أدب 2

حكايات عمتي - حكايات  شعبية و تراثية  : نزار ب. الزين                                    

 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

سيرة ذاتية
نزار ب. الزين

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و أربعين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

  الإبنة التي ضلت السبيل  

    حكاية للأطفال

نزار ب. الزين*

***** 

الجزء الأول

 جلس شومان ملك مملكة الدراوشة ذات يوم على كرسي العرش و هو في حالة سيئة جدا من الإكتئاب و القلق ، و بعد لأي تمكن وزيره و كاتم أسراره من معرفة السبب ، فقد رأى جلالته فيما يراه النائم أن أحدا ما طعنه في ظهره غدرا ، و قد استمر يرى الحلم ذاته ثلاثة ليالٍ متواليات  .

بعد إستئذان جلالته ، دعا الوزير جميع العرافين و المنجمين في المملكة إلى القصر لإستشارتهم بأمر هذا الكابوس المزعج .

منذ لحظة وصولهم ، عقدوا مؤتمرهم ، و أخذوا يتشاورون ، و كل يدلي بدلوه ، إلى أن اتفقت غالبيتهم على تفسير إرتضاه الجميع ، فكلفوا كبيرهم أن ينقل التفسير إلى جلالته :

- لدي التفسير يا صاحب الجلالة ، و لكنني أطلب الأمان

يجبه جلالته :

- أعطيناك الأمان ، قل ما عندك و لا تخف .

- سوف تحمل جلالة الملكة قريبا ، و سوف تنجب لك أنثى ، و لكن عندما تكبر سوف تضل السبيل .

 قال العراف ذلك ثم استأذن بالإنصراف !

إنسحب جلالته من قاعة العرش فورا ، و إتجه إلى جناح الحرملك* في القصر ، ثم أرسل في طلب الملكة حيث شرح لها الموقف ، ثم أنذرها قائلا : << حالما يثبت حملك يجب أن تخبريني و إذا حان وقت ولادتك و أنجبت بنتا يجب ألا تتأخري عن إعلامي ، لأنني سوف أقتلها بيدي ، قبل أن تسبب لنا العار ، فسمعتنا و سمعة المملكة أهم من كل بنات الأرض ! >>

لم تفه جلالتها بكلمة واحدة ردا على جلالته ، و لكنها لم تقتنع إطلاقا بما قاله المنجمون و العرافون ، فكيف يمكن لإبنة ملك أن تضل السبيل ؟ و هي التي سوف تنشأ في القصر تحت إشراف أفضل المربيات و أقدر المعلمات ؟!

*****

عندما تأكدت الملكة أنها حامل إستدعت وصيفتها و كاتمة أسرارها ، و حدثتها عن نوايا جلالة الملك ، و أنها قررت ألا تفرط بحشاشة كبدها ، و أنها غير مقتنعة بتفسير العرافين و المنجمين ، و أمرتها أن  تتفق مع أمهر البنائين لبناء قبو في طرف القصر بحيث يتم العمل ببنائه ليلاً دون أن ينتبه إليه أحد ، و أضافت أنها ستجزي العطاء لهم على أن  يكتموا السر ، و أن أوخم العواقب ستحيق بهم ، إن تفوهوا ببنت شفة !

قامت الوصيفة بتفريغ عدة غرف من طرف القصر الشرقي المطل على الوادي و منعت الجواري و العبيد من الإقتراب منها ، و ابتدأ العمل بإنشاء القبو و تجهيزه بكل لوازم المعيشة ، دون أن ينتبه إليه أحد .

و في نفس الوقت كانت الوصيفة تراقب سيدات القصر الحوامل و جواريه ، فقد إتفقت مع  الداية* على حل يرضي الملكة و يسعد الملك.

عندما أنجبت جلالتها إبنة حلوة ، نقلتها فورا إلى القبو ، حيث كانت المرضعة بإنتظارها ، بينما إستحوذت الوصيفة على غلام ذكر كانت إحدى الجواري قد ولدته ، بعد أن منحتها صرة من الليرات الذهبية الرنانة ، مقابل رضوخها للأمر الواقع و كتمان السر .

