دراسات  نفسية


 

 

 

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

الإبداع موهبة أم مثابرة

مقال

محمد عادل فارس*

نكتشف بين طلاب المدارس والجامعات، بل بين أرباب المهن والصناعات، متفوّقين يسجّلون السبق بين أقرانهم، فنطلق عليهم أوصافاً حسنة: مبدعين، موهوبين، أذكياء، عباقرة... وتختلط في أذهاننا العوامل الكامنة وراء هؤلاء المتفوقين، أو نختلف فيما بيننا، فيقول بعضنا: إنها موهبة من الله، أو إنها أمر وراثي يولد مع الإنسان، ويستدل على ذلك بأن بعض هؤلاء المتفوقين لم يبذوا جهوداً كبيرة، ومع ذلك تفوّقوا!.

ويقول بعضنا: بل إنه الجدُّ والمثابرة والدأب!. ويستدل على ذلك بأناس لم يكن في آبائهم متفوق، لكنهم بالمكابدة والاجتهاد حققوا ذلك السبق!.

وفي الحقيقة تتداخل المعاني والمعايير في تلك التقسيمات والتعليلات.

في البدء لابد من بيان أن هناك نوعين من المتفوقين أو الموهوبين:

النوع الأول هم المتفوقون في الامتحانات المدرسية، وفي اجتياز الدورات التعليمية المختلفة، وفي تعلّم مختلف المهن... حيث يوجد منهاج مقرر (مكتوب أو مختزن في ذاكرة المدرب)، ويتنافس الطلاب على حفظه وفهمه والقدرة على الاستنتاجات المنبثقة منه وإجابات الأسئلة المتعلقة به... وهؤلاء المتفوقون لابد أن يكونوا على مستوى من الذكاء لايقل عن المتوسط، وغالباً ما يكونون من الأذكياء. وهذا بالطبع إذا كان النظام التعليمي الذي يتفوقون من خلاله نظاماً رصيناً. أما إذا كان يخضع لسياسة تعليمية تقضي بتنجيح جميع الطلاب، وإعطاء العلامات جزافاً، ومراعاة المحسوبيات... فقد ضاع الميزان ولم يبق للتفوق اعتبار!.

النوع الثاني هم المبدعون، وهم أصحاب ومضات وتألّقات، كضوء بعض الأجهزة الحديثة يومض بين حين وآخر، وقد تراه بين الومضتين مظلماً!. وهؤلاء قد يتفوقون في دراسة المناهج المدرسية، ولكنهم في الغالب لا يتفوقون، وقد يكونون أصحاب مستوى عالٍ من الذكاء وقد لا يكونون. وهم، في الغالب، أصحاب مزاج خاص وأطوار غريبة، وقد تجد عندهم ثغرات سلوكية أو أخلاقية، وقد يكونون مشاكسين أو انطوائيين! وقليل منهم من يجمع بين صفات الإبداع العالية والتوازن النفسي والاجتماعي والخلقي.

النوع الأول كهضبة مرتفعة عما حولها، لكنها قليلة الوعورة، والنوع الثاني كسلسلة من الجبال والوديان شديدة الوعورة، وقد تضم أجزاء صغيرة من السهول.

النوع الأول نحتاجه في جميع المؤسسات الرسمية والشعبية، فيحفظ النظام والقواعد العلمية والقانونية والإدارية والاجتماعية، ويحافظ على الإنتاج في ميادين التعليم والصناعة والتجارة والخدمات... لكن قدرته على التطوير والتحديث محدودة.

أما النوع الثاني فإنه يتألق بين حين وآخر فيأتي بما لم يأت به الأوائل، ويفتح آفاقاً في العلم أو الأدب أو الفن... لم تكن لتفتح لولا هذه المزايا المتألقة التي خلقها الله تعالى لترتقي البشرية في مختلف الميادين.

****

ولعل ما سبق يكون قد أجاب إجابة مجزوءة عن سؤال: المبدعون: موهبة أم مثابرة. وهذه الإجابة هي: الموهبة. لكن الإجابة الكاملة تحتاج إلى مزيد:

1- إن المتفوقين من كلا النوعين لابد أن يتصفوا بالجِدّ والمثابرة. فصاحب الذكاء مهما كان ذكاؤه حاداً، لن يحقق تفوقاّ يُعتَدُّ به حتى يبذل جهداً ويثابر، وإلا فإن تفوُّقَه سيكون محدوداً، بل قد يتفوق عليه من هو أقل منه ذكاءً، إذا بذل جهداً دؤوباً عالياً. وكذا المبدع، فإنه إذا اكتفى بما يلتمع في ذهنه بين حين وآخر، ولم يملك الإرادة والاهتمام العميق المتواصل والجهد الدؤوب فإن إبداعاته سريعاً ما تنطفئ، كعود ثقاب إذا لم يمتدّ لهبه إلى مواد أخرى فإنه يذوي ويحُور رماداً، ولا يؤدي عملاً. وكلا النوعين من المتفوقين ينطبق عليه قول الشاعر:

وقلَّ مَن جدَّ في أمرٍ يحاولُه     ولازَمَ الصبرَ إلا فاز بالظَّفَرِ

2- إذا كان الإبداع العالي يعتمد بالدرجة الأولى على الموهبة التي منحها الله تعالى لصاحبها، فإن قدراً عادياً من الإبداع يوجد عند معظم الناس، فإذا وُجدت المحفزات والظروف المناسبة مع الاهتمام والشغف والمتابعة الدؤوب فيمكن لهذا الإبداع أن يظهر ويثمر.

3- يذكر علماء النفس ثلاثة عناصر للإبداع، كلما توافرت في إنسان كان أكثر إبداعاً.

العنصر الأول: المرونة أي سهولة استدعاء المعلومات، والقدرة على النظر إلى المشكلة من زوايا عدّة. والعنصر الثاني: الطلاقة وتعني التفكير بأسلوب غير مألوف بعيداً عن النمطية. والعنصر الثالث: الأصالة، وتعني التفرد بالفكرة، والخروج عن التقليد، والوصول إلى شيء جديد كلياً أو جزئياً، بأن يطوّر وضعاً قائماً، تطويراً نوعياً.

4- للإبداع مجالات عدّة، كما أن للذكاء أنواعاً عدة. فهناك الذكي في مجال العلوم اللغوية، والذكي في مجال الرياضيات، والذكي في مجال الأعمال اليدوية وأعمال الميكانيك والكهرباء... وهناك أيضاً المبدع في الأدب والشعر، والمبدع في التصميم المعماري، والمبدع في الكيمياء والطب...

5- الدراسة الجامعية والعليا، إذا توافقت مع مجال الإبداع عند الفرد، فإنها تدعّم إبداعه، وتنضج موهبته، لا سيما إذا ترافقت مع منظومة قِيَميّة تعين على ذلك كأن تكون البيئة في الجامعة والمجتمع مشجعة على الإبداع في هذا المجال. فعندما تكون السلطة الحاكمة مهتمة في بعض المراحل بإنجاز تطور مميز في ميدان صناعة السيارات أو المركبات الفضائية أو الطاقة النووية أو الاجتهاد الفقهي أو الإنتاج الأدبي... فإن الطاقات الإبداعية الكامنة تتفجّر وتعطي الثمرات العظيمة.

6- ومن ناحية أخرى هناك مبدعون كثيرون لم يتلقَّوا شيئاً كثيراً من الدراسة النظامية، أو أنهم أبدعوا في غير مجال دراستهم. فعباس محمود العقاد ومصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي... من كبار الأدباء الذين كان تعلمهم المدرسي متواضعاً، وكولن ولسون الفيلسوف الاجتماعي لم يكن يحمل سوى شهادة الدراسة الثانوية، وتوماس إديسون صاحب المخترعات الكثيرة كان طالباً فاشلاً، والإمام حسن البنا كان معلم مدرسة ابتدائية، ومالك بن نبي المفكر الجزائري وعلي محمود طه الشاعر المصري كانا مهندسين، ومحمد نجيب مراد وعبد المعطي الدالاتي الشاعران المبدعان السوريان طبيبان، وسيد قطب وأخوه محمد المفكران الإسلاميان اللامعان لم تكن شهادتاهما الدراسيتان في مجال العلوم الإسلامية بل في مجال الأدب العربي والأدب الإنجليزي.

7- الموهبة، سواء كانت ذكاءً أو إبداعاً، هي كالكأس، تملؤها بالماء النمير، أو بالوحل، أو تدعها فارغة، بمعنى أن صاحبها (والمجتمع من حوله) يوجهها وجهة صالحة ويحفّزها، أو يوجهها وجهة خاطئة، أو يهملها أو يقمعها!.

8- يعيش بيننا أناس نراهم عاديين، أو نراهم مزعجين مشاكسين، ثم ينتقل هؤلاء إلى بعض بلاد الغرب فإذا هم مبدعون، سواء في مجال الطب أو الهندسة أو العلوم السياسية... فلماذا؟! الجواب: أنهم وجدوا بيئة تشجع على الإبداع، وتتحمّل الإزعاج والمشاكسة، ثم تفرّغ الطاقة التي كانت تولّد الإزعاج والمشاكسة، في ميدان مثمر رائع!.

