المنوعات  4

ثقافة و معلومات عامة

صفحة التأسيس

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

 

 



 

العراق القديم و حضارة الكلدان

قسم خاص تقديم الباحث :

الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

أنخيدوانا الأكدية

أول شاعرة في تاريخ البشرية

بحث تاريخي :

الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

.

 

الجزء الثاني

 

     قلنا في الجزء الأول أن المقطع الأول من إسم (أنخيدوانا)، كان بالفتح أم بالكسر، لا فرق، يعني "الكاهنة العظمى" (أو"المعظـّمة") أو "الراعية" للشؤون الدينية وغيرها، ولكننا وجدنا أن المقطع الأول من إسم شاعرتنا له دلالات أكبر بكثير من المعنى التقليدي المتعارف عليه آنذاك. وأهم ما يحمله من معنى هو أنه كان لقبا يكنى به ملوك أوروك (الوركاء) القدماء لأن تنصيبهم ملوكا كان يقتضي اختيارهم بمباركة رجال الدين قبل كل شىء وإقامة احتفالات رسمية بمناسبة الجلوس على العرش. وربما لأنه لقب ذكوري أيضا، إختارته (أنخيدوانا) بدلا عن لقب "زرو" الأنثوي الذي كان يمنح للكاهنات من قبلها. وهذا يعني بأنها كانت تعلم تمام المعرفة بأن هذا اللقب يمنحها سلطات دستورية سياسية واسعة إضافة إلى مركزها الديني، ناهيك عن مسؤوليتها الاعتبارية في تعزيزحكم والدها في سومر. ويضاف إلى هذه المعاني معنى أسمى، فهو فضلا عن كونه يشير إلى الجاه والسلطة والنفوذ والنجاح، فقد كان عنوانا للقداسة والخير بنظر عامة الشعب خلال حياة حامله وبعد مماته. ولذلك أقيمت الأضرحة لحاملي اللقب في المعابد لتظل القداسة والبركة قائمة إلى أبد الدهور، إذ تقدم النذور وترفع الابتهالات لهم طمعا في الخير والبركة والشفاعة. ويبدو أن هذه الطقوس أضحت تقليدا لدى الأديان المتعاقبة، خاصة المسيحية.

 قلنا في الجزء الأول أيضا بأن (أنخيدوانا) هي أكدية المولد وسومرية الثقافة لأنها عاشت معظم حياتها في بلاد سومر ودفنت في المقبرة الملكية، وتحديدا المعبد  الذي يطلق عليه إسم (گيبارو)، علما أن والدتها، (تشلوتم)، سومرية الأصل ونـُقشت كتاباتها بالخط السومري. ومهما حامت الشكوك حول محل ولادتها، فدمها أكدي ملكي وتنتمي لسلالة أكدية سومرية دامت خمسة قرون بعد وفاتها. كما رجـّحنا لأسباب منطقية بأنها تسنمت رئاسة المعبد في وقت مبكـّر من حياتها، وهذا ما تؤكده الباحثة في تاريخ سومر وأكد (ميگان بومر) رغم زعم بعض المؤرخين، ومن بينهم الإعلامية الأمريكية (باتريشا ماكبروم) من جامعة كاليفورنيا - بيركيلي من أن (أنخيدوانا) تسلمت منصبها في عهد متأخر. وقد يستند هذا الزعم إلى حقيقة أن شاعرتنا استمرت في منصبها على مدى إثنتين وعشرين سنة في ظل حكم أخويها (ريموش) و (مان - إشتوشو) بعد وفاة والدها، ولكن تناسى هؤلاء بأن حاكم الوركاء المنحط أخلاقيا تمرد على والدها وأقصاها من منصبها لأنها كانت بمثابة سفيرة تحاول التقريب بين اللغتين السومرية والأكدية بين العامة، ومد الجسور بين المذاهب الدينية والعادات المتناظرة بين الأقوام في بلاد سومر وأكد. ورغم ظلم الحاكم الذي قارعته (أنخيدوانا) بكافة الوسائل، ومنها الهجاء في شعرها وتبجيل شفيعتها (إنانا) في معظمه، عادت إلى وظيفتها واستمرت بها، ربما حتى وفاتها في عهد  إبن أخيها (نرام سين) الذي تسلم قيادة دفـّة الإمبراطورية. والجدير بالذكر، فإن (نرام سين) شيـّد الكثير من المعابد في مراكز المدن والبلدات الجنوبية وعيـّن فيها بناته وأخواته كاهنات رئيسيات، مما يعني أن الدين والدولة كانا يسيران في خطيين متوازيين ومتداخلين في آن واحد. ما لا نعلمه حتى لحظة كتابة هذه السطور هو عدد السنين التي أمضتها أنخيدوانا في موقعها الرسمي، ولكن نخمـّن بأنها ليست أقل من ثلاثة عقود بأي حال من الأحوال.