و هكذا أُبلغ جلالة الملك بأن الملكة أنجبت له غلاما ذكرا .

*****

أسموها زبرجد ، و توالت على تنشئتها أفضل المربيات و المعلمات ؛ و كأولاد الحكايات كبرت بسرعة ، حتى صارت صبية في الرابعة عشر ، رائعة الجمال ، متقدة الذكاء ، و لكنها ظلت لا تعلم شيئا عن العالم الخارجي .

و في الآونة الأخيرة بدأت تطرح الأسئلة على معلماتها : <<  قرأتُ في الكتب عن عالم مليء بالأشجار و الأنهار و الفراشات و الأطيار ، لِمَ لا أرى منها غير الرسوم ، لم لا يسمحون لي بالخروج لأرى الدنيا ؟ كل الأطفال لديهم آباء و أمهات ، فاين ابي و أمي ؟ كل الأطفال يلعبون مع بعضهم بعضا ، لِمَ أنا لا ألعب سوى مع ألعابي الجامدة ؟  >> و تحتار معلماتها بالإجابة على تساؤلاتها فكنَّ يؤثرن الصمت خشية أن تزل ألسنتهن بما لا يرضي جلالة الملكة .

و ذات يوم و بينما كانت جالسة على سريرها حزينة بائسة ، سمعت حركة غريبة في الجدار المجاور ، اقتربت منه أكثر ، وضعت أذنها ، فسمعت دقات رتيبة ، أخذ صوتها يزداد اقترابا ساعة بعد ساعة ؛ و على حين غرة برز لها رأس أرنب ؛ خافت منه بداية ، و لكنها تجرأت و اقتربت منه محاولة لمسه ففر .

كان الأرنب قد حفر نفقا ، إقتربت من الفتحة الصغيرة التي أحدثها ، وضعت عينها في الفتحة فظهر لها من الطرف الآخر نور ساطع << تلك هي الدنيا التي حجبوها عني! >> همست في سرها .

 و منذ تلك اللحظة أخذت توسع كل ليلة نفق الأرنب بيديها شيئا فشيئا ، حتى إذا تعبت ، غطت الفتحة  بخزانة ألعابها ، أما التراب الناجم عن الحفر فكانت تخبئه تحت سريرها  .

*****

و عندما لاحظت أن بوسعها النفاذ من النفق ، جمعت بعض حاجياتها ، و انتظرت حتى إنبثاق الفجر ، ثم تسللت خارجة من النفق .

وجدت نفسها فوق منحدر مغطى بالأشجار و الشجيرات ، تعثرت مرارا قبل بلوغ سفحه ، ثم سارت على غير هدى ، تمتع بصرها بمناظر الطبيعة التي طالما قرأت عنها  دون أن تتعرف عليها ، و هي تكاد تطير فرحا و سرورا .

فجأة يصدح عندليب قربها ، رفعت رأسها فوجدته في أعلى شجرة صنوبر ،  خاطبته قائلة :

- أنت العندليب ؟  قرأت عنك في كتبي ، تعال لأشاهدك عن قرب ، فلطالما تمنيت أن أراك رؤيا العين .

أجابها العنليب :

- أنت من بني البشر ، و قد نبهتني أمي ألا أثق ببني البشر ، لأنهم إن أمسكوا بي ، سوف يأسرورنني و يضعونني في قفص بقية عمري ، كي يتسلوا بسماع صوتي ، أنا لا أطيق الأسر ، فهل تريدنني أفقد حريتي ؟

أجابته زبرجد :

- أنا عانيت من الأسر يا عندليب  و لا يمكن أن أطلب الأسر لغيري .

يقترب منها و هو يقول مغردا :

- لقد صدقتك و أشفقت عليك ، و  سأرافقك عن بعد ، و سأطربك بصوتي حيثما تشائين ، و سأحذرك من الأخطار ، و لكن إعذريني  لن  أفعل  أكثر من ذلك .

شكرته ثم تابعت طريقها ...

