المنبر الحر

*  محتويات ( المنبر الحر ) يعبر عن آراء  أصحابها

*  للرد على آراء  كٌتّاب  المنبر الحر ،  يرجى التكرم  باستخدام الرابط  التالي :

www.FreeArabi.com/FeedBack.htm

 

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

إنها الجزائر

مقال

سري محمد القدوة

        لم أكن أتوقع أن تكون الهجرة بعد العودة إلى أرض غزة عام 1994 من العاصمة اليمنية صنعاء ولم أفكر أبدا بشكل أو بآخر بأن تراجيديا الموقف الفلسطيني ستكون معقدة بفعل هذا الانقسام الفلسطيني الذي أدى بالمحصلة النهائية إلى خلق حالة من عدم التوازن في البنية السياسية الفلسطينية ولم يخطر في مخيلتي أنني سأغادر غزة في رحلة من الممكن أن نسميها مجازا رحلة المجهول وستكون محطتي الأولى الجزائر حيث كانت لحظات حاسمة في مخيلتي وأنا أرتحل بعد رحلة جربها أكثر من أربعمائة شخص فلسطيني غادروا غزة وتم ترحيلهم ضمن قافلة من ثماني باصات إلى مطار القاهرة الدولي هم معظمهم من الأطفال والنساء وأسعفني الحظ بأنني وصلت مطار القاهرة التاسعة صباحا وكانت رحلة الجزائرية الساعة الثالثة عصرا وحطت الطائرة الجزائرية في مطار هواري بومدين الدولي وللحظة الأولى وبتلك الابتسامة والترحاب استقبلنا الأخ عادل جودة مندوب السفارة الفلسطينية بالجزائر وما أن تحدثنا مع ضابط الأمن في المطار مرحبا بنا في الجزائر وما هي إلا لحظات ونتقدم بخطوات واثقة نحو عاصمة الصحراء وهذا التاريخ والحضارة والجمال الذي تمتاز به الجزائر العاصمة ..

ومن لحظة أن تنفست الحرية كانت لكلمات المواطنة الجزائرية القادمة إلى مطار هواري بو مدين حيث شعرت بالحرية بعد رحلة سفرها من القاهرة وهي تحط أقدامها ارض المطار لتقول ما أجمل أن يكون الشخص في وطنه و بعد أن سمعت تلك الكلمات التي اخترقت الصمت الرهيب برغم تباعد  المسافات بين الجزائر وغزة إلا أنها كانت قريبة لأنني شعرت ولأول مرة إنني في وطني الجزائر وطن الأحرار والثوار والشهداء وطن الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية وطن هواري بو مدين الزعيم الوطني الكبير صاحب المقولة الشهيرة نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة .. وطن القواعد الأولى للثورة الفلسطينية وتدريبات قوافل الثوار والفدائيين الفلسطينيين وطن الحرية والوفاء والديمقراطية والقانون وسيادة النظام وطن الحضارة والانتماء وطن جميلة بوحريد وطن مليون ونصف  شهيد

إنها الجزائر التي ينبهر كل من يتنقل بين أزقتها وشوارعها ليشاهد النظام والدقة والأخوة والحب لكل من هو فلسطيني وهنا لم أكن أتصور بأن زملائي الفلسطينيين عندما كانوا يتحدثون معي عن حب الجزائر لفلسطين بان هذا الحب له طعم آخر فعندما ركبت الحافلة وعرف صاحبها بأنني فلسطيني قدمت إلى الجزائر فتوقف ليقبلنا وقام بدفع الأجرة عنا مرحبا بنا بأرض الجزائر وعندما كنا في محل البقالة في شارع المناضل ديدوش مراد قام احد الشباب الجزائري الشهم بشراء لنا باكيت شبس مقدمة كهدية رمزية بشكل عفوي وبتواضع وشموخ  فشعرت أن الحب الجزائري لفلسطين له طعم ومذاق آخر له عبقرية الفكرة التي تكبر معنا في وجدان العلاقة الفلسطينية الجزائرية ..

