دراسات  نفسية

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 


 

  

 

 

الأحلام

ثروة لم تستثمر بعد

 

بالرغم من أن الأحلام تكون ركناً أساسياً من أركان وجودناالنفسي والجسدي، فإن الوعي بها، من منظور طبي علمي، يكاد يكون وقفاً على المختصين،مما يعيق استثمارها في خدمة الصحة البشرية، وهي منجم عظيم الفائدة لمن يجيداستثماره.

 

كانت للأحلام دائما أهمية كبرى منذ القدم، وكان هناك في كل العصور منيفسر الحلم، مارس الكهنة في اليونان القديمة ذلك في معبد أبوللو إسكولابيوس، فقدكان الناس يذهبون ليؤدوا طقوسهم ويتطهروا عن طريق التدليك ويستلقوا حالمين طالبينالمشورة من الكهنة. واهتم المصريون القدماء بالأحلام، وهناك ورقة بردي مصرية قديمةتقول: «لو أن أمرأة قبلت زوجها في الحلم لواجهت المتاعب، ولو أنها ارتبطت بحمارفسوف تعاقب على خطأ عظيم، أما الارتباط بماعز فالموت السريع قادم، وولادة القطةمعناه إنجاب أطفال كثيرين، أما ولادة الكلاب فهو انجاب للولد»! لكن السؤال العلميالذي يخطر على البال: ماذا يحدث في المخ البشري أثناء الحلم؟ وماذا لو حرم الإنسانمن الأحلام؟ وهل كل الناس يحلمون؟ وهل كلنا يمكن أن نتعلم كيف نتذكر أحلامنا؟ هذهمحاولة لإجابة علمية عن هذه الأسئلة.