بعد ساعة أو نحوها شاهدت غزالا ، فرحت برؤيته ثم قالت له :

-أنت الغزال ، أليس كذلك ؟

- نعم ، أنا الغزال و لكن من أنت ؟

- أنا زبرجد ، يقولون أنني إبنة الملك ، و لكنني لم  أر والدي قط ، و لم أر حتى والدتي  ، كنت أعيش في غرفة فيها كل أسباب الراحة ، و تعلمت القراءة و الحساب و العلوم من بطون الكتب ، و على أيدي ألطف المعلمات ، و لكنني لم أكن مرتاحة أبدا ، فقد كنت متشوقة على الدوام لمعرفة العالم خارج غرفتي .

- مسكينة أنت يا زبرجد ، كنت إذاً سجينة و أسيرة ، لقد أدمعت عيني ، و أشكر ربي أنني أعيش حرا طليقا  .

- تعال إلى جانبي ، أرجوك يا غزال ، تعال لنلعب معا .

- أنا آسف يا زبرجد ، فقد أخبرتني أمي ألا أثق ببني البشر .

- يضعونك في قفص ، كما العندليب ؟

- بل يذبحونني إذا وقعت بأيديهم ، و يأكلون لحمي ، و يزينون جدرانهم بجلدي و قروني .

- أنا لا أقوى على قتل حشرة يا غزال ، و لا أملك سكينا لأذبحك ، و أحب كل المخلوقات التي قرأت عنها ، أرجوك إقترب مني ، لنلعب معاً .

- لقد صدقتك و أشفقت عليك ،  سأرافقك عن بعد ، و سأحذرك من الأخطار ،  و لكن إعذريني  لن  أفعل  أكثر من ذلك .

شكرته ثم تابعت طريقها...

بعد ساعة أو تزيد شاهدت عنزة  تقف منتصبة على شجيرة ، تأكل أوراقها بشراهة ، تسألها زبرجد :

- أنت العنزة زوجة التيس أليس كذلك ؟

تتراجع بعيدا عنها ثم تجيبها بصوت مرتعش :

- نعم أنا العنزة و زوجي التيس ، فمن أنت ؟

- أنا زبرجد ، يقولون أنني إبنة الملك ، و لكنني لم  أر والدي قط ، و لم أر حتى والدتي  ، كنت أعيش في غرفة فيها كل أسباب الراحة ، و تعلمت القراءة و الحساب و العلوم من بطون الكتب ، و على أيدي ألطف المعلمات ، و لكنني لم أكن مرتاحة أبدا ، فقد كنت متشوقة على الدوام لمعرفة العالم خارج غرفتي .

- مسكينة أنت يا زبرجد ، كنت إذاً سجينة و أسيرة ، لقد أدمعت عيني ، و أشكر ربي أنني أعيش حرة طليقة  .

- تعالي يا عنزة لنلعب معا ، أرجوك !.

- أنا آسفة يا زبرجد ، فقد أخبرتني أمي ألا أثق ببني البشر .

- يذبحونك أم يضعونك في قفص ؟

- لا هذا و لا ذاك ، بل  يضمونني إلى قطيع ، و يحرسونني بكلابهم الشرسة خشية الهروب ، ثم يسرقون لبن أطفالي ليتغذوا به .

- أنا لا أملك قطيعا ، و لا أحب اللبن الحليب ، فلا تخشي مني أي سوء ، ارجوك تعالي إلى قربي لنلعب معا .

- لقد صدقتك و أشفقت عليك ، و سأرافقك عن بعد ، و سأحذرك من الأخطار ،  و لكن إعذريني  لن  أفعل  أكثر من ذلك .

تشكرها زبرجد ثم تتابع طريقها ...

تشاهد حمار الوحش المخطط ، تفرح به ، تسأله :

- أنت الحمار الوحشي المخطط أليس كذلك ؟

يجيبها  :

- نعم أنا الحمار الوحشي المخطط ، و أنت من تكونين ؟

- أنا زبرجد ، يقولون أنني إبنة الملك ، و لكنني لم  أر والدي قط ، و لم أر حتى والدتي  ، كنت أعيش في غرفة فيها كل أسباب الراحة ، و تعلمت القراءة و الحساب و العلوم من بطون الكتب ، و على أيدي ألطف المعلمات ، و لكنني لم أكن مرتاحة أبدا ، فقد كنت متشوقة على الدوام لمعرفة العالم خارج غرفتي .