إنها الجزائر التي احتضنت بدايات الثورة ففي رحلة العمر وحواري مع المناضل فاروق القدومي وحواري مع المناضل المبدع عثمان أبو غربية وحواري مع المناضل عبد العزيز شاهين وحواري مع المناضل عبد الله الإفرنجي كان الإجماع بأن الجزائر هي التي احتضنت الثورة الفلسطينية في مراحل تكوينها والإعداد والتجهيز حيث كانت مواقع تدريب حركة فتح صاحبة الرصاصة الأولى للثورة وصاحبة أول معسكرات تدريب لتجهيز وإعداد المقاتلين الفلسطينيين لإرسالهم إلى دوريات للقيام بعمليات فدائية في فلسطين ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي فهذا العطاء وهذا التاريخ لم يكن أن يمر إلا من خلال محطات هامة في تاريخ الثورة والعلاقة بين هذا الشعب المجاهد البطل وهذا التاريخ فكانت كلمات المجد التي صنعها الزعيم الخالد ياسر عرفات بإعلان قيام الدولة الفلسطينية من هنا من ارض الشهداء فلم يكن اختيار الجزائر مجرد صدفة بل جاء بعد أن درست القيادة الفلسطينية مكان وزمان الإعلان ليعلن الرئيس ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية بكل شموخ من هنا من أرض الجزائر .. أرض الشهداء والأبطال أرض العروبة والوفاء والحضن الدافئ ..

إنها الجزائر التي تشرفت بحضور مهرجان انطلاقة حركة فتح على أرضها في اليوم الأول لوصولي حيث كان الأخ السفير محمد الحوراني حريصا على الاحتفال بانطلاقة الثورة الفلسطينية وفي مهرجان مميز وجو من المحبة والأخوية الفلسطينية بين أبناء الجالية الفلسطينية وفي جو وطني فتحاوي أصيل واحتضان دافئ شاركت العائلات الفلسطينية ومعهم ممثلي السفارات العربية والقوى والفعاليات الجزائرية  في مهرجان انطلاقة الثورة لنرى ولأول مرة و بعد أن غادرت غزة الإعلام الفتحاوية ترفرف بشموخ في المركز الثقافي الجزائري وما تلك الكلمات التي عبر عنها الأمناء العامين للأحزاب السياسية الجزائرية إلا دليلا عن حب الجزائر لفلسطين .. ودليلا لهذا التاريخ والتواصل بين الأجيال .. إنني حقا أشعر ولأول مرة بحياتي إنني قدمت إلى  وطني الأول الجزائر وطن الشهداء والأحرار الشرفاء أبناء  العروبة والبطولة والفداء وطن الإخوة والانتماء وطن احتضن شعبي في أصعب المواقف ومازالت أرض الشهداء تبتسم لكل فلسطيني قادما إليها ومازالت الجزائر هي الحضن الدافئ للشعب الفلسطيني المناضل العظيم ..

إنها الجزائر التي شكلت الاهتمام الأول للقيادة الفلسطينية وكانت عنوان دائم لرحلات الرئيس الشهيد ياسر عرفات واستمرت العلاقات الأخوية بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وأخيه الرئيس محمود عباس لتشكل معنى للحب الكبير والانتماء العروبي الأصيل للثورة والتاريخ والحضارة .

إنها الجزائر التي ناضلت من أجل الحرية والاستقلال وقدمت الشهداء والجرحى والتي عانى شعبها من ويلات الاستعمار فخاضت الثورة وتنقل مجاهديها الأبطال واستبسلوا بالدفاع عن حقوقهم حتى نالوا الاستقلال ورسموا معالم الانتصار في أعظم ثورة عرفها التاريخ العربي هي ثورة الجزائر .

إنها الجزائر التي تتخذ اليوم طريقا نحو التنمية والاستقرار وتنطلق بقوة لتعزيز الأمن الاقتصادي والانفتاح الديمقراطي والتنمية بخطوات واثقة نحو المستقبل والتطور والنهوض لترسم ملامح مشرقة في تاريخ عربي أصيل .

=============

*محمد القدوة

رئيس تحرير جريدة الصباح / فلسطين

s704041@hotmail.com