الطبيعي والخارق
العلوم الحديثة تصف الحلم بأنه نشاط عقلي أو خليط من المعتقدات والصوروالعواطف يحدث خلال النوم، وأغلب الأحلام تحدث خلال مرحلة النوم السريع للعينين (REM sleep)، وهي الفترة التي تستغرق في العادة من 20 - 25 % من فترة النوم الكلية. ويقوم الباحثون بدراسة النوم بتسجيل نشاط المخ الكهربي عبر موصلات كهربية تثبت فيفروة الرأس، ومراحل النوم تحدث في تتابع مستمر من المرحلة الأولى إلى مرحلة النومالسريع خلال تسعين دقيقة ثم تتوالي من جديد. وهذا التتابع يحدث عبر النوم كله، ومعكل موجة من موجات النوم تطول فترة النوم السريع للعينين وبالتالي فإننا نحظى بأربعأو خمس فترات من النوم السريع كل ليلة تتراوح زمنيا ما بين خمس الى خمس وأربعيندقيقة في كل منها ،وإن كانت هناك بعض الآراء تدعي انفصال نوم الحركات السريعهللعينين عن الأحلام. وقدحاول العالم ديمنت (Dement) بعد اكتشاف نوم الحركات السريعةوعلاقته بالأحلام أن يدرس الطول الحقيقي للأحلام بأن قام بايقاظ المفحوصين بعدبداية حركات العيون السريعة، أو بعد مدد أطول تتيح له المقارنة، وأظهرت نتائجه أنمدة الحركات السريعة للعينين تتناسب مع طول الحلم في الغالب. وإن كانت فترة الأحلاملا تقتصر على نوم الحركات السريعة فقط، فالقصص الشبيهة بالأحلام يمكنها أن تزورنافي أثناء دخولنا في النوم واستسلامنا للنعاس.
وفترة الحركات السريعة للعين هي نشاط عصبي وفسيولوجي، وعندما يكونالنوم عميقا جدا تختفي الأحلام والموجات الكهربية، في هذه الحالة (موجات دلتا) تأتيفي معدلات تبلغ ثلاث موجات في الثانية، وفي حالة نوم الحركات السريعة فإن الموجاتتأتي بمعدلات 60 - 70 في الثانية ويقوم المخ بتوليد طاقة كهربية تبلغ خمسة أضعاف ماينتجه في حالة اليقظة، وفي هذه المرحلة من النوم تتزايد المعدلات الفسيولوجيةللتنفس وضغط الدم ومعدل النبض بشكل درامي. ولأنه لا يوجد خارجيا ما يفسر ذلك فإنهلا يوجد تفسير إلا أن يكون المخ نفسه هو الذي يفعل ذلك. أو ربما يكون هناك تفسيرآخر هو أن يكون هناك عامل خارجي غير ملموس لنا حتى الآن أي غير عضوي أو غيبي. وهذاالتفسير الأخير الذي يقول إن الأحلام ربما كانت البوابة الى عوالم أخرى غير مرئيةأو مما وراء الطبيعة، لكن يبدو أن هذا الافتراض يبقى دون سند على الرغم من قدمهالشديد. لكن هناك الكثير من العوامل التي تدحض هذه الفرضية منها أنك تحلم بالموتىوبالأزمان القديمة والآتية،وهناك أحلام تبدو غير واقعية بالمرة وموغلة في الغرابةلدرجة تستعصي على التصديق بأنها وسيلة اتصال بالعالم الغيبي أو الآخر. وحقيقة أنالجزء المتحكم في نوم الحركات السريعة للعين هو الجزء البدائي الواقع في جذع المخ (القنطرة pons) وهو نفسه المتحكم في العمليات الفسيولوجية مثل التنفس، وهذا يجعلفرضية حدوث الأحلام نتيجة بواعث داخلية أقرب إلى التصديق. ولو جاز لنا أن نعتقد أنالأحلام ضرورية للبشر لهدف لم نتفق عليه بعد، فإن ماذهب إليه العالم روبرت (السابقعلى فرويد) يكون صحيًا تماما إذ قال: «من يُحرم من الأحلام فلابدّ أن ينتهي أمره فيالنهاية الى الخبل، فإن قدرا هائلا من الأفكار التي لم تكتمل والتي لم يتم التصرفبشأنها سوف تتجمع وتتراكم لتصاب هذه الأفكار بالاختناق».
وفي عصرنا الحالي قليل من العلماء من يعتقد أن الأحلام هي رسائلغيبية، لكن علماء مثل شارلز تارت (Charles Tart) يعتقدون أن الأحلام تقدم بوابةلعالم آخر وإلى عوالم النفس المتألقة (النرفانا)، ربما كانت أدلته على ذلك خبراتشخصية اومعتقدات خاصة، وقد ادعي أنه شخصيا سجل لحالات عدة في معامل علمية للنوم مايثبت أن الحالات كانت تتمشى بشكل خارق أثناء النوم، بل يمكن وصفها بالطيران! ويقولنيتشه (أنت تود أن تكون مسئولا عن كل شيء فيما عدا أحلامك، يا له من افتقارللشجاعة، إنك لا تجد شيئا من صنعك وحدك قدر أحلامك)! أما فرويد فيقول: «إن تفكيرناالعلمي في الأحلام يبدأ من افتراض أنها نتاج لنشاطنا العقلي. ومع ذلك يبدو الحلم فيالنهاية غريبا عنا لدرجة أننا نقول: رأيت حلما أو مناما أو أتاني حلم أو منام لكينبتعد بأنفسنا عن المسئولية».
في بحار الأحاسيس والعواطف
خلال أحلامنا يقوم جذع المخ بشل أطرافنا عن الحركة أثناء النوم،والناس الذين يعانون خللا في تلك المنطقة من المخ يعانون من المشي أثناء النومويصبحون خطرا على أنفسهم وعلى الآخرين، هؤلاء البشر لا يتركون أجسامهم أثناء النوم،بل يتركون فراشهم أثناء نومهم.والصفة الأخرى الغريبة من نشاطات المخ أثناء الأحلامهي أن أغلب الأحلام يتم نسيانها. وهذا لا يتم تبعا لأي ظاهرة غريبة ولكن لضعفالتسجيلweak encoding وهو الأمر المهم لحفظ الذاكرة عبر حفظ المعلومات الحياتية،وهي معلومات يتم خزنها عبر مناطق معينة من المخ، وتتم بدورها عبر اتصالات خبراتية. بمعنى أن الحدث الذي له علاقة مثلا بتأثير عاطفي جياش يتم تذكره بسهولة، أما الحدثالذي لا يحمل أية تأثيرات عاطفية يتم نسيانه بسهولة. تخزين الذكريات العاطفية يتمفي مكان ما من المخ ليس هو نفسه الذي يتم فيه تخزين الذكريات البصرية. ويتم الاتصالبينهما عبر اتصالات عصبية. وهناك بعض الناس يقومون بتقوية ذاكرتهم بأن يستيقظواليدونوا أحلامهم. ويقوم آخرون بالبقاء في فراشهم وخلق بعض التركيبات مع الحلم تساعدعلى التذكر، أو وضع عناوين لأحلامهم وغرض للحلم. ويقول الشاعر السويسري كارل شبتلر (Carl spittler) «إن الأحلام لا يمكن أن تحكى، ذلك أنها تتحلل عندما يحاول الذهنالعقلاني أن يمسك بها في كلمات».