- مسكينة أنت يا زبرجد ، كنت إذاً سجينة و أسيرة ، لقد أدمعت عيني ، و أشكر ربي أنني  أعيش حراً طليقا  .

- إذاً ، تعال لنلعب معا ، أرجوك !

- أنا آسف يا زبرجد ، فقد أخبرتني أمي ألا أثق ببني البشر .

- يذبحونك أم يضعونك في قفص ، ليتسلوا بشدوك، أم يسرقون لبنك ؟

- أنا لا أملك صوتا كالعندليب بل إن صوتي قبيح ، و لا لحما قابلا للأكل و لا لبنا يستسيغونه ، إنما يضعونني في قفص كبير ، في حدائق حيواناتهم ، ليسلوا أطفلهم بالفرجة عليّ . و لكنني سأرافقك عن بعد و أحذرك من الأخطار .

في المساء ، أحست زبرجد بالجوع و شعرت بالبرد ، فأخذت تبكي جزعة ، إقتربت منها العنزة و دعتها لتاول اللبن من ثديها مؤكدة لها أنها ستستسيغه لأنه طازج ، و اقترب منها الحمار الوحشي فأخذ ينفخ عليها من زفيره الحار ، و التصق بها الغزال يمنحها الدفء من جلده .

- لكم أحبكم يا اصدقائي !

قالت لهم ذلك ثم إستسلمت للنوم  .

*****

في الصباح الباكر ، إقترب منها العندليب ، حط فوق كتفها ، ثم قال لها محذرا :

- جميع من في القصر يقتفون أثرك و يريدون إعادتك إليه !

أجابته مرتاعة :

- و لكنني لا أرغب بالعودة إلى القصر ، و لا إلى الأسر ، و لا إلى العيش بين أربعة جدران ، لقد عرفت طعم الحرية و لن أرضى عنها بديلا ، أرجوكم يا أحبتي أغيثوني !

يدعوها حمار الوحش أن تركب فوق ظهره ثم يجري بها بعيدا بعيدا ..يحرسهما كل من الغزال و العنزة  .

في الطريق يبلغها العندليب ، الذي لا زال واقفا فوق كتفها ، بما سمعه حول قصتها ، عن حلم ابيها الملك ، و عن تفسير المنجمين لحلمه ، و عن إخفائها في القبو طيلة حياتها خشية أن يقتلها والدها الملك ، ثم عن إكتشاف أمر فرارها ، مما اضطر أمها الملكة لأن تخبر والدها الملك بحقيقة ما جرى ، فطلقها لفوره ، و حوَّل وصيفتها إلى المطبخ تقشر البصل و الثوم ، ثم أمر بإرجاعك يا زبرجد إلى القصر مهما كلف الأمر ، و هو عازم على قتلك لأن المنجمين قالوا له أنكِ سوف تضلين السبيل  .

علق الحمار الوحشي ضاحكا :

- ألا ما أغبى هؤلاء الناس حتى لو كانوا ملوكا ، لأنهم يصدقون المنجمين و لا يحتكمون للعقل ؛ ضل السبيل تعني أضاع الطريق ؛ فهل كل من أضاع طريقه يرتكب معصية ؟!

تجيبه زبرجد :

- أنا لا أعرف أبي الملك ، و لا أمي الملكة ، لم أرضع من لبنها ، و لم أشعر بحنانها أو دفء أحضانها ، فأنا لا أنتمي إليهما ، أنا لا أنتمي إلى القصر ، أنا لا أحب القصر و لا أحب الأسر ، لقد نلت حريتي و سأحتفظ بها ، أما أنت يا أمي العنزة فقد أسقيتيني من لبنك و أنتم يا إخوتي الحمار و الغزال و العندليب ، فقد منحتموني الحماية و الدفء ،  و سأنطلق معكم يا أهلي الأحرار بعيدا عن كل  قصور الدنيا .

