أدب

كاتب و كتاب

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 

 

أعمال الأديب الأستاذ

سليمان نزال

      

شاعر و قاص و فنان فلسطيني

مقيم في الدانِمارك

sleimannazzal@yahoo.dk  

القصة

-1-

المفاتيح

قصة قصيرة بقلم : سليمان نزال

       عائداً من جرح المدينة إلى جرح الصمت..أصعدُ درجات الشتات..أصلُ الشرنقة..أ قفُ على عتباتها..أُدخلُ يدي في جيبِ سترتي الزيتونية, بحثاً عن مفتاح..أكتشفُ ضياعه في طريق..يكتشفُ القلق حيرتي..أضرب الباب بقبضتي الغاضبة..ثم أركله بقدمي..ضربات متلاحقة..يتهمني جاري التركي بالإزعاج..أشرحُ له المشكلة..يأتي معي..يجرب مفاتيحه..باب الشرنقة لا يستجيب..أتراجعُ إلى الوراء قليلا..ثم أهجم بكامل حزني و جسدي, على باب الشرنقة الثلجية مندفعاً..ألجُ دائرةَ المؤقت في منزلٍ بعيد كئيب..أرتمي على مقعد برتقالي..أنظرُ في صور خالدة على الجدران..أحدقُ في صورةِ المسجدِ السجين..

 تائهاً, أجلس أترقبُ عواصفَ إنتظاري..متنقلاً بين ظلال الوقت المُهجّر و نسيج فكرة تعادني.. و لا تأتي..أجوبُ قاعةَ الهمِّ ذهاباً و إياباً و لا تأتي..أتخيّلُ حزمة من سنابل تفتش في الغربة عن جبيني, أتخيلني أكتب شيئاً و ألمس أعطافَ و شناشيل البدايات.. بأصابعي..تتقدم مني مواسم من فرح و كبرياء..أراها تمرُّ بأضلاعي..دفقات من شذا الرجوع..أمشي على طريق مضاءة من الجانبين..أتحسسُ قلبَ الحكاية..أشعرُ أني إمتلكتُ مفاتيحَ البوح..أبصرها تتوهج على الأغصان..على البيادر..أحملُ بيدي حفنة قمح, أجدها ثقيلة..يتبين لي أنها تحتوي على بضعة مفاتيح ملونة..تتوهج.

 أخرجُ من طقوس أعالي الزفير..تتفرق دهشتي أسرارا, أهاجم المسافات بالصبر..أتحرك, أصحو, أتماسكُ, أعرفُ وجهتي, أطمئن على حالةِ السنديان, أقودُ صوتي إلى مهاد الأعراس و الجذور الباقية.

المفاتيح ذهبية..تصدر عنها إبتسامات ذهبية..يستقبلها بريد الحقول..يوزعها على الناس و المواعيد و الأشجار.

تدنو منها..تدلكَ على الصهيل..تشيرُ إلى الأبوابِ الكثيرةِ, تعرف بابك..آلاف آلاف الأيدي و حشود..ممسكة بمفاتيحها..

 * "المفاتيح" .. عنوان موحٍ ومختزل ورمزى

"
السرد" .. جاء مناسبا تماما فى المرحلتين.. مرحلة الغربة والضياع والإقامة الجبرية فى أرض ليست وطنا.. حيث استخدمت الألوان لتوظف توظيفا عكسيا.. رغبة من الكاتب فى أن يقول انه رغم جمال المكان ورغم تجهيزاته المتطورة ورغم ألوانه الزاهية .. إلا انه موحش .. كئيب.. باهت، فى حين أن المرحلة التالية فى السرد.. مرحلة العودة.. ورغم اختفاء الألوان.. إلا أن البهجة شاعت والحيوية تدفقت والحياة انطلقت تسرى فى النفوس.. وكأن الماتب أراد أن يقول لنا انه السعادة ليست شكلا وإنما هى إحساس داخلى

