحلة تتطلب في العادة شهرا ونيف لإتمامها، ولكن المسافة الشاسعة تختزل بثلاثة أيام فقط. يحفرا بئرا ويؤديا طقوسا خاصة للإله شمش. وعند المغيب يخيـّمان لتمضية الليل. لم ينعم  گلگامش بنومه بسبب الرؤى التي خالها كوابيسا. تفزعه الكوابيس هذه خمس مرات متتالية. يتراءى له في احدها بأنه اضحى كالأوزة التي نـُتف ريشها. وفي حلم ثان، يرى بأنه وأنكيدو سقطا من قمة جبل وهويا إلى اسفله كذبابتين صغيرتين. كما يتراءى له في كوابيسه الاخرى بأن جبلا هوى عليه ولكن يدا من نور وهـّاج تنتشله وتسقيه ماء فيـُسر قلبه. يطلب گلگامش من أنكيدو تفسيرا لهذالاحلام المزعجة. يخفف أنكيدو من روعه قائلا بأن الجبل الذي سقط عليه فأل حسن، إذ يرمز إلى المارد الجبار همبابا الذي سينالون منه. 

شارف گلگامش وأنكيدو تخوم الغابة التي يسكنها همبابا، هذه الغابة القريبة جدا من لبنان. تغرورق عيناي گلگامش بالدموع عند مدخلها. يبتهل إلى الإله شمش ويذكـّره بنذور ودعوات أمه نينسون من أجل عودته سالما غانما إلى أوروك. ينبئه قلبه بأن الرسالة وصلت وأن عليه وعلى خلـّه أنكيدو الصمود والتصدي بحزم لما يخبئه لهما همبابا من شر وأن عليهما مباغتته قبل أن يدجج نفسه بالسلاح. وما أن سمع أنكيدو هدير زمجرة همبابا الرهيبة من بعيد حتى خارت قواه. جاء الآن دور گلگامش ليشد من أزر أنكيدو الذي بدا له مرتعبا. يذكرّه گلگامش بسالف بطولاتيهما التي توّجت اصرارهما بالتقدم نحو الهدف المرسوم.

يلتقط گلگامش وأنكيدو انفاسهما عند مدخل غابة الإرز ويتأملان جمال الطبيعة الخلابة أمامهما. يقفان منبهرين في حضرة غابة مزهوة بأشجارها الباسقة وسحرها وظلالها الوارفة التي تبهج الناظر وتدخل السرور إلى قلبه. ولكن متعتهما لم تدم طويلا، فقد عيـّن همبابا الوحش عفريتا ليحرس بوّابتها. كان عليهما التخلص منه قبل أن يتوغلا في جنباتها. أجهزا عليه، فخر صريعا في الحال. تقدما نحو قلب الغابة بحذر شديد مسترشدين بآثار اقدام همبابا على المسالك التي يسير فيها عادة. وما أن شرع گلگامش بقطع بعض اشجار الإرز بفأسه حتى انتفض همبابا المخيف مسرعا باتجاه ضجيج قطع الاشجار ومصدره. ومن حيث لا يدريان من أين أتى، بدأ همبابا على الفوربسب وشتم ولعن واستهجان المتطفلين على خلوته في عقر داره، فيصف گلگامش بالمعتوه وأنكيدو بفرخ سمكة وسلحفاة تجهل ذويها. يهدد گلگامش بقتله وتقديم لحمه طعاما فاخرا للطيورالجارحة. لم يبال گلگامش بتهديده، بل راح يشد من أزرأنكيدو لتوجيه ضربة قاضية له.

ويبدأ النزال بعد مشادة كلامية. يتصدى البطلان للمارد. تهتز الأرض تحت أقدام المقاتلين وترتعد جبال صور ولبنان هلعا. من البديهي أن تكون الغلبة للأقوى، للعملاق همبابا في بادىء الأمر، الذي ادخل الرعب إلى قلبيهما وكاد النصر أن يكون حليفه بادىء الأمر. ولكن بعد أن يتدخل الإله شمش ويستجيب لتضرعات نينسون، يثير ثلاثة عشر ريحا هوجاء ويسوقها بوجه همبابا فتعميه وتعيق حركاته مما مكـّن گلگامش وأنكيدو من الاجهاز عليه بأسلحتهما الفتاكة وارغامه على الاستسلام. ها وقد خارت قواه، يتوسل إليهما بشتى السبل أن يبقيا عليه. يشيد همبابا بشجاعة گلگامش ونبله ويعرض عليه ما طاب ولذ ّ له من الاشجارلتزيين قصره ثمنا لحياته، بل يهبه الغابة المسحورة بأسرها ويستجديه بأن يكون له خادما مطيعا. يلين قلب گلگامش ويتردد في قتله، ولكن أنكيدو يسخر من هذا العرض السخي الذي يسيل اللعاب له ويمنح همبابا فرصة للهرب بجلده فراح يسدي النصح لصاحبه گلگامش بألا يعطي له أذنا صاغية مهما تعددت الاغراءات وأن يقتله على الفور. تثور ثائرة همبابا ويحاول النهوض للهجوم على أنكيدو، ولكنه يهدأ قليلا لأنه يعلم بأن قرار الابقاء على حياته رهن بإشارة من أنكيدو الذي لا يرد له گلگامش طلبا. ورغم هدوء همبابا، يظل أنكيدو محافظا على صلابة موقفه في عدم الافراج عنه لأنه كان يعلم علم اليقين بأن الإله أنليل القابع في نيبوركتب على همبابا الفناء. وبعكسه، فأنه سيغضب منهما، كما سيغضب الإله شمش في سيبار ايضا فيما لو علم بأنهما لم ينفذا ما كان مخططا له. وفضلا عن ذلك، فقد أعاد أنكيدو إلى أذهان گلگامش رغبته الجامحة في طلب الخلود الذي يحتم عليه القضاء على همبابا ومحوه من الوجود.

ومع اقتراب لحظات الحسم التي باتت وشيكة أطلق همبابا المارد المخيف العنان للسانه فشرع يلعن گلگامش وأنكيدو ويتمنى لهما موتا شنيعا سابقا لأوانه، يطال گلگامش أولا وأنكيدو من بعده. وفي لمح البصر يسدد گلگامش فأسه بضربة قاضية لا ترحم ويفصل رأس همبابا عن جسده. يقطـّع گلگامش وأنكيدو جسد همبابا إربا إربا ويحتفلان زهوا بنصرهما المؤزر ثم يجولان ويصولان في اعماق غابة الإرز بحرية مطلقة. وهكذا بزغ فجرجديد يبدأه البطلان بإزاحة الحجاب الذي كان يغطي بوابة مسكن آلهة العالم السفلي العظام، ثم يشرعان في قطع الاشجار كما يحلو لهما ويعتزمان على استخدام الخشب في صناعة باب عملاق تتفاخر به نيبور، موطن الإله أنليل. أعدا العدة للرجوع إلى أوروك فجمعا ما يمكن جمعه من الغنائم، ومن بينها رأس همبابا ليكون شاهدا حيا على بأسهما وقدرتهما على مقارعة الشر.

اللوح الخامس

       يلتقط گلگامش وأنكيدو انفاسهما عند مدخل غابة الإرز ويتأملان جمال الطبيعة الخلابة أمامهما. يقفان منبهرين في حضرة غابة مزهوة بأشجارها الباسقة وسحرها وظلالها الوارفة التي تبهج الناظر وتدخل السرور إلى قلبه. ولكن متعتهما لم تدم طويلا، فقد عيـّن همبابا الوحش عفريتا ليحرس بوّابتها. كان عليهما التخلص منه قبل أن يتوغلا في جنباتها. أجهزا عليه، فخر صريعا في الحال. تقدما نحو قلب الغابة بحذر شديد مسترشدين بآثار اقدام همبابا على المسالك التي يسير فيها عادة. وما أن شرع گلگامش بقطع بعض اشجار الإرز بفأسه حتى انتفض همبابا المخيف مسرعا باتجاه ضجيج قطع الاشجار ومصدره. ومن حيث لا يدريان من أين أتى، بدأ همبابا على الفوربسب وشتم ولعن واستهجان المتطفلين على خلوته في عقر داره، فيصف گلگامش بالمعتوه وأنكيدو بفرخ سمكة وسلحفاة تجهل ذويها. يهدد گلگامش بقتله وتقديم لحمه طعاما فاخرا للطيورالجارحة. لم يبال گلگامش بتهديده، بل راح يشد من أزرأنكيدو لتوجيه ضربة قاضية له.