----------------------------

*الداية : القابلة

* الحرملك : جناح الحريم

------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com

الإبنة التي ضلت السبيل  

حكاية للأطفال

نزار ب. الزين* 

*****

الجزء الثاني

 بعد أيام ، حط العندليب على كتف زبرجد ، كعادته عندما يود أن يحكي لها خبرا ما ، و لكن خبر اليوم إختلف عن كل الأخبار ؛ فبينما كان جلالة الملك شومان ، ملك مملكة الدراوشة ، راكبا حصانه ليشرف بنفسه على عمليات البحث عن إبنته الضالة زبرجد كما كان يردد ، و قد استبد به هاجس السمعة و شعور الغضب لتأخر العثور عليها ؛ جفل حصانه فجأة ، فأوقعه أرضا بينما ظلت إحدى ساقيه معلقة بالركاب ، و ظل الحصان يعدو جارا الملك وراءه ، و كان كلما إزداد عدد الذين يحاولون إيقافه يزداد نفورا  و هيجانا ، و ساق الملك لا تزال معلقة بركاب الحصان و رأسه ما زالت تتدحرج على الأرض ، و لم يهدأ الحصان إلا عندما أطلق عليه الجنود سهامهم و كانوا قد تأخروا بفعل ذلك خشية أن يصيب أحد السهام جلالته ؛ فهمد الحصان للحال ثم نفق ، أما جلالة الملك  فحُمِل إلى القصر و ظل يصارع الموت إلى أن سلم روحه لباريها قبيل ساعة من الآن .

حزنت زبرجد ، و تساقطت دموعها رغما عنها ، فتقدم منها أصدقاؤها العندليب و الغزال و العنزة و الحمار الوحشي يواسونها ، و تساءل الحمار الوحشي :

- أتبكين من أهدر دمك و سعى لقتلك ؟ يا لك من ملاك طيب يا زبرجد !

أجابته بصوت متهدج :

- صحيح أنني لم أعرفه ، و مؤكد أنه كان ينوي إغتيالي ، و لكن لم يكن ذنبه بل ذنب العرافين و المنجمين ، أليس ذلك ما أخبرتني به يا عندليب ؟ و  هو في جميع الأحوال يا إخوتي و أحبتي - والدي و سبب وجودي .

*****

في القصر كانت الأحداث تتلاحق :

        راوند ، ولي العهد ، يتسلم الملك بعد أن بايعه الناس بالإجماع .

        جلالة الملك الجديد أصدر أمره الأول بإعادة الإعتبار للوالدة  ، و قرر أن يطلق عليها لقب  " جلالة الملكة الأم " .

        جلالة الملكة الأم كانت قبيل ذلك قد أسرت لجلالته  ، بقصة زبرجد و ما رافقها من أحداث و ملابسات ؛ فصُدِم في البداية و صمم على التنحي لشعوره أن الُملْك ليس من حقه ، و لكنه عندما تأكد أنه إبن الملك الراحل شومان حقيقة ، لأن أمه  كانت إحدى جواريه ، تمكن بذكائه و طيب إرادته ، من تقبل الأمر و تقدير الظروف .

        تعرف جلالة الملك راوند على والدته الحقيقية و أمر بإعتاقها ، و كرمها و أعلى من شأنها ، كما أعاد الإعتبار لوصيفة الملكة الأم  .

        أرسل المنادين في كل أنحاء المملكة ، ليعلنوا عن وقف إهدار دم أخته غير الشقيقة زبرجد ، منذرا من يمسها بسوء بأوخم العواقب ، و منحها لقب أميرة ،  و رصد خمسة آلاف دينار لمن يدلي بأية معلومات ترشدهم إلى مكانها .

        أصدر امرا بمنع جميع العرافين و المنجمين من دخول القصر .

 

*****

عقدت  زبرجد إجتماعا مع أصدقائها العندليب و الغزال و العنزة و الحمار الوحشي  ، لاستشارتهم حول نداء الملك الجديد ، فنصحوها جميعا بالعودة إلى القصر ، بعد أن زالت جميع الأخطار التي كانت تحيط بها .