قد يتبادر إلى ذهن القارىء سؤال عن صاحب الخط السومري على الرُقم الفخارية التي عثر عليها في مقبرة أور الملكية، فنقول: رغم أن (أنخيدوانا) كانت تتمتع بثقافة عالية وأنضجت الشعر السومري الذي يعود عهده إلى مئات السنين، إلا أنها لم تخط قصائدها بأناملها، وإنما عـُهد بها إلى الكتبة المختصين بالتدوين والنسخ. معظم تراتيلها منقوشة بالخط السومري، ولكن أسلوب نظم الشعر في اللغتين السومرية والأكدية متشابه جدا، إذ يجمع المتخصصون في الأدب الرافديني القديم على غياب الجناس والقافية والبحور من القصائد والتراتيل الدينية وحضور مشهود للغة المجاز، خاصة الاستعارة. إخترت لكم في هذا الجزء المقتضب من الدراسة نموذجين مقتطفين من قصائد شاعرتنا الأسطورية (أنخيدوانا) وحاولت قدر المستطاع ترجمتهما شعرا عربيا:

 

1. النفي من مدينة أور

 

 ناديتني لأسكن المعبد المقدس،

گيبارو،

فلبيت النداء، أنا الكاهنة العظمى،

أنخيدوانا.

حملت سلـّة الطقوس ورتـّلت ترتيلا،

وما تغنيت باسمك سوى تبجيلا.

نـُفيت ورُميت بين حثالات البشر،

فأضحى العيش من غيرك كدرٌ في كدر.

يحـُلّ النهار بضوئه مرتعبا،

من ظلام يلفـّني،

ومن نور ألبسه الظلام سوادا،

وحجبته حبات رمل عصفت بها الرياح.

جفّ ثغري الباسم وبات التلعثم مباحا،

وغدا وجهي الجميل ترابا.

 

2. لعنة الوركاء

 

من أكون أنا في بلادٍ همـّها وغمـّها بطنها،

وبعدها رُقاد؟

من أكون أنا،

والوركاء أضحت معقلا للعصيان،

وجحودا بنعمة الآلهة بعد فلتان؟

أسألك، أيها الإله (آن) أن تهدي القوم،

وإلا مزّق جمعهم إربا إربا.

أدعو الإله أنليل أن تحـُلّ عليهم لعنته،

وأن يدع الطفل في مهده وحيدا يئنّ

من غير أم عليه تتحنـّن.

سيدتي، وضعت قيثارة الحزن عند مرافىء العداء،

وتموضعت فوق الصخور.

وعندما يسمع أهل المدينة أغنيتي،

يتقاطرون نحوي وكلهم فداء.

===================

أ. د. دنحا طوبيا كوركيس - العراق/الأردن

عمان بتاريخ  15/9/2010

gorgis_3@yahoo.co.uk

 ===================

المصادر:

 

Boomer, Megan (2008). Priestess and King: Representations of Power and Gender in the Akkadian Royal Family, MS, pp. 1-19.

Meador, Betty De Shong (2000). Inanna Lady of largest Heart: Poems of the Sumerian High Priestess Enheduanna. Austin: University of Texas Press.

Roberts, Janet (2004). Enheduanna, Daughter of King Sargon: Princess, Poet, Priestess (2300 B. C.). Transoxiana 8.