ويبدأ النزال بعد مشادة كلامية. يتصدى البطلان للمارد. تهتز الأرض تحت أقدام المقاتلين وترتعد جبال صور ولبنان هلعا. من البديهي أن تكون الغلبة للأقوى، للعملاق همبابا في بادىء الأمر، الذي ادخل الرعب إلى قلبيهما وكاد النصر أن يكون حليفه بادىء الأمر. ولكن بعد أن يتدخل الإله شمش ويستجيب لتضرعات نينسون، يثير ثلاثة عشر ريحا هوجاء ويسوقها بوجه همبابا فتعميه وتعيق حركاته مما مكـّن گلگامش وأنكيدو من الاجهاز عليه بأسلحتهما الفتاكة وارغامه على الاستسلام. ها وقد خارت قواه، يتوسل إليهما بشتى السبل أن يبقيا عليه. يشيد همبابا بشجاعة گلگامش ونبله ويعرض عليه ما طاب ولذ ّ له من الاشجارلتزيين قصره ثمنا لحياته، بل يهبه الغابة المسحورة بأسرها ويستجديه بأن يكون له خادما مطيعا. يلين قلب گلگامش ويتردد في قتله، ولكن أنكيدو يسخر من هذا العرض السخي الذي يسيل اللعاب له ويمنح همبابا فرصة للهرب بجلده فراح يسدي النصح لصاحبه گلگامش بألا يعطي له أذنا صاغية مهما تعددت الاغراءات وأن يقتله على الفور. تثور ثائرة همبابا ويحاول النهوض للهجوم على أنكيدو، ولكنه يهدأ قليلا لأنه يعلم بأن قرار الابقاء على حياته رهن بإشارة من أنكيدو الذي لا يرد له گلگامش طلبا. ورغم هدوء همبابا، يظل أنكيدو محافظا على صلابة موقفه في عدم الافراج عنه لأنه كان يعلم علم اليقين بأن الإله أنليل القابع في نيبوركتب على همبابا الفناء. وبعكسه، فأنه سيغضب منهما، كما سيغضب الإله شمش في سيبار ايضا فيما لو علم بأنهما لم ينفذا ما كان مخططا له. وفضلا عن ذلك، فقد أعاد أنكيدو إلى أذهان گلگامش رغبته الجامحة في طلب الخلود الذي يحتم عليه القضاء على همبابا ومحوه من الوجود.

ومع اقتراب لحظات الحسم التي باتت وشيكة أطلق همبابا المارد المخيف العنان للسانه فشرع يلعن گلگامش وأنكيدو ويتمنى لهما موتا شنيعا سابقا لأوانه، يطال گلگامش أولا وأنكيدو من بعده. وفي لمح البصر يسدد گلگامش فأسه بضربة قاضية لا ترحم ويفصل رأس همبابا عن جسده. يقطـّع گلگامش وأنكيدو جسد همبابا إربا إربا ويحتفلان زهوا بنصرهما المؤزر ثم يجولان ويصولان في اعماق غابة الإرز بحرية مطلقة. وهكذا بزغ فجرجديد يبدأه البطلان بإزاحة الحجاب الذي كان يغطي بوابة مسكن آلهة العالم السفلي العظام، ثم يشرعان في قطع الاشجار كما يحلو لهما ويعتزمان على استخدام الخشب في صناعة باب عملاق تتفاخر به نيبور، موطن الإله أنليل. أعدا العدة للرجوع إلى أوروك فجمعا ما يمكن جمعه من الغنائم، ومن بينها رأس همبابا ليكون شاهدا حيا على بأسهما وقدرتهما على مقارعة الشر.

اللوح السادس

      وقبل أن يقفل گلگامش راجعا إلى أوروك بصحبة خلـّه أنكيدو معلنا نصره الساحق على الوحش همبابا، كان عليه أن يفعل شيئا حيال مظهره المتسخ. وبينما كان يغتسل ليزيل عن جسده ما خلفته المعركة الطاحنة وما علق به ويلبس جلبابا أخـّّّّاذا يليق بملوكيته، كانت عشتار، آلهة الحب والحرب، تراقبه عن كثب. انجذبت أبنة أوروك البارة وراعيتها إلى مفاتن گلگامش ووسامتة والأناقة التي ظهر بها. باتت متيـّمة به منذ اللحظة الأولى.  ووجها لوجه مع گلگامش، تفصح له عن مكنونات قلبها وحبها الجنوني له. تطلب منه الاقتران بها أو معاشرته دون تردد أو استحياء. تعده بتلبية رغباته في ممارسة الجنس وتعرض عليه الجاه والثروة والسلطة المطلقة، بل  وكل ما يتمناه الرجل. لم يقع گلگامش في حبائلها رغم النزوات التي اشتهر بها. كان يعلم جيدا بأن المصير الذي ينتظره لن يكون افضل من ذلك الذي طال عشاقها السابقين. ولذلك لم يتردد في ردّها على اعقابها وراح يقذفها بأقذع الالفاظ وينعتها بالفجورمذكـّرا إياها بدسائسها مع من طارحها الغرام وأضحى مجرد رقم من بين ضحاياها.

وما أن انتهى گلگامش من تقريعه لها حتى شعرت بأنه جرح كرامتها، فاستشاطت غيظا وعرجت إلى السماء لتمثل في حضرة أبيها آنو وأمها آنتم والدموع تنهمرمن مآقيها شاكية لهما سباب گلگامش لها وإهانته وتحقيره لأنوثتها وتوجيه سيل من الاتهامات لسيرتها. واستدراكا للموقف، حاول والدها جاهدا نزع فتيل غضبها الصبياني والتخفيف من آلامها، لكنه أشار إليها بأن اللوم يقع عليها لأنها، وكما يبدو له، هي التي شرعت بالتحرش بگلگامش وتسببت في هيجانه. لم ترق لها تهمة والدها، فأطلقت العنان لبكائها وغضبها مجددا وراحت تطلب منه أن يخلق لها ثورا سماويا لينتقم لها من گلگامش في قصره. وما لم يذعن لطلب إبنته عشتار، فأنها ستقلب الدنيا رأسا على عقب، إذ ستحطم بوابة العالم السفلي وتفتحها على مصراعيها فينهض الموتى من مثواهم ويشرعوا في التهام كل ما هو حي ليصبح الأموات اكثر من الاحياء. يحذرها والدها آنو من مخاطر الثور، فقد يسبب أضرارا بالغة للمحاصيل الزراعية، وما لم تكن قد اتخذت الاجراءات التموينية المناسبة لمواجهة الموقف، ربما تحل على أوروك سبع سنوات عجاف يهلك خلالها الانسان وكل دابة على الارض. بعد أن طمأنت عشتار والدها على سلامة قرارها والاحتياطات الواجب اتخاذها، وافق على مبتغاها وحط في يدها سلسلة الثور السماوي لتمضي به إلى الأرض نزولا من السماء.

نزل الثور من السماء وعبث بأرض أوروك عبثا لم تشهده المدينة من قبل وحوّلها إلى جحيم لا يطاق. ففي أول خوار للثور الهائج، انشقت الارض وابتلعت مائة رجل ورجل. تكررالخوار فطال المئات من البشر الذين ابتلعتهم الارض.  وعندما اطلق العنان لخواره الثالث، احدث حفرة عميقة وهجم على أنكيدو، ولكن أنكيدو قفز قفزة الابطال وصدّه فأحكم قبضته على قرنيه ورشقه بزبده ورغائه. نادى أنكيدو على صاحبه گلگامش كي يسانده في جولته الثانية للقضاء على الثور. وبينما كان جمهور أوروك يشاهد المنازلة الحافلة والمثيرة بمجرياتها، أمسك أنكيدو بذيل الثور بينما راح گلگامش يسدد سيفه بين قرني الثور وسنامه ليدق عنقه بضربة قاضية. يقتلع گلگامش وأنكيدو قلبه من جحره ويقدمانه قربانا للإله شمش تعبيرا عن ايمانهم به وتشريفا له.