"
اللغة" أيضا وظفت توظيفا خادما للفكرة والتناول فجاءت معبرة ودالة ودافعة للنص نحو عقل القارئ وقلبه.. على سبيل المثال لا الحصر.. تشبيه مقر الإقامة فى الغربة بـ"الشرنقة" تشبيه أكثر من رائع.. خاصة إذا عرفنا أن التشرنق فى حياة الكائن ما هو إلا أحد أطوار نموه.. حيث يكمن فيها قليلا ثم يخرج منها فى طور آخر استكمالا لحياته.. إذن فالشرنقة هنا ليست مجرد لفظة عشوائية.. وإنما هى حالة راهنة مبشرة بمستقبل قادم وحياة مستمرة..
أيضا كلمات : الوقت المهجر، دائرة المؤقت، شذا الرجوع، أهاجم المسافات بالصبر..... أليست كل هذه الكلمات والتعبيرات إرهاصات بعودة كامنة لا تتزحزح من نفوس أحباء الوطن.. أليست تبشيرا بطور آخر من أطوار الحياة قادم لا محالة ؟

-2-

مجرد تشابه

قصة بقلم : سليمان نزال

دنيا الوطن

وقوف:
كانت واقفة على الشرفة, حولها كانت التواريخ تتقافز مثل الفراشات.و كان القلب..
دنتْ من المسكب الجوري, استقبلت الفوحَ بكلِّ جوارحها.
ثم أحضرت بعضَ الماء, رشتهُ على البراعم و المواعيد الخجولة.
على الباب الآخر كان يقفُ..ينتظرُ عودة طفله من المدرسة.
و كان يحملُ بيده مفكرة جديدة, كي يسجِّلَ فيها وقوف الزمن على محطات بعيدة.
مجرد تشابه!
استقرَّ المقام بصاحبنا ,ليأخذَ شقة في المدينة الثلجية, على حساب الحكومة! لم يكن مفاجئاً أن يفقد توزانه و هو يقارن, في تنهديدات, ما بين بيت الصفيح الذي كان يقطنه في المخيم , و سكنه الجديد الذي يحتوي على مطبخ و صالة و غرف نوم و تلفون و تلفاز و جهاز تدفئة و أثاث فاخر!
لكن فرحته لم تبلغ أوج الصدمات في معانقة عنان السماء, كما بلغتَ حين حصلَ على جنسية المراعي.. كنتُ أمشي إلى جانبه في الشارع العام. و إذا بمجموعة أشخاص يتصايحون و يشيرون إلينا. كلماتهم الهادرة الحانقة, أخذت تصل ,شيئاً فشيئاً, مسامعنا..لكن صاحبي قال بحبور:
- لا تقلق! هم يرسلون لي التهنئة, لأنني أصبحت مثلهم أوروبي!
- قلت: لكن أحدهم يوجه اصبعه العنصري نحوك, فتقبل هذا السخاء في إصبع!
- أجاب: لا تفهمها غلط! هي إشارة تضامن..
اقتربوا منا أكثر , عندئذِ, تذكرتُ شيئاً فقدته, تحت شجرة التوت.و لكني استطعت أن أميّزَ في تلك "التهاني" الممطرة شتيمة مقذعة..
صاحبي لم يكن يعرف اللغة..و كان اسمه من حيث اللفظ و النطق يشبه الشتيمة في لهجة تلك البلاد.

-3-

  عسل على عوسج

 

