الأدب

 صفحات خاصة 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 


 

 

سيدة بابل الأولى

و احتفالات أكيتو الأزلية

مقال :

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

 

        تيامات السيدة التي انجبت آلهة بابل العظام، تبدأ قصة الخلق من العدم وتؤسس لأعياد أكيتو بأشلاء جسدها منذ فجر التاريخ المدون. إنها القصة الاسطورية التي رواها البابليون الأوائل، قصة خلق السماوات وأجرامها والأرض وما عليها، إنها قصة تيامات، المرأة الحديدية الأولى في التاريخ، آلهة المياه المالحة التي اتخذت هيئة تنين كاسر، كما أنها قصة بعلها "أبسو"، إله المياه العذبة، الذي كان يشكوها صخب ذريتهم من الآلهة والآلهات، صخب الصبايا والشباب والجلبة التي يحدثوها ليلا مما كان يؤرق نومه. يروى أن "تيامات" كانت "أم رؤوم" في ريعان شبابها وحتى بعد وفاة زوجها "أبسو" الذي تآمر مع مدير اعماله لقطع أنفاس ذريته بسبب ضجيجهم. ولكن "تيامات" وقفت لهما بالمرصاد كي لا ينفذا ما سعيا إليه من إبادة، بيد أن الدسيسة شاعت فوصلت اسماع الآلهة الصغار الذين آثروا التصدي بحزم لهذه المؤامرة الدنيئة. لذلك قرر"أنكي"، أحد اولادهم، إله السحر والمياه العذبة والفنون وجميع الحرف، أن يتخلص منهما. سقاهما منوما ثم قضي عليهما، فانقلب السحر على الساحر. وإن كان منقذا لأخوته وأخواته، فقد ندم "أنكي" ندما شديدا على فعلته الشنيعة وحزن حزنا عظيما دفعه للرحيل عن ديار ابيه إلى اهوار "أريدو" التي بنى فيها معبدا تخليدا لوالده. رافقته في رحلته إلى الاهوار زوجته "دمكينا" التي احبها ورزقت منه الآله العجب جمالا وقوة وحكمة، الإله الاسطورة "مردوخ" الذي باركته جميع الآلهة.

وبمرور الأيام على نحر زوجها فقدت "تيامات" نضارتها وشرعت في التفكير بالانتقام له من ذريتها. أعدت العدة من اعتى مصادر الشر، وحوش اسطورية كاسرة مؤلفة من انواع التنين والأفاعي والعقارب والثيران الوحشية التي وضعتها بإمرة المهيب "قينكو" الذي سلمته فرمان الاقدار لتسهيل مهمة تنفيذ هجومه الكاسح. ولم يكن هنالك من خيار أفضل في المجابهة سوى "مردوخ" الشاب الإله الذي اختارته الآله، الشاب الذي فطر على الشجاعة، وإن لم يدخل معتركا حقيقيا، ولكنه حفيد "تيامات" قبل كل شىء، فقد اتسم بجرأة لم تعهدها الآلهة الشباب. حاول "قينكو" مراوغة "مردوخ" والالتفاف عليه ففشل. ثم استخدمت "تيامات" سحرها للانقضاض عليه وباءت بالفشل. لم ترهبه خلقتها "التنينية" فطلب منها منازلته فرديا. رضخت وابتهجت لهذا العرض. استخدمت فنون سحرها للنيل من "مردوخ"، ولكنه تمكن من ردها بزوبعة من رياح عاتية حاولت امتصاصها دون جدوى. وهنت، فانقض عليها ليمزق قلبها ويهشم جمجمتها. انتهى الصراع الدموي بفوز "مردوخ" جاعلا من أشلاء جدته "التنين" الكاسرالذي سقط من عليائه رموزا لأكيتو الخير. لقد اضحت عيون "تيامات" منابع دجلة والفرات، ونصف جسمها قبة للسماء، والنصف الآخر سمادا لأرض معطاء في بابل العظيمة التي اعادت للعالم العلوي والسفلي توازنه وبهجته. وهكذا حلت النعمة والبركة على شعب استطاع قهر القوة "الديكتاتورية" الغاشمة المتمثلة بالمرأة الحديدية، سيدة بابل الأولى، "تيامات" بفضل القرار "الجماعي" في اختيار "مردوخ" بطلا لأمة برعت في تدوين اساطيرها شعرا ونثرا، ودأبت على تلاوة ملحمة النصر المؤزر والخلق على رعاياها في احتفالات ما درج على تسميته بـ "أكيتو"، رأس السنة البابلية الذي نسخته شعوب المعمورة بتصرف (حتى القرن السادس عشر الميلادي) ونسبته إليها، مع شديد الأسف، ومنه "نوروز" الفارسي.

====================

*أ. د. دنحا طوبيا كوركيس - جامعة جدارا/ الأردن