انزعجت عشتار وثارت ثائرتها مجددا لمصرع الثور. ترتقي أسوار أوروك وتصب جام غضبها على گلگامش. تتقافز وترقص بجنون للتنفيس عن ألمها بفقدان حيوان عزيز على قلبها وتلعن گلگامش وتشتمه لأنه أهانها ثانية وقتل ثور السماء الذي تقدسه. وعندما سمع أنكيدو هذه الشتائم، استشاط غضبا وبتر فخذ الثور وقذفه بوجه عشتار. كما راح يهددها بتشويه خلقتها وقتلها مثلما فعل هو وگلگامش بثورها وربط احشاء الثور بأطرافها.

استدعت عشتار حاشيتها من بنات المعبد وبغاياه وكاهناته لتقديم التعازي بمقتل الثور المأساوي ومشاركتها احزانها. أما گلگامش فقد دعا جميع حرفيي المدينة لرؤية رأس الثور الذي غنم به والتمتع بمشاهدة جماله وضخامة حجمه وسمك قرونه. ثم قدم زيتا يعادل الرأس وزنا قربانا لإلهه الحامي لوگال بندا وعلق الرأس وقرونه في حجرة نومه تذكارا خالدا.

وبعد أن أديا المهمة بنجاح، يغسل گلگامش وأنكيدو ايديهما بماء نهر الفرات. وبفرح غامر واحتفاء بالنصر المؤزر يتعانقان ويمضيان صوب أوروك. وخلال سيرهما في دروب المدينة صدحت حناجر أهل اوروك بأهازيج وأناشيد حماسية تمجد نصر الابطال. أقام گلگامش حفلا صاخبا بهذه المناسبة في قصره دعا إليه حاشيته وكل من هب ودب. وبعد أن أنهك الاحتفال بكل مفرداته كل من شارك فيه ومضى في سبيله، خلد گلگامش وأنكيدو إلى النوم. يحلم أنكيدو حلما مزعجا وينهض فزعا وكأنه كابوس. يوقظ گلگامش من نومه ليسأله وقد تملكه الذعر: أما تعلم، يا صاحبي، لماذا تجتمع الآلهة في مجلس للتشاور؟

يلتقط گلگامش وأنكيدو انفاسهما عند مدخل غابة الإرز ويتأملان جمال الطبيعة الخلابة أمامهما. يقفان منبهرين في حضرة غابة مزهوة بأشجارها الباسقة وسحرها وظلالها الوارفة التي تبهج الناظر وتدخل السرور إلى قلبه. ولكن متعتهما لم تدم طويلا، فقد عيـّن همبابا الوحش عفريتا ليحرس بوّابتها. كان عليهما التخلص منه قبل أن يتوغلا في جنباتها. أجهزا عليه، فخر صريعا في الحال. تقدما نحو قلب الغابة بحذر شديد مسترشدين بآثار اقدام همبابا على المسالك التي يسير فيها عادة. وما أن شرع گلگامش بقطع بعض اشجار الإرز بفأسه حتى انتفض همبابا المخيف مسرعا باتجاه ضجيج قطع الاشجار ومصدره. ومن حيث لا يدريان من أين أتى، بدأ همبابا على الفوربسب وشتم ولعن واستهجان المتطفلين على خلوته في عقر داره، فيصف گلگامش بالمعتوه وأنكيدو بفرخ سمكة وسلحفاة تجهل ذويها. يهدد گلگامش بقتله وتقديم لحمه طعاما فاخرا للطيورالجارحة. لم يبال گلگامش بتهديده، بل راح يشد من أزرأنكيدو لتوجيه ضربة قاضية له.

ويبدأ النزال بعد مشادة كلامية. يتصدى البطلان للمارد. تهتز الأرض تحت أقدام المقاتلين وترتعد جبال صور ولبنان هلعا. من البديهي أن تكون الغلبة للأقوى، للعملاق همبابا في بادىء الأمر، الذي ادخل الرعب إلى قلبيهما وكاد النصر أن يكون حليفه بادىء الأمر. ولكن بعد أن يتدخل الإله شمش ويستجيب لتضرعات نينسون، يثير ثلاثة عشر ريحا هوجاء ويسوقها بوجه همبابا فتعميه وتعيق حركاته مما مكـّن گلگامش وأنكيدو من الاجهاز عليه بأسلحتهما الفتاكة وارغامه على الاستسلام. ها وقد خارت قواه، يتوسل إليهما بشتى السبل أن يبقيا عليه. يشيد همبابا بشجاعة گلگامش ونبله ويعرض عليه ما طاب ولذ ّ له من الاشجارلتزيين قصره ثمنا لحياته، بل يهبه الغابة المسحورة بأسرها ويستجديه بأن يكون له خادما مطيعا. يلين قلب گلگامش ويتردد في قتله، ولكن أنكيدو يسخر من هذا العرض السخي الذي يسيل اللعاب له ويمنح همبابا فرصة للهرب بجلده فراح يسدي النصح لصاحبه گلگامش بألا يعطي له أذنا صاغية مهما تعددت الاغراءات وأن يقتله على الفور. تثور ثائرة همبابا ويحاول النهوض للهجوم على أنكيدو، ولكنه يهدأ قليلا لأنه يعلم بأن قرار الابقاء على حياته رهن بإشارة من أنكيدو الذي لا يرد له گلگامش طلبا. ورغم هدوء همبابا، يظل أنكيدو محافظا على صلابة موقفه في عدم الافراج عنه لأنه كان يعلم علم اليقين بأن الإله أنليل القابع في نيبوركتب على همبابا الفناء. وبعكسه، فأنه سيغضب منهما، كما سيغضب الإله شمش في سيبار ايضا فيما لو علم بأنهما لم ينفذا ما كان مخططا له. وفضلا عن ذلك، فقد أعاد أنكيدو إلى أذهان گلگامش رغبته الجامحة في طلب الخلود الذي يحتم عليه القضاء على همبابا ومحوه من الوجود.

ومع اقتراب لحظات الحسم التي باتت وشيكة أطلق همبابا المارد المخيف العنان للسانه فشرع يلعن گلگامش وأنكيدو ويتمنى لهما موتا شنيعا سابقا لأوانه، يطال گلگامش أولا وأنكيدو من بعده. وفي لمح البصر يسدد گلگامش فأسه بضربة قاضية لا ترحم ويفصل رأس همبابا عن جسده. يقطـّع گلگامش وأنكيدو جسد همبابا إربا إربا ويحتفلان زهوا بنصرهما المؤزر ثم يجولان ويصولان في اعماق غابة الإرز بحرية مطلقة. وهكذا بزغ فجرجديد يبدأه البطلان بإزاحة الحجاب الذي كان يغطي بوابة مسكن آلهة العالم السفلي العظام، ثم يشرعان في قطع الاشجار كما يحلو لهما ويعتزمان على استخدام الخشب في صناعة باب عملاق تتفاخر به نيبور، موطن الإله أنليل. أعدا العدة للرجوع إلى أوروك فجمعا ما يمكن جمعه من الغنائم، ومن بينها رأس همبابا ليكون شاهدا حيا على بأسهما وقدرتهما على مقارعة الشر.

اللوح السابع

     يقص أنكيدو تفاصيل كابوسه على گلگامش. وما رواه لصاحبه لم يعد حلما وإنما حقيقة على الأرض، بل مصيرا محتوما ينتظره. ينعقد المجلس بحضور الآلهة العظام آنو وأنليل وأيا وشمش. يتناولون في نقاشاتهم الأحداث الساخنة على الساحة، وتحديدا مقتل همبابا ونحر الثورالسماوي. يسود الاجتماع شعورعام بأن گلگامش وأنكيدو تجاوزا حدوديهما في تنفيذ المجزرتين طمعا في المجد. ولوضع حد لهذا التجاوز، كان على احدهما أن يلقي حتفه عاجلا أم آجلا. يقرر أنليل أن يكون أنكيدو كبش الفداء. يحاول الإله شمش أن يجهض قرار أنليل لأنه هو الذي أوعز إليهما بقتل همبابا والثورالسماوي، ولكن أنليل يردّه على اعقابه متهما إياه بالتواطؤ مع بني البشرلأنه يمكث معهم طوال النهار. وما أن وصل قرارالآلهة بفناء أنكيدو حتى يخيم الحزن والأسى على الصديقين الحميمين گلگامش وأنكيدو.