قالت لهم دامعةً :

- ولكنني لا أملك ثوبا لائقا أدخل به القصر !

قال لها العندليب :

- بوسعي تدبير ثوب لائق بأميرة مثلك !

ثم حلق طائرا  و توجه نحو بيت خياطة مشهورة في الجوار ، وقف على نافذتها و أخذ يغرد ، فلفت شدوه المثير نظر الخيّاطة ، فنهضت و تقدمت منه سائلة :

- أشعر بأنك تريد أن تطلب مني طلبا غاليا يا عندليب .

أجابها فرحا :

- أغلى طلب لأغلى إنسانة ، صبية في الرابعة عشر ، جمالها فاق كل جمال ، و رقتها فاقت كل إحساس ، و طيبها قارب طيب الملائكة ، إنها تحب كل الحيوانات و كل الطيور ، و تعشق الطبيعة بأشجارها و أنهارها و مروجها و سمائها ، و تحب الناس كل الناس ، حتى من أساء إليها ؛ جئت أرجوك و قد سمعت بمهارتك - أن تصنعي لها ثوبا من الحرير يليق بها .

أجابته مبتسمة :

- على العين و الراس ، و لكنني لا أملك حريرا ، يا عندليب ، أحضر لي الحرير و انا أخيط لها ثوبا لم تحلم بمثله الأميرات .

طار في الحال ثم حط فوق شجرة توت باسقة ، وقف على أحد أغصانها و أخذ يغرد ، فلفت شدوه المثير نظر أميرة القز ، فزحفت حتى اقتربت منه  سائلة :

- أشعر بأنك تريد أن تطلب مني طلبا غاليا يا عندليب .

أجابها فرحا :

- أغلى طلب لأغلى إنسانة ، صبية في الرابعة عشر ، جمالها فاق كل جمال ، و رقتها فاقت كل إحساس ، و طيبها قارب طيب الملائكة ، إنها تحب كل الحيوانات و كل الطيور ، و تعشق الطبيعة بأشجارها و أنهارها و مروجها و سمائها ، و تحب الناس كل الناس ، حتى من أساء إليها ؛ جئت أرجوك و قد سمعت بنفوذك في مملكتك - أن تمنحيني بعض خيوط الحرير لأقدمه للخياطة التي قبلت بكل رضا و كرم ، أن تخيط  لها ثوبا يليق بها .

 أجابته مبتسمة :

- على العين و الراس ، و لكن عليك قبل ذلك أن  تحمل الخيوط التي سآمر شقيقاتي بإنتاجها لك ، إلى الغزّالة التي ستغزل لها القماش اللازم لصناعة الثوب المنشود .

و ابتدأت ديدان القز بإنتاج خيوط الحرير ، حملها العندليب شاكرا ، و مضى إلى بيت الغزّالة ، فوقف على نافذتها و أخذ يغرد ، فلفت شدوه المثير نظر الغزّالة ، فنهضت و تقدمت منه سائلة :

- أشعر بأنك تريد أن تطلب مني طلبا غاليا يا عندليب .

أجابها فرحا :

- أغلى طلب لأغلى إنسانة ، صبية في الرابعة عشر ، جمالها فاق كل جمال ، و رقتها فاقت كل إحساس ، و طيبتها قاربت طيب الملائكة ، إنها تحب كل الحيوانات و كل الطيور ، و تعشق الطبيعة بأشجارها و أنهارها و مروجها و سمائها ، و تحب الناس كل الناس ، حتى من أساء إليها ؛ جئت أرجوك و قد سمعت بمهارتك - أن تصنعي لها قماشا من خيوط  الحريرالتي أحملها لك ، لتصنع منه الخياطة ثوبا يليق بها .

أجابته مبتسمة :

- على العين و الراس ، أمهلني ساعة واحدة ، و سيكون القماش جاهزاً .

 و بعد أقل من ساعة  سلمته القماش و هي تطلب منه أن يمر من حين لآخر على نافذتها ليسمعها شدوه الجميل ، فوعدها بذلك ثم حلق مسرعا بالقماش  إلى أن  حط على  نافذة الخياطة .