بقلم : سليمان نزال

sleimannazzal@yahoo.com

         كل يوم, أقدّمُ لها نجمةً هدية يوم جديد...تملأ حزائنها بالنجوم.. و ترسلني من حين إلى آخر لشراء خزائن..
بقيتُ على هذه الحال, أجمعُ لها الضياء في مستودعات و جوارير..إلى أن باغتني فضاء حبي لها برسالة من برق و عتاب تقول:
"أخذتَ لها أكثر مما طلبت..أكثر مما ينبغي لعاشق.. أعطيتك بلا سؤال أو حساب..فوجدتني أسامر وقتي بلا نجوم!, حرام عليك تتركني للظلام فريسة و مصيدة للوحوش"
كتبتُ لها: " آسف..لن تصعب عليك المهمة في صناعة السناء و الكواكب..بنيزك واحد تردّين على عتمةِ الأحوال..بشهاب منكِ تقهرين سواد المعادلات..أما أنا فقد أفلست, تقريباً..و صناديق حرقتي غارقة في حلكة الخيبات.."
ذهبتُ لحبيبتي و أنا أحملُ في يدي تفاحة صغيرة حمراء, و ابتسامة أكبر..زجرتني بعوسج على عسل, انتزعت من يدي تفاحة المعاذير و رمتني بها..
خلعت خاتمَ الشوقِ من يدها..و مضتْ قائلة:
- إذا كنت تدفعني للحرمان و العوز ,إلى هذه الدرجة.. و لا تستطيع أن تهديني مع مطلع كل شمس نجمة جديدة.أرى أن تفتش لكَ عن صبية أخرى.. فلعلها ترضى بتفاحتك هذه!
و أخذتُ أبحث..إلى أن شعرت بالوهن..و في اليوم العاشر من شهر الخصام, دخلت القلب زهرةٌ بدتْ مختلفة..مقتنعة بعطرها و ضيائها.
دنتْ مني, قالت: أنا نادمة..لا كنز َ بعد حبك..
كانت دموعها تتساقط على هيئة كواكب و التماعات حميمة.. و شرعتْ تدور في مجموعة اللوز , بلا تذمر.

-4-

تحولات زرافة

أقصوصة بقلم :

          سليمان نزال

عندما خرجتُ الزرافةُ من وقتي و رمت بشموعها في شباكِ النرجس,لم أكن قد أكملت ثلاثة أسابيع في مداعبة لفتاتها اللاهثة خلفي في غموض مسلح بأنوثة مالحة.

كان كل شيء بيننا يتشظى في خطين يلتقيان على البعد و ينفصلان عند مصبات الشهيق في شلالات المرايا الراقصة. و قبل أن تنكشف في حركات الأصابع, أفكارها, كنتُ قد عزمت على حزم حقائب صرخاتي و السير في الطريق الأول.

آخر ما اجتمعنا عليه كان حاجتها إلى نزفي على مراحل محسوبة..و تلك الإشارات تنهمرُ من لثامها, فأصعد سلالمَ حرقاتي و لا أبحث عنها في نشيدي..فقد أمضيت أربعين عاما كي أحميه من تسلل العثرات, و كان علي أن أُدخلَ خسارة الزرافة في باب الضرورات التي لا تبيح لي معاودة الإتصال مع أشرعتها التي تكره سفني و تغار من بحاري.

في موجات ٍ متتابعة ٍ اطلقتُ خطواتي..و ما بين الصعود و الهبوط أوثقتُ مهجتي إلى ينابيعي و بيادر ذاكرتي, و مضيتُ أقرأ أحلامي و توقعاتي على ضوء مسافة أقرب إلى جبين جدتي..

عادتِ الزرافةُ من أقصر درب يفضي إلى ضلوعي..طلبتْ مني قراءة مفاتنها و تجاوز أخطاء الورد في لحظة سادرة..ترددتُ قليلا على مرأى الرخام..اقتربتْ أكثر, همستْ و تهامست, بدَّلتْ عشرينَ ثوباً في عشرين دقيقة..رسمت الاعتذار بالشفاه..ثم نقشته على رسالتي الأخيرة.. وجدتني أميل إلى الغوص مجدداً, في غياهب سرها المكشوف على جهات نهري..ابتسمتْ بذبول كجدار ٍ آيل ٍ للسقوط, رمتْ بأسماء الخصام في غرفة التكرار الممل..

كدتُ أفعلها..كدت أسقط مرة أخرى في حفرها النرجسية..سألتْ: ماذا تنتظر؟ قلتُ : شيئاً لا يشبه هذه المفازة في عواصف مخادعة.