وتستمر الاحزان والخوف من قادم الأيام حتى يصبح أنكيدو طريح الفراش ويصاب بحمى اوصلته إلى حد الهذيان، وبالتالي اطلاق سيل من الشتائم الغاضبة، بدءا بلعن الباب الذي صنعه في غابة همبابا. لقد اضحى يخاطب الباب وكأنه انسان. كان يتمنى لو لم ينقش أسمه عليه لأن ملكا ما سيأتي من بعده ويستبدله. كان يتمنى لو حطم ذلك الباب الجميل الذي صنعه من خشب الغاب النادر بفأسه وحوله إلى قارب بسيط لأن الجمال جلب له المصائب. يراقبه گلگامش عن كثب ويواسيه بقوله أن الآلهة حبته بقلب كبيرومنحته الحكمة، وما احزانه سوى تلك التي تقدرها الآلهة على بني البشر. ويقترح عليه التوسط لدى الآلهة العظام لتحريره من اللعنة التي حلت عليه والحزن الذي غلبه. كما يعده أن يصنع له تمثالا من ذهب خالص لا يقدر بثمن. وفي عين الوقت، راح گلگامش يعزّيه ويعرب عن أسفه لأنه كان يعلم جيدا بأن قرارات الإله أنيل لا رجعة فيها وأن شتائم أنكيدو لا طائل منها. ولكن أنكيدو لم يتوقف، بل بات يطلب من الإله شمش مزيدا من اللعنات والشتائم، يطلب منه أن تحل اللعنة على الصياد الذي لمحه في الغابة لأول مرة، وعلى البغي شمهات التي فتحت له عينيه وصهرته في الحياة المدنية وملذاتها. يطلب أنكيدو من الإله شمش ألا يجعل الصياد  يغنم بصيد أو تتحقق له أمنية وأن تقتات شمهات على فضلات المدينة وتجوب الدروب المظلمة بحثا عن مأوى وأن ينبذها عشاقها بعد أن يقضوا منها وطرا وتضحى سلعة رخيصة لقارع طريق وسكران وكل من ينشد المتعة. ولكن الإله شمش ينحاز إلى ما فعلته شمهات فيذكـّر أنكيدو بحلاوة حياة الحضر ومفاتنها، ولذة طعام وشراب الآلهة والملوك، كما يذكـّره بأفخرالملابس التي كان يرتديها. وفضلا عن ذلك، فقد عثر على نصفه الآخر، خلـّه الوفي گلگامش. ويضيف الإله شمش بأن گلگامش سيكرمه بعد موته ويحزن عليه حزنا شديدا، مثلما سيحزن عليه أهل أوروك ويرثوه برثاء تتناقله الأجيال. والأنكى من ذلك، سيهمل گلگامش مظهره من أجله. سيطلق شعره ويلف جسده بجلد أسد ويجوب السهوب ويهيم على وجهه في القفار والبراري بسببه. وكل هذا التقدير شرف عظيم له، شرف يخزي من يأتي على ذكره بلائمة أو يهينه بعد رحيله عن الدنيا.

يخفف الإله شمش نوعا ما عن الآم ومخاوف أنكيدو، ولذلك يتراجع عن لعناته لشمهات، بيد أن صحته تزداد سوءا، إذ كان يعاني من شدة الأوجاع في معدته. يتقلب على فراش مرضه وحيدا ثم يناجي گلگامش ليقص عليه حلما ثانيا راوده الليلة الفائتة فأزعجه كثيرا كسابقه. يروي له بأنه بينما كان واقفا زمجرت السماء وبدأ الرعد يعانق الأرض. ظهر أمامه فجأة شاب مخيف يشبه وجهه نسرا أسودا فأمسك به بمخالبه، وكأنها مخالب أسد، وبدأ يضيق الخناق على رقبته حتى كادت انفاسه تتقطع. شعرأنكيدو أن بدنه تبدل تماما وأن يداه اضحتا كجناحي طير كساهما الريش. يمضي أنكيدو قائلا بأنه جرّده من ملابسه وربطه ثم اقتاده بعيدا إلى دارجهنم، دارتكسوها العتمة. إنها دارالظلمات، تلك الدارالتي لا يدخلها نور. إنه عالم الأموات، عالم لا يرجع منه من دخله. يضيف أنكيدو بأنه رأى ملوكا وحكاما وقد تجردوا من تيجانهم. كان زادهم الطين والتراب، كبقية القوم، بينما كان طعام وشراب نواب الآلهة آنو وأنليل اللحم المشوي والخبز والماء البارد. وفي نهاية حلمه، يخبر گلگامش بأنه عندما وجدت آلهة العالم السفلي إسمه على قائمة الوافدين رفعت رأسها وقالت: من أتى بهذا الرجل هنا؟ وبما أن أنكيدو شعر بأن نهايته المحتومة قد قربت، تودد إلى گلگامش راجيا منه تخليد صداقته إلى الأبد. يشتد المرض بأنكيدو ويلزم فراشه لأثني عشر يوما متتالية متمنيا لو سقط في ساحة الوغى كبطل، ولكنه يستدعي گلگامش ليلفظ انفاسه الأخيرة مستسلما لقدره بعد صراع مرير مع المرض الذي هزمه.

اللوح الثامن

 

        يبدأ گلگامش باعداد طقوس الحداد لصديقه أنكيدو بدءا بدعوة سكان أوروك قاطبة ومحاكاة الاشجار والأنهار والحيوانات البرية ومناجاتهم بهذا المصاب الجلل. يفصح عما يجيش في صدره من حزن ويعلن بأنه سيبكيه بمرارة كنحيب النسوة. لم يصدق گلگامش حقيقة أن صاحبه رحل عنه إلى غير رجعة. كان يعتقد بأنه في سبات عميق فهزه لكي يستيقظ فلم يستجب. تحسس قلبه ولم يشعر بدقاته. حينئذ فقط أدرك تماما بأنه فارق الحياة. يغطي گلگامش وجه صديقه أنكيدو كما تبرقع العروس وجهها. يحوم حوله كالنسر ويذهب جيئة وذهابا أمام فراشه ويتمعن النظر فيه ويزأرمثل لبوة سقط شبلها في حفرة. ينتف ظفائره ويمزق ملابسه الجميلة ويرميها أرضا كما لو كانت نجسة.

وما أن لاح أول خيط من خيوط الفجر حتى راح گلگامش يدعو الحرفيين لمعاونته في صنع تمثال من اللازورد والذهب لصديقه. يعد أنكيدو مرة أخرى بأنه سيلزم الجميع على وجوب تكريمه بإعلان الحداد الرسمي على وفاته. أما هو، فأنه يتعهد بأنه سيطلق شعره وينبذ الملابس الفاخرة ويلبس عوضا عنها جلد الأسود ويجوب السهوب والبراري هائما على وجهه. يبدأ گلگامش بعد ذلك بانتقاء الاحجار الكريمة وجمع الكنوز المختلفة التي سترافق صديقه إلى العالم السفلي من أجل إرضاء الآلهة والشياطين هناك. يصف گلگامش هذه الهدايا بقدر كبير من التفصيل، ويختتم طقوسه بفتح باب خزينته وجلب طاولة كبيرة من الخشب الثمين وملأ وعائين من اللازورد، احدهما بالعسل والآخربالزبدة. يزين كلا الوعائين بزينة تليق، على ما يبدو، بإله الشمس كي يرضى عما فعله وسيفعله لصديقه أنكيدو وفاء له.

اللوح التاسع

 

     وما أن انتهت مراسيم الدفن حتى يصاب گلگامش باكتئاب عميق وحزن دفين على فراق خلـّه ويبكيه بمرارة. من أجل أنكيدو يأخذ طريقه إلى المجهول هائما في السهوب والبراري وخائفا من ذات المصير المحتوم الذي أودى بحياة رفيق دربه، بل ومذعورا من الأسود التي كان يفتك بها في سالف الأيام. يتذرع إلى الإله سين، إله القمر، كي يبعد عنه هاجس الخوف من الموت ويبتهل إلى عظيمة الآلهات لتحميه وتبعده عن أي مكروه وتسانده في مشواره. يحث الخطى في القفار وبين الجبال بحثا عن جده الخالد أوتو- نبشتم، أبن أوبارا - توتو، القابع في أقاصي الدنيا ليسأله عن سر الخلود. 