- إليك القماش يا خالتي الخياطة .

أجابته مبتسمة :

- و لكنني أريد صاحبة الشأن ، لأحصل على مقاساتها  .

فأجابها سمعا و طاعة ، ثم حلق للتو و اللحظة ليحط بعد قليل فوق كتف زبرجد ، فأخبرها بمساعيه و أن الخياطة تطلبها لتأخذ مقاساتها .

*****

ما أن رأتها الخياطة ، حتى هبت واقفة و قد أصابها الذهول :

- الأميرة زبرجد ؟ حبيبتي ..؟! 

أجابتها زبرجد و قد عقدت المفاجأة لسانها :

- أم جهبذ الخياطة  ؟ ألا ما أسعد حظي ، ثم تعانقتا طويلا ، ثم التفتت نحو أصدقائها قائلة :

- هذه خياطتي أم جهبذ يا أحبائي ، و التي خاطت لي جميع  أثوابي منذ كنت طفلة صغيرة ، عندما كنت في سجني الطويل .

ثم التفتت إلى أم جهبذ معرِّفةً :

-هؤلاء  أهلي و إخوتي و أحبتي :  العندليب ، أحبني و أطربني و رعاني ؛ العنزة أرضعتني من لبنها و أحاطتني بحبها ، الغزال ، حماني و منحني الدفء و الحنان ، الحمار الوحشي ؛ سافر بي بعيدا عن الأخطار .

حيتهم الخياطة أم جهبذ  بكل ود و إحترام ، و أرسلت من يشتري لهم أفضل أنواع البرسيم .

و بدأت زبرجد تحكي لها  ما جرى معها منذ أن بدأت تحفر النفق ، و كيف تمكنت من مغادرة القبو ، و كيف تعرفت على أحبتها العندليب و الغزال و العنزة و الحمار الوحشي ،

، بينما كانت أم جهبذ تصنع لها ثوبا لم ترتدِ مثله أعلى الأميرات شأناً .

و ما أن أنجزته حتى اقترحت عليها أن تذهب بنفسها إلى القصر لتخبر والدتها بأمر العثور عليها ، فوافقت .

*****

 عندما عرفت الملكة الأم  بأمر العثور على ابنتها زبرجد أغمي عليها من شدة الفرح ، ثم ما أن أفاقت من إغمائها حتى أطلقت الزغاريد فتجاوب معها كل من في القصر من جوارٍ  و أميرات ، ثم ارسلت تستدعي جلالة الملك راوند .

زفت إليه الخبر و هي تقول له :

-  لقد ضلت زبرجد سبيلها ، و لكنها لم تضل فقد حافظت على أخلاق الملوك ، ألا كذب المنجمون و لو صدقوا .

أمر جلالته بمنح الخياطة أم جهبذ خمسة آلاف دينار كما كان قد وعد ، ثم أمر بتجهيز موكب ملائم توجه على رأسه إلى بيت الخالة أم جهبذ .

كان اللقاء مثيرا و رائعا ، فقد ضمها جلالته إلى صدره و قبل رأسها ، ثم  قادها إلى عربة خاصة إزدانت بالأعلام و الورود ، أُعدت خصيصا لها .

 و لكن زبرجد تلكأت و أسرَّت لأخيها الملك برغبتها باصطحاب أصدقائها العندليب و الغزال و العنزة و الحمار الوحشي ، و شرحت له أفضالهم عليها ، فوافق و أمر لهم بعربة أخرى ترافقهم .

و سار الموكب نحو القصر ، تتقدمه الطبول و المزامير ، و خرج أهل المدينة يحيون جلالته  و أخته الأميرة زبرجد .

و على باب القصر استقبلتها أمها بالأحضان و الدموع ، ثم أُعلنت الأفراح و الليالي الملاح ، سبع أيام بلياليها ، لا ياكل أحد خلالها -  أو يشرب إلا على مائدة جلالة الملك راوند إبن شومان .

 

و توتة توتة ، خلصت الدوتة*

--------------------------------

* خلصت الحدوتة : إنتهت الحكاية

------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com