-  تتهمني إذن؟

-   و لا أتهمُ جرحي..بل إليه أعود..ابتسامة واحدة منه تكفيني كي أكملَ حفظ العناوين في شراييني و أنا أعود..

تراجعتِ الزرافةُ ..شتمتني..انسحبت, كان عنقها يتقلَّصُ شيئاً فشيئاً..أبصرته عنق أرنبة.. وتابعتُ نزفي في صورة ٍ أفضل.

-5-

باب السر
قصة بقلم :

          سليمان نزال

 

كنا نزوره, أحيانا, نستمعُ إلى حكاياه في السوق, كنتُ أشعر و أنا أنظر إلى عينيه, أنني في مواجهة غابة من عيون ,تبصرني في أدق مشاغباتي..و أنه يراني حتى و أنا أحركُ أفكاري لأهمسَ لصاحبي "م" الذي يرافقني, بشيء عن شكوكي.

يصوّبُ العم " شاهد" عصاه نحوي , تغدو شتائمه الموجهة نحونا, أعلى سقف بيت الصفيح - :" مش مصدقين إني أعمى يا زعران.. طيب واحد منكو يسكِّر باب السر"

لم نفهم ماذا يقصد بباب السر.. حتى هتفَ ثانية : الشباك يا أفندية!

يسأله صديقي م : و لماذا نغلق الشباك يا عم " شاهد"؟

-  " مش عارفين.قال مش عارفين..مش كل يوم بتييجي "تفاحة الشقرا" و بتوقف على باب السر, مفكري إنو قلبي رايح يستسلم, و يقول : تعالي تجوزيني, يا تفاحة و كوشي ع سنين الشقا !"

أقول ببراءة -: طيب وين المشكلة, هي صبية في العشرين و أنت تجاوزت الستين؟

-  "رو حو انقلعو من هون ,أحسن, أنا أتجوز وحدة ناصحة و كمان كانت متجوزة! بنت بنوت أو بلا هالبيعة!"

نخرجُ مطرودين, كالعادة, من منزله المتواضع جداً..و نقرر شيئاً!

مع زحمة الأحداث و مرور الوقت..و تزاحم النداءات الفتية في العروق..ننسى الأمر و ننشغل في حراسة أحلامنا على حدود الجمر.

أنا تركتُ المخيم للدراسة, و بقي الشباب في مواقع الأرجوان المتقدم, إلى أن حلَّ الربيع بزهوره و دموعه و تقدمت الدبابات الهمجية, و قُصفت بالطائرات, القواعد و المخيمات و الجسور و القرى و البساتين و السواحل..قررتُ العودة في الحال..وجدتهم في أعالي الشموخ يفصلهم عن الخنازير, مسافة بستان صغير..رميتُ حقيبتي و كتبي في متاريس صحوهم.

تهجَّرَ السكان نحو المدن الكبيرة.. موحشة و مقفرة كانت الدروب..مغلقة كانت المحلات..تأخَّرَ "التموين" لأسباب نجهلها.. و تضوَّرت النجوم جوعا.ً.

-   يجب أن نفعلَ شيئاً..تعبَ الشباب من أكل العشب و النباتات البرية...فلنبحث لهم عن الخبز.

-   قلتُ: فلنذهب..

قادَ صديقي "م" السيارة العسكرية. في أحد الشوارع الضيقة الخالية تماماً, شاهدناه..كان العم" شاهد" يسير وحيداً, يتأبط عدة "ربطات" من الخبز.

قال صديقي: من أين يأتي "شاهد" بكل هذا الخبز و هو يعيش بمفرده؟

أجبت : ربما من فكرة خلفية..

-  نخطفُ منه ربطة لفكرة أمامية أهم و أجدى .. و لن يعرف شيئاً إنه أعمى!

و سارعتُ و خطفتُ ربطةَ الخبز.. و عدنا إلى الشباب في موقعهم .

بعد أقل من ساعتين..كان العم "شاهد" يقف فوق رؤوسنا في القاعدة.