وبحلول الليل يأخذ گلگامش قسطا من الراحة فيخلد إلى النوم. وأثناء نومه يراوده حلم جميل فيوقظه. يرى في هذا الحلم بأنه كان محاطا بأسود تمرح في ضوء القمر. تفائل خيرا فاستعاد بأسه ورفع فأسه واستل سيفه لينقض عليها كالسهم فيضرب اعناقها ويمضي في سبيله. يصل في نهاية المطاف إلى جبال التوأم التي تحرس مشرق الشمس ومغربها. تعانق قمم هذه الجبال العملاقة كبد السماء وتستقرقواعدها في بواطن العالم السفلي ويقوم بحماية مداخلها رجل وزوجته، نصفهما أنس والنصف الآخر وحش مرعب يشبه العقرب.

يصيب گلگامش الهلع لأول وهلة عندما يرى المخلوقين المرعبين فيغطي وجهه فزعا، لكنه يستجمع قواه أخيرا ويتقدم منهما بحذر. ترتسم على وجهي الرجل العقرب وزوجته علامات فضولية أكثر مما هي عدوانية، بل ربما انتابهما شعور بالأسى والأسف والشفقة على الحالة المزرية التي كان عليها گلگامش. وإن بدا وجهه شاحبا، فقد أدركا للحال بأن جزءا من تكوينه إلهي. يسألانه باستغراب عمن يكون وما غايته في قطع كل هذه المسافات والطرق الوعرة التي سلكها وما وجهته، فيجيبهما بأنه يقصد جده الخالد أوتو - نبشتم بحثا عن سر الحياة الأبدية ولغزها. يحاول الرجل العقرب أن يثني گلگامش عن عزمه في البحث عن المستحيل لأنه لم يسبق لأي انسان وأن حاول اجتياز مسالك تلك الجبال العصية التي يلفها ظلام دامس ويقتضي عبورها مدة اثنتي عشر ساعة مضاعفة. ولكن گلگامش يؤكد بأنه ليس لديه خيار آخر ولا يمكن العودة إلى الوراء.

يوافق الرجل العقرب على مرور گلگامش والمضي قدما. ودون تردد وبغية كسب الوقت، يخطو گلگامش باتجاه مسار الشمس. إنه يحتاج إلى اكمال مسيرتها من خلال جبال التوأم قبل أن تنشر الشمس خيوطها وإلا ذهبت جهوده ادراج الرياح. وهذا يعني بأنه كان عليه أن يخوض سباقا مع الزمن لكي يتمم رحلته بنجاح. يندفع إلى الأمام لمدة خمس وست وسبع وثماني ساعات مضاعفة خلال ظلام دامس لا يسمح له أن يرى أمامه بوضوح أو أن ينظر إلى الوراء. ولكن بعد أن قطع تسع ساعات مضاعفة، يشعر بهبوب الرياح الشمالية وهي تلفح وجهه، بيد أنه ما يزال غير قادر على الرؤية بجلاء حتى تلك اللحظة. لذلك كان عليه أن يتحمل ساعة مضاعفة أخرى في تقدمه. ولكن عندما زفت الساعة الحادية عشرة مضاعفة، يدرك گلگامش أن رحلته القاتلة قد اكتملت مع ظهور أول خيوط الشمس. وبعد اثنتي عشرة ساعة مضاعفة بالتم والتمام يبصر نورا متألقا فيجد نفسه في جنة تتدلى من أشجارها وأشواكها أحجار كريمة تحبس الأنفاس وتأخذ بالألباب لما تتمتع به من جمال ساحر. يبدأ گلگامش بالتجول في هذه الحديقة الخلابة حرا طليقا لم يلحظ وجوده أحد.

اللوح العاشر

 

      يستأنف گلگامش رحلته. يقترب من نزل على شاطئ البحر تعيش فيه امرأة تديرحانة للخمر تزهو بمعدات تخمير وأقداح وأوعية مصنوعة من الذهب. تلحظ سيدوري، صاحبة الحانة، گلگامش من بعيد فتتحجب على الفور وتأخذ الحيطة والحذر بعدما توجست بأن القادم قد يكون لصا أو مجرما. ما أثار شكوكها كان لباس گلگامش الجلدي وشعره الأشعث ومظهره المزري. لذلك اقفلت بابها بوجهه. ولكن ما أن سمع گلگامش صرير الباب حتى راح يزجرها ويهددها بكسره والدخول عنوة. يحاول أن يقنعها بأنه گلگامش، ذلك البطل الذي قضى على همبابا الوحش ونحر ثور السماء وصرع الأسود. تظل سيدوري متوجسة من هويته لأنها لم تصدق أن يظهر الأبطال بمظهر يرثى له حيث كانت الكدمات تملأ وجهه. ولكن بعد أن امطرته بوابل من الأسئلة وتبددت مخاوفها تعبرعن رغبتها في سماع قصته وتأذن له بالدخول.

 يروي گلگامش حكايته من ألفها إلى يائها ويعزي سبب حالته المزرية إلى رحيل خلـّه عن الدنيا التي شاطره فيها بطولاته. تستمع سيدوري إلى شرحه المسهب وكلها آذان صاغية. تتعاطف معه. ولكن قبل أن تقول كلمتها وتسدي له النصح، يطلب گلگامش منها أن تدله الطريق إلى أوتو - نبشتم، وإذا ما فشل في تحقيق هدفه، فهذا يعني بأن قد كـُتب عليه ان يجوب السهوب والقفار والبراري لبقية حياته. تحذره سيدوري بقولها أنه ما من أحد عبر البحر سوى الإله شمش لأن مياه الموت تغمره وتعيقه من ركب امواج البحر. وعوضا عن المخاطرة بحياته، تنصحه بأن يتمتع بالحياة وملذاتها وأحكامها لأن الآلهة استأثرت بالخلود وحكمت على البشر بالفناء. ولما كان گلگامش مصرا على اتمام رحلته مهما كلف الثمن، تضطر سيدوري إلى ارشاده. تقول له بأن هنالك مراكبي أسمه أور - شنابي في وسط الغابة، وهو ملاح يعمل عند أوتو نبشتم، وأن بحوزته قارب متين مزود بصور حجرية تدله على طريقه، وعليه أن يركب البحر بصحبته.

وما أن سمع گلگامش بهذا الخبر السعيد حتى انتفض من مكانه وشد قبضته على فأسه واستل سيفه وشرع يجوب الغابة بحثا عن المراكبي أور- شنابي وقاربه المزود بالصورالحجرية. يباغت گلگامش المراكبي ويمسك به. وليطفأ سورة غضبه، ينقض على الصورالحجرية ويبدأ بتكسيرها ورميها في البحر. يتفاجأ المراكبي من فعلته، ربما بسبب الخوف الذي تملكه. يفصح عن هويته أولا، ثم يطرح على گلگامش ذات الأسئلة التي طرحتها عليه سيدوري، صاحبة الحانة. يعرّفه گلگامش بنفسه، ثم يقص عليه قصته ويندب حظه بفقدان صديقه أنكيدو الذي دفعه ليركب المخاطر من أجله. ولكي يجتاز گلگامش بحرالموت، يطلب من أور- شنابي القوي والخبير معاونته. يتفاعل المراكبي مع مأساة گلگامش ويتعاطف معه، غيرأن گلگامش قوّض فرصته الأخيرة لعبور مياه الموت وتحقيق مراده لأنه من دون الصور الحجرية التي حطمها بكلتا يديه وألقى بها في البحر لن يكون بمقدوره انجاز مهمته. ورغم ضياع هذه الفرصة، يجد له أور- شنابي بديلا نافعا. يشير إليه بتناول فأسه والذهاب إلى الغابة وقطع ما تيسر له من خشب يصلح لصنع عدد كاف من المجاذيف تمكنهما من الإبحار بيسر.

يصعد گلگامش والمراكبي إلى القارب بعد اتمام مهمتهما بنجاح. يكملان رحلتهما البحرية التي تستغرق شهرا ونيف وفق الحسابات التقليدية في ثلاثة أيام. وعندما يصلان حدود مياه الموت، يحذ ّرالمراكبي گلگامش بألا يلمس الماء لكونه ساما، وإنما عليه استخدام المجاذيف حصرا لتسيير القارب، ولكن گلگامش استنفذ كل المجاذيف التي بلغ تعدادها مائة وعشرين بسبب عمق البحر مما اضطره إلى استبدال مجذاف بعد آخر في كل دفعة قارب إلى الأمام. ولذلك يشمـّر گلگامش عن ساعديه وينزع ثيابه وينشر القلوع بيديه.