9- ليست كل فكرة تنقدح في ذهن المبدع تكون صحيحة، وليست كل تجربة يقوم بها تكون ناجحة، لكن علو الهمة، والإصرار على النجاح، والقدرة على توليد أفكار جديدة غير نمطية، واقتراح حلول كثيرة غير مألوفة، ووجود روح المجازفة والمخاطرة، والاستفادة من الأخطاء... ووجود البيئة الاجتماعية والسياسية والمادية المناسبة... كلها أسباب لظهور الإبداع وبلوغه غايات عالية.

10- قد يكون من المفيد ذكر لقطات من حياة بعض المبدعين لنتعرف إلى طرائقهم في التفكير وندرك معنى الإبداع، وندرك الفرق بينه وبين الذكاء المألوف الذي يعني الحفظ والفهم والاستنباط والتطبيق... نعم الإبداع شيء آخر، شيء جديد:

* كانت العرب تَقْرض الشعر، وكان فيها الشعراء المجيدون فمَن دونهم، ولكن لم يكن أحد يعرف قواعد منضبطة للشعر حتى جاء "الخليل بن أحمد الفراهيدي" فاستطاع أن يوجد علم العروض والقوافي، ويضع موازين لبحور الشعر، ويميز الزحاف (الذي لا يكاد يخلو منه بيت، لكنه يغيّر من الوزن المثالي للبيت)، والمجزوء والمشطور وشروط القافية وعيوبها... لقد فتح في الشعر ونقدِه وصوغِه باباً جديداً لم يكن قد طرقه أحد قبله...

* وكان الفقهاء منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم يجتهدون في استنباط الحكم الشرعي من أدلّته. ولكن لم تكن هناك قواعد للاجتهاد منضبطة مدوّنة، حتى جاء الإمام محمد بن إدريس الشافعي فوضع قواعد أصول الفقه، وكان بذلك عبقرياً فذّاً.

* وفي ألمانيا سأل المعلم تلامذته، يريد أن يكتشف قدراتهم في تخيُّل الأعداد وحسابها، قال لهم: لو جمعنا 1 + 2 + 3 +.... وهكذا حتى المئة. كم سيكون المجموع؟! فرفع أحد الطلاب يده ليقول: "المجموع هو 5050" وكان هو المجموع الصحيح فعلاً. فكيف عرف هذا الطالب الجواب وهو لم يطلع على قانون "مجموع السلسلة الحسابية"؟ قال الطالب: إذا جمعنا العدد الأول منها (أي الواحد) مع العدد الأخير (أي المئة) لكان الناتج 101. وكذا لو جمعنا العدد الثاني (أي 2) مع العدد الثاني من الأخير (أي 99) لكان الناتج كذلك 101، وهكذا حتى نصل إلى خمسين مجموعة قيمة كل منها 101 فيكون مجموعها 50 101 = 5050!!

وهذا الطالب هو الذي أصبح فيما بعد عالم الرياضيات والشهير كارل فريدريك غاوس، صاحب منحني التوزيع الطبيعي، أو المنحني الطبيعي، أو المنحني الجرسي، أو منحني غاوس!.

ونختم الحديث بهذه الخلاصة: لابد للمتفوق من قدر من الموهبة، سواء كانت بمعنى الذكاء العام أو الخاص، أو كانت بمعنى الإبداع. ولابد بيئة مناسبة وجهد ودأب ومثابرة وإرادة حتى يتحقق التفوق.

يقول الأستاذ محمد عدنان السبيعي (أستاذ علم النفس في دمشق):

مهما كانت عناصر الوراثة ممتازة عند طفل ما، فالبيئة غير الملائمة تضيع الفرص على الطفل لإظهار مواهبه.

ومهما كانت عناصر البيئة ممتازة فإنها لا تستطيع أن تجعل من طفلٍ وراثتُه محدودة رجلاً نابغة متفوقاً.

لابد من بيئة طيبة تحيط بوراثة مقبولة كي تثمر رجلاً أو امرأة لديهما موهبة.

****

وحين قال الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: "إذا لم تزد شيئاً على الدنيا، كنتَ أنت زائداً على الدنيا" إنما كان يقصد المبدعين الذين يُحْدثون في حياة الناس فتحاً.

وكنْ رجلاً إن أتَوا بعده       يقولون: مَرَّ، وهذا الأثرْ

=======

*عن بانوراما سوريه