قال - : "إنتو مش و طنيين أكثر مني.. خذوا كمان.. هاي كمان ثلاث ربطات خبز و رايح بجيب أكثر" ثم أضاف:

-  " لازم تشوفو مليح و مش ناقصكو عيون لتفهمو"

و لذنا بالصمت.. و فرحنا حين سامحنا و وافق على شرب" كاسة" شاي معنا.

-6-

مهاتفة الينابيع

قصة:

سليمان نزال

إلى أمي

أضغطُ بقلبي على قرص التمنيات, وروداً ملائكية يحملُ لي الهاتف, سنوات عمري تذوبُ في أسلاك, أمسكُ الشوقَ من أول الجمر و أنا أسمعها تخاطبني و تنزل الحرقات على أصابع الكلام, تربت على كتفي و تطلق من حنجرة الدعاء سيلاً من المحبة.

تطلبُ مني أن أرجعَ إلى أيامي, فأضم أيامها إلى صدري, شرفات من الحبق و الحنان. الصوت يصلني, بكلِّ رياحين الحنين. الصوتُ يطوقني بذراعيه, مساكبُ الشوق ِ تزهرُ مع كلِّ كلمة تقولها ..و أنا ما بين نداءات الوجد و أحزان السفر أقيسُ المسافات ِ بالرغبات ِ الصعبة.

يترددُ الصدى, في أركان الالتياعات, أدنيه من دمي.. و أتذكرُ دمي طفلا.. أبصرهُ صبياً, يمتشقُ الطريقَ علامات للعرفان, تصيحُ أفئدة ضلوعي: يا أمي..يا أمي..

تعاتبني قائلة: كل عام ترسل لي أطفالك, فيرفع المسرات جبيني, ألثمهم, ألثمُ أثرك, كيف تفهمني؟ أرى وجهك في وجوههم, أحمدُ الله و أشكره كثيرا.. لكني أشتاق إليك أكثر و أنت تنجب سلالة في منفى, فيكبرون في قيود البعاد..بعيداً عني يكبرون..

أشكرها على هدايا الزعتر و الميرمية و "الزوفا". تحيطُ نسيج الخطاب في أهازيج, يتراقصُ "التلفون" في يدي, أرمقُ طرفَ ابتسامة ٍ في الفضاء.

-  متى تأتي؟

-  سآتي مع أول الغيث.. لن يقطعَ الذئاب دروب التلاقي, أماه..

-   قلتَ هذا غير مرة..هل تلقاني تحت شجرة أغصان شجرة التوت, أنسجُ لأولادك "كنزات" الربيع, أم تراكَ تجدني راحلة هناك تحت جذورها ؟

-   حماك الله يا أمي, أطالَ الله في عمرك..سأرسلُ لك ِ حفيداً "أو حفيدة" مع مطلع البراعم, أرجو أن تقصِّي على مسامعه حكايات البحيرة و البلد.

و تنتهي مكالمتي مع الينابيع..أشعلُ الفراقَ لفافات تبغ متلاحقة..أكبرُ في المنفى, و لا تسقط في الانتظار قلاعي..

الشعر

الأديب الفنان

سليمان نزال

sleimannazzal@yahoo.dk  

-1-

عن التكوين
شعر :

سليمان نزال

*****

مثل حصان ٍ

إلى شجرة ٍ لا تهون

قد ربطتُ الزمانَ الخؤون..

كان المسدُ شرياني

كان الغضبُ في العيون

و عقلتهُ من مطلع الحزنِ

حتى صاحَ بي:

يا صاحبي!

أنسيتني.. و من أكون؟

لم أكترثْ..لم أحترسْ

فمثلي لا تهزّهُ أصواته

و الدهرُ يأتي من خاصرتي

بمشيئة ِ أوقاتنا..صرخاتتا

زيتوننا..يخضورنا..ليموننا

مُحدثاً أغصاننا..غصاتنا

عن التكوين..

أو يبقى مُقيّداً..

لشجر البواسل..

كي يأتي مطيعاً..

بأوقات ِ فلسطين.