يشاهد أوتو - نبشتم القارب من بعيد وعلى متنه تابعه أور- شنابي وشخص ثان. يستغرب مثلما استغربت سيدوري، ساقية الحانة، عندما لمحت گلگامش ويتساءل عمن هشـّم الصور الحجرية الخاصة بالزورق وعمن يكون الشخص الثاني. يستنتج أن الشخص الثاني على متن القارب لابد أن يكون غريبا وجاء في طلب ما. يلتقي گلگامش بجده الأكبر أوتو نبشتم ويدور بينهما حديث طويل. تتكرر الأسئلة والإجابات، كسابقاتها مع سيدوري وأور شنابي، فيستطرد گلگامش قائلا أنه كان عليه أن يلتجأ إلى جده الأكبر في أقاصي الدنيا بعد مخاض عسير في قطع المسافات الشاسعة ليقص عليه قصته الحزينة ويضع حدا لكآبته. 

قبل أن يلقي أوتو - نبشتم محاضرة عميقة الدلالات على اسماع گلگامش، ينعته بالأحمق لعدم قدرته على التمييز بين المشورة والهراء. يطلعه على الحقيقة المرة التي تفيد بأن الآلهة هي التي تتحكم في مصائر البشر منذ لحظة ولادتهم وأنه يرهق عقله وجسده في مقارعة قانون الخلق والحياة والموت. يسترسل أوتو - نبشتم في عظته فيقول بأن الحياة تدب وتستمر في جميع المخلوقات لكن الموت يأتي إليها زاحفا بصمت وينهيها بضربة قاضية، تماما كما تشاء الآلهة العظام، ولا يعلم أحد من البشرمتى يحين الأجل سوى الآلهة التي قررته سلفا ولكنها لا تعلن عن موعده جهرا. يصغي گلگامش باهتمام بالغ إلى عظته المليئة بالحكم، فيقول له أوتو - نبشتم بأن الموت قاس لا يرحم أحدا، ويتساءل: هل تدوم الدار التي نبنيها أو العقود التي نختمها؟ وهل يقتسم الأخوة ميراث آبائهم ليبقى حتى انقضاء الدهر؟ وهل تبقى البغضاء إلى الأبد؟ وهل يفيض النهر على الدوام؟ لا تكاد الفراشة تخرج من شرنقتها حتى تبصر الشمس ويحل أجلها، وما كان هنالك ديمومة وخلود منذ غابر الأزمان. ويختتم أوتو نبشتم عظته مشبـّها النوم بالموت والعبد بالسيد متى ما حان أجلهما. 

اللوح الحادي عشر

 

لم يقتنع گلگامش بما أورده أوتو - نبشتم عن الخلود لأنه هو نفسه كان خالدا. وإن كان أوتو - نبشتم لا يختلف عن غيره من البشر كما يبدو للرائي، إلا أن گلگامش تساءل كيف له أن ينعم بالخلود ما لم يكن قد سعى إليه بطريقة ما ومنحته إياه الآلهة العظام. ولكي يريح گلگامش، قرر أوتو - نبشتم أن يكشف له عن سر دفين يعود به إلى قصة الطوفان التي راح يسردها على مسامعه كالتالي: منذ أمد بعيد، قررت الآلهة العظام إحداث فيضان من شأنه القضاء على جميع أشكال الحياة على الارض. ولكن إله المياه، إيا، انشق عنهم وراح يهمس في كوخ من القصب يسكنه رجل من مدينة شـُري باك، وهو نجل أوبارا -  توتو، ويحثه على تهديم كوخه  وتحميل ضروراته في سفينة والتخلي عن أملاكه والفرار بجلده. كان هذا الرجل هو أوتو -  نبشتم عينه، الذي بدا سعيد جدا بما أوعز به الإله إيا، ولكنه عبـّر عن خشيته من أقاويل واستغراب قومه إزاء ما هو مقدم عليه. يطمأنه إيا بحبك رواية مقنعة مفادها بأن عبده المطيع، أوتو -  نبشتم، قد غضب منه الإله أنليل وبدأ يبغضه، ولهذا كان عليه ترك المدينة لأهلها دون رجعة والنزول إلى اعماق المياه حيث يقيم ربـّه إيا بدعوة منه. كما عليه أن يعد قومه بأمطار غزيرة تزيد من غلالهم وخيراتهم وتكثر من طيورهم وأسماكهم. وما أن انتشر الخبر حتى راح أهل المدينة، صغارا وكبارا، بالتجمع حوله مع انبلاج الصبح مقدّمين له أنفس الهدايا والعطايا قرابينا، ومن بينها أغنام السهوب وما كان يحتاجه لبناء السفينة.

 يسترسل أوتو -  نبشتم في قص روايته على مسامع گلگامش فيقول بأنه بدأ العمل في بناء السفينة الذي استمر سبعة أيام حسب المواصفات التي زوّده بها إيا، إذ كان ينبغي أن يكون طولها بقدرعرضها وأن يسع حجمها كل ما قدّر له أن يكون على متنها من أحياء ومؤن. ولم يبخل على العاملين معه بشىء، فقد نحر لهم الاغنام والبقر وأقام لهم الولائم وسقاهم ما طاب ولذ ّ لهم من عصير الكرم والخمر الأبيض والأحمر ليدخل السرور والبهجة إلى قلوبهم، كما لو كان احتفالا برأس السنة. وعند مغيب الشمس في اليوم السابع كانت السفينة محملة بممتلكاته ومقتنياته من ذهب وفضة فأركب أهله وذويه وجميع أقاربه وبعض الحرفيين ممن خدموه، إضافة إلى أزواج من الحيوانات الأليفة والبرية وبذرة عن كل حياة. وأردف أوتو -  نبشتم قائلا بأنهم واجهوا صعوبات جمة في إنزال السفينة إلى المياه بسبب ضخامتها. وقبل أن تنطلق السفينة في موعدها كما حدده الإله شمش وجاء مطابقا للإنذار الذي تلقاه من إيا، سلـّم أوتو -  نبشتم دفة قيادة ذلك الهيكل العملاق بكل طوابقه العليا والسفلى وما تحتويه إلى ربان محنك، هو المراكبي بوزر- أنليل (آموري)، الذي أحكم اغلاق باب السفينة إثر هبوب زوابع رعدية ممطرة بانتظار لحظة الانطلاق. 

اشتدت العواصف والأمطار طوال الليل وزادت حدتها وهيجانها مع خيوط الفجر الأولى، فبدأت تكتسح كل ما يعيق طريقها. اقتلعت الشجر والحجر وحطمت السدود التي فاضت مياهها. انشقت الأرض وابتلعت ما عليها. ظلت زوابع الريح الجنوبية تزمجر وتفتك بكل شىء يوما كاملا، وكأنها حرب ضروس، حتى غمرت المياه السهول والجبال. بلغ عنفوانها عنان السماء فأحالت كل نور إلى عتمة واختلط الحابل بالنابل بحيث تعذرت الرؤية تماما. لم يسلم حتى الآلهة العظام من ذلك الدمار الذي احدثه الطوفان، فقد ارتعدوا هلعا وفرّوا صوب السماء وربضوا كالكلاب عند بوابتها متشبثين ببعضهم البعض وكلهم نحيب وعويل وندم على ما أقروه في اجتماعهم المشين. وإن تعطلت لغة الكلام، فقد انتفضت عشتار مذهولة تصرخ كمن تعاني من الآم مخاض ساعة الولادة وتعبرعن أسفها وندمها لأنها شاطرت قرار الآلهة العظام في تسليط دمارغير محسوب النتائج على خلقها.

استمرت العواصف والأمطار ستة أيام وسبع ليال، ولم تهدأ سوى في اليوم السابع. فتح أوتو -  نبشتم كوة سفينته فأبصر نورا. تأمل الخراب الذي دمر كل شىء وأحاله إلى مجرد كتل طينية متناثرة. تملكه الحزن واليأس والقنوط فخرّ على ركبتيه راكعا ومنتحبا والدموع تنهمر من مآقيه. وفي نهاية المطاف، استقرت السفينة على جبل نيموس وظلت هناك لمدة سبعة أيام. أطلق أوتو -  نبشتم في اليوم السابع حمامة، ولكنها عادت خائبة لأنها لم تجد ما تحط عليه. ومن ثم عاود الكرّة فأرسل طائر السنونو الذي عاد خائبا أيضا. حاول ثالثة مع غراب. وما أن اطلق سراحه حتى راح الطير يحوم بشكل دائري ويحلق بعيدا دون رجعة، فأدرك أوتو -  نبشتم أن المياه قد انحسرت وأضحت اليابسة على مقربة منه، الأمر الذي جعله يطلق سراح جميع طيوره في الاتجاهات الأربعة.