وأغرب صفات الأحلام هي أننا لا نعي وقتها أننا نحلم، حيث يهبط نشاطالقشرة المخية الأمامية، الموكول إليها إدراكنا بأنفسنا وحين يغيب دور هذه المنطقةمن المخ لا يدرك الشخص أن ما يحلم به غير حقيقي. ويعتقد البعض أن توقف نشاط تلكالمنطقة من القشرة المخية يعطي الراحة المطلوبة للعقل أثناء النوم، وحين ننام تقوممنطقة المهاد (thalamus) بمنع النيورونات من توصيل الأحاسيس لقشرة المخ العليا أيتمنع المراكز العليا للمخ من التحكم، لتعطيها فرصة للراحة، مما يفسر لماذا لايستطيع المحرومون من النوم أن يفكروا بشكل حيوي وخلاق.
وخلال نوم الحركات السريعة للعينين تقوم المناطق الموكول إليها عمليةتركيب وتثبيت الذاكرة للخبرات العاطفية، بنشاط بالغ. ويقول العالم بيكر(Baker) إن «الأحلام هي لجان الرقابة على الروح watchdogs of the psyche» أي أنها عبارة عنمجرد وسائل تقودنا في بحار الأحاسيس والعواطف. أي أنها تعبير عن رغباتنا ومخاوفناالتي لأسباب عدة ربما يتم كبتها في اليقظة، وطبقا لهذه النظرية فإن شخصا حميمًا فقطوله علاقه بصاحب الحلم يمكنه أن يفسر الحلم.
على قنطرة المخ
هناك رؤيتان علميتان مختلفتان للأحلام، الأولى لهوبسون Hobson،والثانية لسولمز Solms وإن كانا يتفقان في أن التوصيلات العصبية والكيميائية للدماغالمتوسط midbrain هي المسئولة عن الأحلام، وإن كانا يختلفان في أصل التوصيلالفسيولوجي العصبي فيعتقد هوبسون أن الأحلام تنبع من قنطرة المخ (pons) التي تقومبإطلاق النوم ذي الحركات السريعة للعين. حيث تنطلق الإشارات الفوضوية من القنطرةإلى الدماغ الأوسط، ولهذا تبدو الأحلام غير مترابطة وعشوائية. ويعتقد الآن أنالدماغ الأوسط يقوم بانتقاء لهذه الإشارات الفوضوية أثناء نوم الحركات السريعةللعين. ويعتقد هوبسون أنه في غياب السلطة العليا لمراكز المخ الأعلي prefrontal cortex فإن الناتج لابد أن يكون بدائيا، لأنه قادم من المنطقة المسماة (المخالعاطفي) ويعتقد هوبسون أن كل النوم تقريبا هو نوم الحركات السريعة للعين! وقد أعادهوبسون التذكير في عام 2000 بأن هناك نوعا من التدخل للدماغ الأمامي على حركة العينالسريعة (REM - sleep) خاصة من خلال تحت المهاد hypothalamus لكن سولمز Solms (1997) يعترض على هذه النقطة بأن أبحاثه على المرضى المصابين بإصابات المخ أثبتت أنالأحلام ممكنة حتى من دون نوم الحركات السريعة للعينين. كما يرفض سولمز الربطالكامل بين نوم الحركات السريعة والأحلام فهناك 10 % من تقارير نوم انعدام الحركاتالسريعة تثبت أنه لا يختلف عن نوع النوم الحالم الخاص بالحركات السريعة للعينين، منحيث التكوين. لكنه من المتفق عليه أن نوم الحركات السريعة هو المحرك الأول للأحلام. أيًا كان الخلاف بين العلماء، فإن المخ ينشط بشكل بالغ أثناء الأحلام ويصدر طاقةكهربية أكثر من طاقات اليقظة.
هل تريد أن تتذكر أحلامك؟
عُرف أن العالم الكيميائي فردريش أوجست كاكولي، حاول لفترة طويلة أنيتوصل إلى التركيب الكيميائي للبنزين دون جدوى، ولكنه كان ينام على الفكرة نفسها،فقد استيقظ من نومه ذات ليلة وقد رأى في منامه ستة ثعابين كل منها يعض ذيل الآخر،لتتكون منها في النهاية حلقة كبيرة دوارة، استوحى منها تركيب البنزين الذي يشبه فيتكوينه الثعابين الستة أو ذرات الكربون الستة! لكي تستفيد من أحلامك يجب أن تتعودأولاً كيف تتذكرها. ولكي ندرك متى نحلم يجب أن نعلم أن أحلامنا تحدث في العادة كل 90 دقيقة تقريبا من بداية النوم، أي في توقيت نوم الحركات السريعة للعينين، أي أنكإذا استيقظت بعد 90 دقيقة يمكنك أن تساعد نفسك على تذكر تلك الأفكار الطائرة،ويمكنك أن تكرر ذلك كل تسعين دقيقة، بل يمكنك أن تحترف الإمساك بأفكارك إذا قمتبتدوينها تحت عناوين معينة وتربطها بأحداث مميزة لك، ثم تعاود قراءتها كلما ذهبتالى فراشك. إن هذه الرياضة الروحية، جعلت البعض يحاول أن يتحكم حتى في أحلامه بأنيحتفظ بجزء من الشعور والوعي أثناء الحلم لكي يستمتع بحرية في (سينما الأحلام). ويمكنك أن تنجح في رؤية أربعة أحلام أو أكثر كل ليلة!!بل إنك يمكن أن تتجول فيأحلامك بجزء من وعيك لعله يمكنك من تذكر ما رأيت من أحلام!!.

تلفَّتَ القلبُ مطعوناً لوحدتــه....... وأين وحدته؟ باتتْ كما باتـــــا!
حتى إذا لم يجدْ ريّاً ولا شبعاً.....أفضى إلى الأمل المعطوب فاقتاتا