 

-2-

شجرُ الأسى
شعر :

 

سليمان نزال

 

*****

 

أمضي إلى وهج القلب ِ ألومهُ

في حرقة ٍ شجرُ الأسى يحْويني

مني الدروب استدعي أسفارها

ما للخطى طعناتها تدعوني

ما للخطى قد كانت صديقةً

أطويها, صارت هيَ تطويني

كانت لنا في كلِّ درب ٍ وردةً

من إذ ما تذوي المنى يحميني؟

هل يمحو موجُ الجوى ميقاتي

يلغي لي مسيرتي يلهيني ؟

يغتالني نبضي..هل أشكوهُ

لمهجة ٍ في هجمة ٍ تمحوني ؟

تغتالني كفِّي كيف أردّها

هل يخفي أيَّامنا شرياني؟

قالوا لنا..عشق الثرى أهدافنا

صاحَ التراب : أنيابكم تدميني

كلما أورقَ تذكارٌ بطولةً

نادتْ بنا دماؤنا : يكفيني

فخرجتُ أنزفُ صوتي عاصفةً

يا للصوت ِ في ضلعه تكويني

شكراً لهم.. قد صوَّبوا في صدرنا

شكراً لهم قد أحْرقوا زيتوني

شكراً لهم قد قيّدوا أقمارنا

مربوطةً و النور ُ بها يهديني

شكراً لهم قد حطموا أحلامنا

لكنني أبنيها... تبنيني

حتّى و إن مرَّتْ بجرحي وثبةٌ

أبصرتهُ مثل الحصون ِ جبيني

و أريدني ألقى بلادي حرةً

و أريدني, يا موطني, فلسطيني.

-3-

الخرائط   النارية
شعر :

          سليمان نزال

*****

هل تخضع موجات الغواية للصدِّ و بيَ " حيفا" في دندنة

هل يتركُ زوارقهُ البحرُ لنجدةِ غيمة ٍ من قرصنة

أم أنها أنواره في العمق ِ بها أصواتنا رجع المنى

فينسحبُ الصوتُ كي يخبىءَ سيفهُ في سوسنة؟

ساعدني يا ساحلي كيما أرى هذا الشارع حزمةً

من الصحو..تواقيعَ بالأخضر، و حركاتٍ خاكيةً

اتكاءاتٍ على سواتر محفورة في الجراحات..

زمنا يخلعُ قمصانَ الهروب ِ بهتف ٍ من العلى

ساعدني يا رمحهم كيما أرى سنابلي

طليقةً في بيدري.. ذاكرة تحملُ منجلاً حتى تحصدَ أزمنة

و اسعفني يا دمهم في زحفكِ المجيد أنتَ

تكنولوجيا السناء بك..تفاهم زيتونتين على درب ِ المعصرة

محركاتِ الجموح الفتي..مصانعَ المواقيتِ في تواريخ ممكنة!

و دربنا هذا النهوض المطوَق برؤانا الصديقة

المسدَّد كطلقة ِ البدء ِ على مرأى حديقة

هو شهوة الينابيع..انطلاقة الرجوع في صيحةٍ مزمنة

هو الواحد الموحد في وثبة الصقر ِ العربي ضد الهيمنة!

فهل ترمي الفصولُ المقيمةُ تحت جلدك الربيعي

حنظةَ الحظ الندي..دهشةَ التبر على نزول التوق

إذ أنت تلتفُّ ببردة الوصل..فتجمعك الزنابقُ بأصواتها

فلا ينكسر سوى إيقاع الرتابة ِ في نظرة ِ المفازات ِ المظلمة

أه منك لنا ..كي تكوني بنا مع النخيل ِ قبضات موجعة

ساعدينا, لا بدَّ من غرس ِ النفور فسائلَ للعبور

لا بدَّ من هذا النسغ الباسل يشعُّ للمسير

علامات على الطريق تسفرُ عن ذاكرة ٍ مطمئنة

هو الرحيقُ في عروقك ِ يتنفسُ بهم..سواعدهم..

لو كنا نفيقُ لنبصرَ قوافلَ اللوز في نبضاتهم..

