الأدب  ( 1 )

 أخبار و مقالات و دراسات أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 تجارة الرِّقيق

في الألفية الثالثة  

مقال

 توفيق أبو شومر

 عن القصة السورية

         ظلتْ كتبُ التاريخ تفخرُ بتحرير العبيد ، ومنع الاتجار بالرقيق ، وسنِّ قوانين وتشريعات الحرية ، وأصبح شعار العالم منذ قرنين الحرية والمساواة والعدل ، ورفعتْ الثورات العالمية الكبرى شعارات الحرية والمساواة ، وأنامت البشر على وقع شعارات الحرية، وجعلت الناس يحلمون بالحرية، وهم يعيشون أبشع أنواع العبودية .

ولم يلتفت كثيرون إلى علاقة العبودية بتكنولوجيا الألفية الثالثة، وهرب كثيرٌ من الباحثين من الربط بينهما لسبب وجيه ، وهو أن التكنولوجيا جاءتْ  كثمرة من ثمار الحريات ، فكيف تكون مُسبِّبة للعبودية ؟!

وسعد كثيرون بالطفرة العلمية المتنامية فائقة السرعة ، لأنها حسب اعتقادهم ستكون خادمةً لحياتهم ، مُسخَّرة لراحتهم ، حتى ولو كانت حياتهم وحياة أبنائهم هي الثمن .

هكذا إذن اعتاد عبيدُ الألفية الثالثة ، أن يتغنوا بحريتهم ، وهم يرزحون تحت أقسى أنواع العبودية .

كلُّ ما في الأمر أن أكثر البشر فرحوا باندثار تجارة الرقيق والعبودية بمعناها التقليدي فقط..

 والحقيقة أن العبودية لم تندثر ، بل ظهرتْ في صورٍ وأشكال جديدة شتّى ، وغيَّرتْ أثوابها وماكياج وجهها فقط .

وصورها .

تطورتْ تجارةُ الرقيق وانتقلتْ من يد عصابات النخَّاسين التقليدية التي كانت تقود العبيد مكبلين بالأغلال في قوافل لتنقلهم إلى الأسياد ، لتصيرَ تجارةً عالمية مُرخصة ومسكوتٌ عنها ، بحيث صار في الإمكان أن يُصبح سكانُ بلدٍ بأسره رقيقا ، لنخّاسٍ واحدٍ أو أكثر ، أو لدولة من دول النخاسين أو أكثر، وصار مواطنو كثير من الدول يعيشون عبوديتين ، عبوديتهم لحاكمهم المُستَبِد ، وعبوديتهم ، هم وحاكمهم إلى الأسياد ونخاسي الألفية الثالثة.

وأصبحت خيارات العبودية تتراوح بين ، أن يبيع الفرد حريته لرب عمله ، في وطنه ، أم في وطنٍ آخر ، والفرقٌ بينهما ، هو الثمنُ ليس إلا .

وصارتْ بعضُ الدول تُبيح لمواطنيها أن يبيعوا أعضاءهم وأجسادهم ، فهناك دول اعتبرت أجساد أبنائها قطع غيار قابلة للبيع ، فأصبح  بيع الكُلى وقرنيات العيون وأعضاء بشرية أخرى فيها للموسرين الأغنياء، مصدرا للدخل الوطني ، وأسمتْ بعضُ الدول هذه النخاسة البشعة تجارة (السياحة الطبية) .

 وهناك دول أخرى جعلتْ البغاءَ مخزونها الاستراتيجي، وركيزة دخلها القومي، بحيث صارت الأسرً فيها تدفع أبناءها إلى ممارسة البغاء كتجارة مربحة ، وكعملٍ إضافي يُساعد الأسرة ويُنعش دخلها المالي ، وأطلقت على هذا النمط من العبودية (الترفيه الجنسي).

ولجأت بعض الدول إلى إسعادِ مواطنيها باقتناء رقيق الخدم والحشم، فمنحتهم رخص الاستعباد ، وأعطتْهم الحقَّ ليشتروا بأموالهم عددا من العبيد من دول تصدير العبيد، التي تعتبر مواطنيها زائدين عن الحاجة، فظهرتْ تسمياتهم  الجديدة مثل: السائقين والمربيات والممرضين والممرضات والطبّاخين والطبّاخات ، والمدرسين والمدرسات ، وأطلقتْ على هذا النوع من الرقيق (العمالة الوافدة لإنعاش الأسرة).