وما أن لامست قدمه الأرض اليابسة حتى راح يقرب القرابين للآلهة باتجاه الرياح الأربع. أعد سبعة قدور وكدّس تحتها حزما من نبات القصب الحلو والآس وخشب الإرز ففاح عطرها مما قادت رائحتها الزكية الآلهة إلى موضع أوتو نبشتم، فاحتشد الآلهة حول قرابينه كالذباب لأنهم لم ينعموا بتلك التقدمة من البشر لوقت طويل بسبب الطوفان. تعهدت عشتار على نفسها بأنها لن تنسى الذي حصل وأقسمت بأنها ستحظر أنليل من التواجد بينهم في ذلك التجمع لأنه لم يترو في قراره وهو الذي تسبب في حدوث الفيضان وهلاك من هلك. ولكن من البديهي أن يكون أنليل على مقربة من هذا التجمع لأنه شاهد السفينة واستشاط غضبا، فقد استاء من الآلهة الذين خططوا لنجاة بعض  البشر من الفيضان المدمر وإبقائهم على قيد الحياة. ألقى الإله نينورتا باللوم على إيا، ولكن إيا حاول اظهار براءته مشددا على حقيقة أن أنليل هو المسؤول الوحيد عما حدث من هلاك، إذ كان الأجدر به وهو الرحيم العليم، أن يتقدم ببدائل أقل فتكا، كهيمنة الحيوانات البرية على البشر أو تفشي المجاعة والطاعون بينهم  أو تسليط الآفات على مزروعاتهم. لم يفصح أوتو - نبشتم عن سر منحه صفة الآلوهية لحد هذه اللحظة، لا بل لم يفشه لأحد من قبل، لكنه أخبر گلگامش بأنه تراءى له كل شىء كحلم، واسترسل في سرد قصته قائلا بأن الإله أنليل كان مسرورا من دفاع إيا، ولذلك دخل السفينة يدا بيد مع أوتو - نبشتم وزوجته وأعلن على الملأ خلودهما، تماما مثل الآلهة. ثم اقتيد أوتو - نبشتم وزوجته إلى مصب النهر للعيش إلى الأبد.

وفي ختام روايته، يكرر أوتو - نبشتم على مسامع گلگامش بأن قصته حالة فريدة لا تتكرر، ولا يمكن أن تناظرها حكايته مع صديقه أنكيدو، بل لن يكون هنالك طوفان آخر. ومع ذلك، فأن أمام  گلگامش فرصة واحدة للفوز بالحياة الخالدة، وإن كانت صعبة التحقيق. إذا تمكن گلگامش من مقاومة النوم لمدة ستة أيام وسبع ليال، نال حياة الخلد. يقبل گلگامش التحدي بلهفة على الفور، ولكنه يغط في نوم عميق من حيث لا يدري، كما لو سحره ضباب كثيف ولفـّه بين ثناياه، بينما هو جالس على الأرض كالقرفصاء. تشعر زوجة أوتو - نبشتم بالأسى حياله وتطلب من زوجها أن يتلمس گلگامش كي يستيقظ ويعود سالما من حيث أتى. ولما كان أوتو -نبشتم، الحكيم الذي أنقذ الإنسان من الفناء، يعلم جيدا أن المخادعة شيمة من شيم البشر، أمر زوجته بأن تعد لرحلته أرغفة من الخبز ووضعها عند رأسه وعدّ الأيام التي ينام فيها، وذلك بوضع علامة على الحائط لتبيان مجموعها. كانت سنـّة من النوم قد أخذت من گلگامش مأخذا، ولكنه لم يكن يعلم بأنه حط في سبات عميق استمر سبعة أيام إلا عندما مسّه أوتو - نبشتم في اليوم السابع فاستيقظ ليخبره بقصة الخبزالذي يبس الرغيف الأول منه في اليوم الأول من نومه وتعفن الثاني في اليوم الثاني بينما كان الثالث ما زال رطبا في اليوم الثالث. وبينما اكتست قشرة الرغيف الرابع بياضا في اليوم الرابع، حافظ الرغيف الخامس على طراوته في اليوم الخامس من نومه. أما الرغيف السادس فقد كان صالحا للأكل، بينما كان السابع في اليوم السابع لنوم گلگامش ما زال على الجمر.

يخسر گلگامش رهانه ولم يبق أمامه سوى العودة إلى دياره خائبا ليلاقي حتفه. يتذرع إلى أوتو - نبشتم ليجد له مخرجا من ورطته، ولكن توسلاته تذهب سدى لأن أوتو - نبشتم لم يعد يتحمل إصراره، بل راح يعنف ملا ّحه الخاص، أورو -  شنابي، بسبب استقدامه دخيلا على شواطىء موطنه، ويقول له بأنه لم يعد موضع ترحيب أيضا وعليه الرحيل عن عالمه إلى غير رجعة. وفي الوقت عينه، أمره بأن يأخذ گلگامش إلى موضع الاغتسال كي يزيل عنه ما تعلق به من أوساخ خلال رحلته ليبدو نظرا كالثلج وأن يتخلص من ملابسه الجلدية القذرة ويهذب شعره ويلبسه حلـّة تكسي عريه وتليق بجماله وأن يرافقه في رحلته راجعا به من حيث قدم. ينفذ أور  - شنابي ما أمر به سيده ويصعد مع گلگامش إلى متن القارب الذي أقلهما. وبينما يستعدان لإنزال القارب إلى المياه والشروع في الابحار، تتدخل زوجة أوتو - نبشتم بأمرگلگامش ثانية وتقول له بأن الرجل حلّ ضيفا عليهما بعدما أنهكته المسافات الشاسعة التي قطعها بحثا عنه وهو يستحق أن نمنحه هدية بمناسبة رحيله. يذعن أوتو - نبشتم لشفاعة زوجته ويقرر في تلك اللحظة أن يدرك گلگامش قبل اقلاعه ويفشي له سرا ثانيا من أسرار الآلهة. يقول له بأن هنالك نبتة تنمو في اعماق المياه، وتشبه وخزة أشواكها تلك التي يخزها شوك الورد تماما، فإذا ما عثر عليها عليه التقاطها لأنها تجدد القوى. ورغم أنه لا توجد أية ضمانة بالخلود، إلا أنها تطيل العمر وتساعد في تأجيل الشيخوخة والوفاة إلى حد ما.

وما أن سمع گلگامش بهذا النبأ المفرح، حتى راح يربط حجرا ثقيلا بكلتا قدميه كي تمكنه من الغوص إلى اعماق المياه. بحث في أثر النبتة فأبصرها. كاد أن يغرق بعدما اقتلع تلك النبتة التي لا تقدر بثمن وأدمت أشواكها يديه. يتمكن منها ويصعد بها إلى سطح المياه سالما غانما، ولكنه لم يكن متيقنا من قدرتها على ما تنبأ به أوتو -  نبشتم بسبب الحيل التي يحملها في جعبته. يقول گلگامش للمراكبي أورو -  شنابي بأنه سيأخذ النبتة العجيبة إلى أوروك ويطلب من مسنـّي أهل مدينته أولا الأكل منها ليتأكد من صحة ادعاء أوتو -  نبشتم ويبقي له شيئا منها عندما يدركه الشيب.   

 وبعد أن قطعا البحر وسارا عشرين ساعة مضاعفة، توقف گلگامش والمراكبي أورو -  شنابي لتناول الطعام. ثم بعد ثلاثين ساعة مضاعفة، توقفا ثانية ولكن ليمضيا ليلتهما. أبصر گلگامش بركة من المياه الصافية ورغب في أن يغتسل بها لبرودتها. وضع نبتتة الثمينة على حافة البركة دون مبالاة. وما أن نزل إلى البركة حتى شمّ ثعبان خرج من المياه رائحة النبتة وراح يزحف إليها بصمت ويختطفها ويولي هاربا ليعود بعدها بحجم أصغر وبجلد جديد. تيقن گلگامش من مفعول النبتة التي لم يقتف لها أثرا، فانهار تماما وبدأ يبكي وينوح بمرارة على فقدانها ويستجدي العزاء من أورو -  شنابي على ما آل إليه مصيره. يصبح گلگامش منهك القوى ويندب حظه لأن كل الذي جاهد من أجله صار من نصيب أسد الأرض، ولم يجن شيئا مما ضحى لأجله سوى العودة سالما بجلده من حيث أتى.