لو كنا نعودُ لنشهدَ كواكبَ البهاء في ضرباتهم..

كرنفالات السمو حين يمضونَ من براعمها لخرائط نارية

و يكشفون الحلمَ على نوافذ سنديانية ترى أيامهم

شرفات على صباحات تتجولُ في شرايين الضياء ِ العميق

رفقة الشموس على المحطات.. و الواصلون يفكّون ضفائرَ النهرين

على راحات الخلاص..شناشيل "ابنة الجلبي"في ضحى"بويب"

رمية للنسر ِ يتبعها النشيد في رشقات ِ الرصاص

هنا تكبرُ المسافاتُ بين الزناد و الدرس البليغ

هنا يفرّون من "عطية الله" إلى بارجة ٍ مذعورة..

هنا تزغردُ يمامةُ الشروقِ لبغداد المنصورة

سُرّ من رأى الحبيبة تهمسُ للنجوم ..مواعيدها

فينهضُ سرُّ الأرحوان من" القدس" عنوان المسيرة...

نسورٌ في أكاليل الزهو تعدُ العاشقينَ باقات ٍ ملونة

علامات للكبرياء ترسمها الأهازيج العراقية العربية

فانظروا علاماتهم تلي تعاليم الصعود إلى الرابية..

خرائط نارية و الأكفُّ لا تتعب من صهوةِ التحليق..

يبهرني هذا الرمح و قد كان من قبل قصيدة لهم

يكتبها "السياب " في البصرة الحرَّة أفئدةً حداثية..

خرائط من نار..فقل للتتار..لن يهزموا الخريطة!

للدم شروطه..للنصر سطوعه..لموسم النور

مواكبه..تتنزه في خلاياهم العريقة..

يبهرني هذا الشهد في ردِّهم

يقطفُ للعارفينَ شهدا..

يلهمني هذا النزف الملائكي

يهدي للواثقينَ وردا..

النجمُ للنجمة

البستانُ للوريد

المجدُ للأسير

المجدُ للشهيد

و الدروبُ فدائية توزِّعُ العشقَ قناديل

من ماء ٍ و ماء..جدوال الحناء

و مسدسُ الحلم ِ محشو بوهج النفرة ِ

و الذاكرةُ خيلٌ و أنت ِ يا بغداد للصهيل.

 

-4-

مزنرٌ بسعفِ النشيد

شعر :

                 سليمان نزال

 

*****

ثِقِي بي حبيبتي

توثقي بجرحي..

بنزفٍ يُتابعكْ

و هو بسر ٍ يكاشفُ الطريق

يرافقُ البروقَ

يحاربُ معكْ

فمن سيوصل الوريد

لغيمة على أصابعكْ؟

و من سينقل البريد

يمامة على مدامعكْ

و من سيحمي "كنيسة بقلبه"

بدمهِ جوامعك؟

و من سيهدي كروم المعاني

مشاهدَ السنا

قلائدَ التفاني

إذا ما يفرَ الهباءُ

و تزهو شوارعكْ؟

ثقي بي حبيبتي

كلِّي على جمري بك ِ

يهاتف جبيني روائعكْ

كلِّي على عشقي بكِ

متوحدٌ في مواقعك..

مُزنرٌ بسعفٍ ألقاه نشيدك

فراتاً من المنى

و قد أضاء سواعدكْ

ثقي بي بجرح ٍ

إذا ما سُكبتْ مواجعه

ذهبت مواجعك..

و سارتْ قلوبُ الصقور

بمسرى مرابعكْ

و رأت" فلسطين" عيونها

"ببغداد" ضلوعنا

لتحرسِ مسامعكْ

ثقي بي..

أنا أسردها بنبضي

سيرا ً لفجر ٍ

سحباً لفخر ٍ

هو من صنائعكْ

ثقي بدم ٍ

أتى من عروقك

لكي يبصرها ملاحمكْ

كُتبتْ على جذع موعد ٍ

متصل ٍ بثرى عزائمكْ.