ولعلّ أبشعَ أنواع العبودية ، حين يستعبدُ المُستعبَدُ عبدا ، فإنه يكون أكثر طغيانا وسطوة من نخاسي القرون الفائتة ، وينطبق ذلك على كثيرٍ من حكامِ الدول النامية والصغيرة والحقيرة ، فحكام تلك الدول المًستعبدون أصلا من رؤسائهم في الدول الكبرى ، يقومون بما هو أبشع من الاستعباد والاسترقاق القديم ، فهم يفرضون على شعوبهم المُسترقة الإتاوات ، ويُجبرونهم أن يلتزموا بمبادئهم وأفكارهم لا يحيدون عنها ، ويهددونهم بالموت إذا خالفوا مبادئهم ، فتصبحُ الدولة كلها صورة من صور الحاكم ،  فيصير التعليم مرآة من مرايا السلطان ، وتصبح الفنون والثقافة ، أغنية من أغانيه ، وتصير الوزارات والدوائر والمؤسسات فرقا للمخابرات في بلاط الحاكم ، وبمرور الوقت يستمريء عبيد تلك الأوطان هذا الاستعباد ، ويتغنون به باعتباره حرية وعدلا ، وهذا هو الأقسى !

ولعلّ أبشع أنماط العبوديات ، تلك التي تغضُّ فيها بعض الدول النظر عن تجارة الأطفال سواء أكانت التجارة  بدفعهم لسوق العمل ، بعد أن يتسربوا من المدارس ، أو بالادعاء بأن أسرهم لا تتمكن من تربيتهم ،حتى أن بعض الدول غضتْ الطرف عن التغرير بالأطفال وضمهم إلى الأحزاب، بعد أن نوَّمتهم تنويما مغناطيسيا ولقنتهم مبادئها منذ نعومة أظفارهم ، فجرَّعتْهم التطرفَ والعنف ، وهم أطفال لم يصلوا سن البلوغ حتى أن بعض الأحزاب في دول كثيرة درَّبتْ الأطفال على السلاح ، وعلمتهم القتل قبل أن يبلغوا سن الرشد ، ونظمتهم في ميليشياتها كجنودٍ يُنفذون الأوامر، كما يحدث في بعض الدول الإفريقية  .

 وفي بعض الأوطان ما زالتْ الأنثى تخضع لعبودية الذكور ، فيزوجون البنات الصغار قبل أن يبلغن سن الزواج إلى عجوزٍ هرمٍٍ ميسور ليسددوا ديونهم .

وإذا أضفنا إلى صورة عبودية الأطفال ، ما تقوم به الدولُ المحتلة كإسرائيل من استعباد بطرقٍ شتّى ، كأن تعمد إلى تجنيد الشباب الفلسطينيين ليخدموا الاحتلال باستخدام أقذر الوسائل ، وما تقوم به قوات الاحتلال أيضا من سجن الأطفال الصغار، وتعذيبهم وقتلهم ، فإننا نكون قد رسمنا صورة أخرى عن رقيق الأطفال في ألألفية الثالثة .

ولا ينبغي أن نمرّ مرور الكرام على عبودية العصابات المنظمة التي ترعاها دولٌ كثيرة في السرّ ، وتعلن البراءة منها في العلن ، فهناك عصابات كبيرة اختصت بترويج كل أنواع الإدمان ، بدءا من إدمان المخدرات والمنشطات والعقاقير والأدوية غير المشروعة، وانتهاء بإدمان أنواع الطعام والشراب والكساء ، وفرضت كثيرٌ من الدول على عصابات الرقيق الحديثة أن تدفع مبالغ من المال لجيوب الحكام ، أو لخزينة الدولة لجعل نشاطها شرعيا ، وجعلتْ المالَ المدفوع بمثابة صك براءة من أفعالها ، وأصبح تعبير (تبييض الأموال) أو غسلها من عار الرِّق أمرا مستساغا ومشروعا ، ومعترفا به في كثيرٍ من دول العالم .

ونشطتْ أيضا عصاباتُ الرقيق في الألفية الثالثة في ممارسة أنشطتها في تفريغ الدول الفقيرة والصغيرة من أبنائها المبدعين ، واختطافهم كرقيقٍ ونقلهم بطرقٍ أبشع بكثير من طرق قوافل العبيد البائدة ، فأصبحوا يحشرونهم في سفنٍ صغيرة وحقيرة ، ويكومونهم فوق بعضهم كبضائع ، ثم ينقلونهم إلى بلاد الأسياد الموسرين ، وهناك من يستعملون سيارات نقل البضائع لتهريب قطيعٍ من العبيد ، بعد أن يحشروهم في أكوام البضائع ، فإذا قُدّر لهم أن يصلوا ، وما أندر وصولهم سالمين ! تبدأ مسيرتهم كعبيدٍ جُدد في بلاد الأغنياء ، يعيشون مُطاردين ، ويسيرون خائفين ، وينامون فى رعب وخوف ، وقد يقضون سنواتٍ طويلة في السجون ، أو تُجبرهم بعض الدول على العودة مرة أخرى إلى أوطانهم عبيدا وطنيين !

 والحقيقة التي لا يعترف بها كثيرون حتى الآن تقول :

 نحنُ أحرارٌ فقط في اختيار السيد الذي يستعبدنا !