يقرر گلگامش العودة إلى أوروك بصحبة أورو -  شنابي، ولكن الغريب في الأمر، يستعيد گلگامش عافيته أثناء عودتهما بعد ان كان لتوه منكسرا وتتبدد أوهامه وأحلامه ويشعر بالفخر والاعتداد بالنفس. ولهذا فأنه يدعو رفيق رحلته ليرتقي جدران أوروك ويتأمل أسسها المتينة وآجرها المفخور ويلقي نظرة فاحصة على محيط المدينة وسهولها ويمتع ناظريه بحقولها وببساتين نخيلها الباسق وروعة هيكل عشتار.

اللوح الثاني عشر

يفقد گلگامش لعبة، ربما كانت آلة موسيقية، قيل أن عشتار كانت قد صنعتها له خصيصا من خشب شجرة اقتلعتها الريح الجنوبية وجرفتها مياه الفرات فانتشلتها ثم غرستها في بستانها المقدس ورعتها كي تصنع منها سريرا وكرسيا، لكنها اكتشفت بعد أن ترعرعرت وكبرت أن ثعبانا اتخذ أسفلها مأوى له وأن طيرا بريا حط عليها فبنى عشا لفراخه وأن شيطانة سكنت منتصفها مما أحزنها. وما أن هبت عشتار لنجدة گلگامش حتى راح ينشد مساعدة شباب أوروك لاقتلاعها من جذورها وقصها. قيل أن لعبته سقطت في حفرة عميقة ولم يستطع استعادتها رغم محاولاته العديدة، فبكى بكاء مريرا وندب حظه على فقدان هديته. ولما علم أنكيدو بحزن گلگامش، إستجاب لنحيبه وقرر النزول إلى عالم الأموات من أجل استعادة لعبته. يخاف گلگامش على خلـّه أنكيدو فيرشده من أجل أن يعود سالما إليه. ولذلك ينصحه بألا يتهندم بملابس زاهية ويلبس نعلا أو يعطر جسمه بعطور نفاذة كي لا يثير شكوك من يحوم حوله ويبعد الشبهات عنه. ينصحه أيضا بألا يحمل عصا أو يرمي رمحا فقد يصيب أحدهم. على أنكيدو ألا يقبـّل الزوجة التي أحبها أو يعنـّف الزوجة التي نبذها فيما لو صادفهما. كما وجب عليه ألا يقبـّل الإبن الذي أحبه أو يضرب الإبن الذي أطار صوابه. وتتلخص تعليمات گلگامش بألا يحدث أنكيدو أي ضجيج يثير الانتباه. ولكن أنكيدو يخالف الوصايا فيقع فريسة سهلة بين مخالب الأموات.  

 

يبكي الملك گلگامش، إبن نينسون، بمرارة على صديقه الذي قبض عليه فيتوجه أولا إلى أنليل ومن ثم إلى إيا معبرا عن حزنه وألمه لفقدان خلـّه من أجله وطالبا منهما العون لاستعادته، ولكن لم يستجب أياً من الآلهة لتوسلاته ونحيبه، بيد أن مساعيه تتكلل بالنجاح مع الإله شمش الذي استجاب لطلبه وأعاد روح أنكيدو من العالم السفلي. يعانق گلگامش شبح أنكيدو ويلتئم شملهما لبعض من الوقت. يطرح عليه گلگامش أسئلة كثيرة عن الأوضاع في العالم الآخر. ويبدو من الصورة التفصيلية القاتمة التي يرسمها أنكيدو عن عالم الأموات بأن قلبه الذي كان يعشقه گلگامش ويغمره بفرح عارم عندما كان ينبض بالحياة تعشعش الآن فيه ديدان وتتغذى عليه. يطير صواب گلگامش ويصرخ ويبكي ويمرغ نفسه بالتراب. يستمر أنكيدو في سرده قائلا بأن أولئك الذين يحيون ذكراهم في عالم الأحياء ويقدمون لهم ذخرانا يشعرون بالغبطة والسرور. وبالمثل، فأن أولئك الذين لقوا حتفهم في منازلة شريفة يحظون بالرعاية الجيدة. ويسأله گلگامش عن أولئك الذين يموتون في العراء دون أن يحظوا بمراسيم دفن، فيجيب أنكيدو بأن قرارا لم يصدر بحق هؤلاء. أما أولئك الذين أضحوا في طي النسيان بعد أن واراهم التراب وليس هنالك من يقدم لهم ذخرانا جنائزيا أو أضحية من أجل راحة نفوسهم  في عالم الأموات فأنهم يقتاتون على فضلات الطعام التي ترمى في القمامة.

 

 

وينتهي اللوح الأخيربشكل مفاجئ، إلى حد ما، بما بدأت به الملحمة:

هو الذي رأى كل شىء.

خاتمة

بينما كنت أسطر إعادة كتابة ملحمة گلگامش نثرا وردتني عدة تساؤلات وملاحظات عن لفيف من أصدقائي وزملائي وطلابي وبعض القراء ممن لا تربطني بهم سابق معرفة عما إذا كان هذا العمل ترجمة عن الأصل أو ترجمة لترجمة معينة عن الأصل، فأجبتهم بأنها ليست ترجمة بالمعنى الدقيق للترجمة، وإن كانت في بعض مفاصلها ترجمة توفيقية أو توليفية، غير أن ترجمة المرحوم طه باقر إلى الشعر عربيا ساعدتني الكثير في حبك الملحمة سرديا، بيد أنني اعتمدت على تراجم شعرية ونثرية انكليزية قديمة وحديثة، ومن ضمنها دراسات نقدية، لم تسعف المنية الأستاذ الكبير طه باقر أن يطلع عليها، ومن بينها رسائل دكتوراه، اعتمدت النسخ البابلية والآشورية والكيشية وغيرها مما عثر عليه في الأناضول وفلسطين، وما زال البحث والتنقيب جاريا.  ورغم الجهد الجبار الذي بذلته في إخراج النص النثري بالشكل المنشور إلكترونيا على عدة مواقع، لا أعتقد بأنني ألبست النص الحلة التي تليق به، إن كان من حيث سلامة اللغة العربية أو بلاغتها أو حتى التفاصيل السردية. وخير مثال على ذلك، هو اللوح الثاني عشر التي تضاربت حوله الآراء لأنه يخرج عن التسلسل المنطقي للأحداث التي سبقته، بل وحتى في تفاصيله. وهذا يعني بالضرورة أن ما ورد في هذا اللوح هو محاولة توفيقية لربط سعي گلگامش وراء الخلود وإخفاقه ببعث أنكيدو وسرده عن عالم الأموات. وتجدر الإشارة إلى أن كتابة الأسماء الواردة في الملحمة ليست ذات أهمية كبيرة، إذ لا تؤخر وتقدم في فهم الملحمة طالما حافظ الكاتب على طريقة واحدة لرسمها، ومثال ذلك أسم "همبابا" الذي وجدته معربا إلى "خمبابا". على أية حال، سأترك أمر تقييم وتقويم النصوص الحالية للقارىء العاشق للتراث الرافديني القديم وأدبه العظيم وبانتظار ما يردني من ملاحظات، أيا كانت، لأنني سأعيد كتابة الملحمة وأزيل عنها كل ما علق بها من شوائب لغوية وأسلوبية وألحقها بدراسة نقدية وقائمة للمصادر، إن أمدنا الله بعمر أطول، وأنشرها ورقيا.

  وختاما، أشكر كل القراء الأعزاء الذين بعثوا بملاحظاتهم، كما أدعو من هذا المنبر أن تدرج الملحمة ضمن المناهج الدراسية المقررة،

 

 

=========================

*أ. د. دنحا طوبيا كوركيس - العراق/ جامعة الأردن

2/9/2010

gorgis_3@yahoo.co.uk

http://www.a-olaf.com/home/viewtopic.php?f=17&t=534&sid=d7b1148cbd9898440acfcf06d059ce0a

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,381950.0.html